لماذا نكتفى بأسبوعين للثقافة فى مصر؟!
الإعلام ومعرض الكتاب.. كيف تتواصل التغطية؟
- ألا تستحق استديوهات قناة «النيل الثقافية» دعم الهيئة الوطنية للإعلام.. ولو بنصف ما تنفقه لبرامج الطبخ واستديوهات التحليل لمباريات كرة القدم؟!
- أوقات المشاهدة متاحة ولن تخسر الفضائيات شيئًا من تخصيص بعض ساعاتها الميتة للإبداع والأدب
- لماذا لا يتم تفعيل دور صندوق التنمية الثقافية فى «تقديم الدعم المادى للجهات والهيئات والمراكز الثقافية والفنية الأهلية والحكومية» بنص أهدافه المعلنة؟!
مع بداية فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب، تنشط القنوات الفضائية لتغطية الندوات والفعاليات الفكرية والأدبية على مدار اليوم، فتجد الكاميرات فى كل الأمسيات وقاعات عرض الكتب، فى أروقة المعرض، وأمام القاعات الدافئة، حوارات قصيرة على هوامش الندوات، أدباء ومفكرون وناشرون وكُتَّاب وجمهور وقراء، مشاهد ملخصة للمناقشات والأمسيات الشعرية، فى نشرات الأخبار، وبرامج الكلام المسائية، وعلى مواقع الفيديوهات القصيرة والطويلة.. أسبوعان تتحول فيهما القاهرة إلى بؤرة حاشدة ومحتشدة بالفكر والأدب والثقافة والفنون والإبداع.. ثم صمت يكاد يكون تامًا، لولا قليل من البرامج المتخصصة المتوزعة هنا وهناك، ولولا قناة «النيل الثقافية» بإمكاناتها الفقيرة، وانتشارها المحدود.. فأين يذهب كل هذا النشاط بعد نهاية المعرض؟!
لماذا تتوقف التغطيات أو تنزل إلى الحد الأدنى، وكأن الثقافة فى مصر أسبوعان فقط لا غير؟!
هل هى كذلك بالفعل؟! لا أظن.

قليل من الإنفاق لن يضر
لماذا تبخل الهيئة الوطنية للإعلام فى الإنفاق على قناة «النيل الثقافية» ولو بنصف ما تنفقه على برامج الطبخ، والاستديوهات التحليلية لمباريات كرة القدم، وهى القناة التى أظن أنها القناة الأهم فى مثل هذه الأوقات التى تمر بها مصر، خصوصًا مع النشاط المتزايد والملحوظ للجماعات السلفية خلال الأشهر الأخيرة، وتغلغل تيارات الإسلام السياسى، والأفكار المتطرفة وانتشارها فى عموم القرى الصغيرة والبعيدة عن مركزية القاهرة والمدن الكبرى، وغلبة الترندات التافهة على مشاهد الحياة اليومية ومواقع التواصل الاجتماعى؟!
أين وزارة الثقافة من دعم هذه القناة شديدة الأهمية، وتحديدًا صندوق التنمية الثقافية الذى أنشأه الفنان فاروق حسنى نهاية ثمانينيات القرن الماضى من أجل مثل هذه الأنشطة، ولتوجيه الدعم غير الرسمى أو غير المباشر للجهات والهيئات الأهلية والحكومية على حدٍ سواء، وهو ما تؤكده الصفحة الرسمية للصندوق على شبكة الإنترنت، التى تقول فى التعريف بأنشطته ما نصه: «استطاع صندوق التنمية الثقافية منذ إنشائه عام ١٩٨٩ أن يقوم بدور فعال ومؤثر فى دعم وتنمية الحياة الثقافية فى مصر، وأن يمد جسور التحاور الخلاق بين المثقفين والفنانين بعضهم البعض وبينهم وبين الجمهور العريض.. كما عمل على الكشف عن المواهب الشابة فى مختلف المحافظات ودعمها ووضعها على طريق التميز والإبداع، فصندوق التنمية الثقافية يسير بخطى سريعة ومدروسة فى الوقت نفسه نحو تحقيق مفهوم التنمية الثقافية الشاملة وفق منظومة متكاملة تهدف لدعم الفنون والثقافة والارتقاء بها، ونشرها لدى مختلف فئات الشعب. وهو فى سبيل ذلك أقام العديد من المكتبات العامة والمراكز الثقافية فى مختلف القرى والنجوع والأحياء الشعبية»، «ومن ناحية أخرى فإن صندوق التنمية الثقافية يتولى إدارة وتنظيم ودعم العديد من المهرجانات الثقافية والفنية فى السينما والمسرح والفنون التشكيلية التى تعمل على دعم هذه الفنون والدفع بها فى عملية التنمية والتطوير ومنها المهرجان القومى للسينما المصرية، المهرجان القومى للمسرح، مهرجان المسرح التجريبى، سمبوزيوم النحت الدولى بأسوان، مهرجان سينما الطفل»، «كما يقوم الصندوق فى سبيل تحقيق التنمية الثقافية الشاملة بتقديم الدعم المادى للعديد من الجهات والهيئات والمراكز الثقافية والفنية الأهلية والحكومية، وكذلك يقوم بدعم شباب الفنانين والأدباء فى مختلف فروع الثقافة».
لماذا إذن لا تتواصل التغطية؟!
لماذا يبدو المشهد بعد نهاية المعرض وكأن مصر عادت إلى ثقافة الاستهلاك والترندات العبيطة والموجهة والبين بين؟!

أهل مكة وشعابها
لا أريد المواصلة فيما يبدو أنه جلد للذات، أو فى الحديث عما نراه من تقصير، لكننى أود هنا طرح الأمر للمناقشة والتفكير والبحث عن حلول، وهى التى تبدأ من النظر فى واقع التغطية الإعلامية المصرية لما تشهده الحياة الثقافية من نشاط يكاد لا يتوقف، ولكنك لا تجد له أثرًا فى إعلامنا الخاص والعام إلا فيما ندر، وبطريقة مغايرة لما ينبغى أن يكون.. ولك أن تندهش معى حين تلاحظ مثلًا أن غالبية المذيعين فى البرامج الرياضية، وعلى رأسها مباريات ودوريات كرة القدم، هم فى الأصل لاعبون سابقون، مع بعض الحكام أو المدربين والصحفيين المتخصصين فى الرياضة، الأمر نفسه فى برامج الطهى، والغناء والموضة.. ما عدا البرامج الثقافية إن وُجدَت.. فنادرًا ما تجد شاعرًا يقدم برنامجًا حول الشعر أو القصة أو الرواية، وهو ما يحدث مع كل دروب الإبداع الأدبى والفكرى، فما لدينا الآن هو برنامج أسبوعى يتيم، وهو برنامج «أطياف»، الذى تقدمه الروائية والقاصة الدكتورة صفاء النجار، وما عدا ذلك فبقية البرامج إما يقدمها صحفيون أو إعلاميون ليسوا بالضرورة من المتخصصين، رغم أننا جميعًا نتداول القول المأثور «أهل مكة أدرى بشعابها»، نعمل به فى كل الموضوعات والتخصصات، ما عدا الثقافة والأدب والإبداع، ورغم أننا فى وقت من الأوقات كانت قنوات «دريم»، وهى ملكية خاصة، تبث برنامجًا ناجحًا للكاتب الراحل جمال الغيطانى، يتجول فيه فى شوارع القاهرة التاريخية، ويقدم من خلاله وجبة ثقافية ومعرفية دسمة ومهمة، وفى الوقت نفسه كانت تخصص ساعة أو أقل قليلًا للموسيقار عمار الشريعى وبرنامجه الفارق «غواص فى بحر النغم»، وهو البرنامج الذى كان يقدم خلاله شرحًا وافيًا ومبهرًا للكثير من الأعمال الموسيقية الخالدة، تراثية وحديثة، ولا أظن أنهما كانا من البرامج غير الجماهيرية، كما لا أظن أنه يمكن بحالٍ من الأحوال المقارنة بينهما وبين الكثير من البرامج الثقافية التى يقدمها إعلاميون وصحفيون من خارج قطار الإبداع.
ربما لعب دخول غير المبدعين على خط إنتاج البرامج الثقافية دورًا فى بعض التحول وتراجع ما تقدمه من قيمة، فليس كل خريجى كليات الإعلام وأقسام الصحافة مثلًا يصلحون لإدارة حوار حول الشعر أو مدارس القصة القصيرة، وأذكر مثلًا أننى كنت ضيفًا فى أحد البرامج للحديث عن كتابى «سهرة مع آل باتشينو»، وأذكر أننى يومها كرهت الكتاب، واليوم الذى وافقت فيه على الذهاب إلى الاستوديو، بداية من مقدمة البرنامج التى راحت تلح على لفظ «العراب» كعنوان لفيلم الأب الروحى، رغم أن الكتاب يضم فصلًا كاملًا لتوضيح الخطأ فى هذه الترجمة.. ما يعنى أنه لا المذيعة ولا فريق الإعداد ولا أى عابر داخل الاستديو فتح الكتاب أو ألقى نظرة على محتوياته.. وهو ما دفعنى للرد على أسئلتها باقتضاب شديد، وتحول معى الأمر من احتفاء بالكتاب إلى ساعة من الضيق، والرغبة فى إنهاء الحوار والخروج من الاستديو المجهز بأحدث التقنيات الفنية.. لماذا كانت الاستضافة والحديث إذن؟! الحقيقة أننى حتى هذه اللحظة لا أعرف.
قبلها قدمت الإعلامية فاطمة السردى والشاعر محمد الكفراوى معى حلقة عن نفس الكتاب نفسه فى برنامج «طقوس الإبداع» المذاع على قناة «النيل الثقافية»، وكانت واحدة من أمتع اللقاءات التى سعدت بها، واستفضت فى الحديث عن الكتاب وعن ظروف كتابته، وكواليس نشره وإنتاجه، والكثير من أسرار الحياة الخاصة للنجم موضوع الكتاب.. باختصار مناقشة واعية، لمست من خلالها ما بذله فريق الإعداد من جهد فى قراءة لكل فصول الكتاب، وفقراته، والقدرة على النفاذ إلى ما بين السطور من أفكار.. لكننى أريد هنا أن أتحدث عن عدد من النقاط التى أراها مهمة.. كان الاستوديو الأول واسعًا جدًا، نظيفًا، غارقًا فى إضاءة فاخرة وعملية، كاميرات مثبتة ومحمولة، ديكورات متعددة ومبهرة، وأكثر من موضع لجلوس المذيعة والضيف، عدد كبير من العمال والفنيين.. ثم، خيبة أمل لا حد لها، حتى إننى عند الإجابة عن سؤالها «حدثنا عن (آل باتشينو) لم أزد عن عبارة مقتضبة لا تقول أى شىء «هو آل باتشينو.. كفاية»، لم يكن هناك أى تواصل من أى نوع مع ذلك الفم الذى راح يتكلم كثيرًا دون معرفة حقيقية بالموضوع، ولا بالضيف الذى يحاوره، وما صدقت أن رأيتها تقول كلمات ختام الحلقة حتى كنت عند باب المبنى الأقرب للمتاهة التى لا أعرف حتى الآن كيف وجدت طريقى فيها.
على الجانب الآخر، كان استديو القناة الثقافية، شديد الفقر، الكراسى متهالكة لا يقل عمرها عن عمر المبنى، إضاءة باهتة وضعيفة، حتى كوب القهوة الذى شربته، وتطوع الشاعر الجميل محمد الكفراوى بإحضاره لى، لم أستطع إكماله من رداءة البن، لكننى فى المقابل ولجودة الأسئلة وطريقة إدارة الحوار، تحدثت باستفاضة عن كل مراحل إعداد الكتاب، وعما حذفته منه قبل الطبع، وما أضافه لى شخصيًا، وشعرت بامتنان حقيقى لكل تفاصيل اللقاء الذى لم أشعر معه بمضى الوقت، رغم عدم معرفتى السابقة، لا بالمذيعة ولا بأى من فريق العمل باستثناء الكفراوى الذى أعرفه شاعرًا ومثقفًا حقيقيًا منذ سنوات بعيدة.. ولم يتركنى إلا عند بوابة نفس المبنى المتاهة!!

صورة ذهنية مغلوطة
ربما يحتج البعض بأنه لا يوجد بين المفكرين والشعراء والروائيين وكتاب القصة القصيرة من يصلح لتقديم برنامج ثقافى يقرب المسافة بين المبدعين والجمهور، وأن الصورة الذهنية عن الأدباء أنهم ناس بوهيميون، شُعثُ الشعر، يلبسون كيفما اتفق، ولا يجيدون تقديم صورة تليق بالمثقف المصرى، وهو تصور مغلوط، لا أصل له إلا فى بعض الأفلام والمسلسلات الكوميدية التى تبحث عن الضحك بأى صورة، فلدينا كثير من الكتاب والمثقفين ممن يقدمون صورة شديدة الانضباط، يتمتعون بالطلة اللطيفة، والملابس اللائقة، والحضور الجيد والمؤثر، ومنهم من يلجأون حاليًا لتقديم بعض البث المباشر على صفحاتهم الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعى، ويستعين بهم كثير من المواقع الصحفية لتقديم الندوات وحلقات الـ«بودكاست» الثقافية التى تتمتع بمشاهدات جيدة.
أما فيما يتعلق بحسبة الأرباح المادية، وساعات البث، فلماذا لا نفكر فى إحياء بعض الأوقات الميتة إعلاميًا، لماذا لا نجرب التفكير فى تخصيص فترات الظهيرة وساعات ما قبل الذروة وما بعدها للبرامج الثقافية.. كما كان يحدث مثلًا مع برامج «عالم البحار» للراحل الكبير الدكتور حامد جوهر، أو «أمسية ثقافية» للشاعر الراحل الكبير فاروق شوشة، وغيرهما من البرامج التى كانت بمثابة المتنفس الوحيد للمثقفين والمهتمين بالعمل الفكرى والإبداعى فى عموم القرى والنجوع والمدن الصغيرة، وما أكثرهم.. ألا يستحق هؤلاء منا بعض الاهتمام والرعاية، وأن نضعهم فى الاعتبار ولو كجمهور مستهدف؟!
والحقيقة أننى شخصيًا أرى أن الكثير منهم أكثر أهمية، وقدرة على التعبير والكتابة من كثير كتاب ومفكرى العاصمة الذين تتهافت البرامج والقنوات على استضافتهم والإلحاح على تقديم منتجهم أيًا كان!
لنفكر فى الأمر.. فهى فى النهاية ساعات ميتة إعلاميًا، تخلو من الإعلانات والمتابعة، فلماذا لا نجعلها ساعات للثقافة والمعرفة، ساعات خدمية لا ربحية، يمكن أن تقدمها القنوات الفضائية كنوع من الخدمة المجتمعية، وهى خدمة لو تعلمون ثمينة، وعالية القيمة والمردودات.
أخيرًا.. فإن مصر لا تتوقف عن صناعة الثقافة والأدب، لا تتوقف فيها الفعاليات والأنشطة الأدبية التى يحسدنا عليها الأشقاء، ويتوقون لحضورها، أو المشاركة فيها، أو متابعتها والتفاعل معها.. فإن انتهى معرض القاهرة الدولى للكتاب، فلدينا فى «الدستور» وحدها ما لا يقل عن ثلاثة لقاءات فكرية وأدبية على مدار الأسبوع، يحضرها مثقفون من المحافظات ويتكبدون المشقة من أجل المشاركة فيها والتفاعل معها، لدينا مقرات الأحزاب والأندية الخاصة، والقاعات العامة ودور النشر التى تنتظم فيها الندوات والأمسيات الشعرية والفكرية بمعدلات كافية جدًا لملء ساعات البث المطلوبة، وتقديم القيمة الفكرية والفنية والأدبية المطلوبة لمواجهة تفاهات مواقع التواصل الاجتماعى، والتيارات الظلامية المتطرفية.
على أى حال، هى مجرد تصورات تقبل الحذف والإضافة، ومحاولة لفتح باب الحوار حول أهمية الثقافة والأدب فى حياتنا، وهى بالطبع مجرد أفكار شخصية تقبل بالرفض الكامل، والقبول الجزئى، ولن نخسر شيئًا لو فكرنا فيها.. مجرد التفكير.. ربما نصل إلى خريطة طريق نعيد بها مصر المحبة للحياة إلى سابق عهدها، بدلًا من الجلوس أمام قناة «ماسبيرو زمان»، والتحسر على ما كنا عليه.. وما آل إليه الحال الآن.
وكل معرض والثقافة المصرية فى تفاعل وحراك وأمل وإبداع.







