نعيب شبابنا والعيب فينا.. عن سلطة الجوائز وحرية الإبداع.. واللقاء المستحيل
- بأى معيار تم اختيار قصص القائمة القصيرة لجائزة «ساويرس».. وما الهمس فى الحديث أمام الكاميرات ومكبرات الصوت وعشرات الصحفيين والإعلاميين؟
- طفرة القصة القصيرة فى مصر لا تخفى على أحد.. يفوز شبابها بجوائز عربية ودولية.. وبدلًا من الاحتفال بهم تحولنا إلى جلادين لجيل لا ذنب له غير أنه أحسن الظن بمن لا يليق بهم هذا العبث
على مدى تاريخها، لم تسلم جوائز الفن والأدب والإبداع من النقد والاعتراض والاتهامات المتبادلة بين الكتاب والمبدعين، متسابقين ومحكمين ومتفرجين وعابرين لا ناقة لهم فى الأمر ولا جمل، محليًا ودوليًا وفى كل بقاع الأرض.. قيل ما قيل عن «نوبل نجيب محفوظ» وعمن سبقوه إليها أو من لحقوا به بعدها، وقيل ما قيل عن جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية والنيل، من فازوا بها ومن لم يصبهم الدور.. بعض الاعتراضات كان صحيحًا ومُقدرًا، وفى إطار الاحترام والتقدير اللائق بالعلاقة بين الناقد والمبدع وعضو لجنة التحكيم أو المسئول عن الجائزة، وبعضها لم يكن يليق بمثقفين ومبدعين من الأصل.. غير أن ما يحدث فى السنوات الأخيرة، محليًا وعربيًا ودوليًا، تجاوز حدود الاعتراض أو النقد المقبول والمباح، كما تجاوزت الجوائز حدود «المجاملات» التى لا تضر، فحتى هذه الأخيرة على عيبها، كانت تسير وفق قاعدة يمكن التعامل معها والقبول بها، أو بعبارة أخرى، يمكن أن تمر دون ضجيج ودون اعتراضات تضع الجائزة تحت طائلة الشبهات.. ومنها على سبيل المثال أن تبدأ جائزة أولى دوراتها بالبحث عن اسم كبير «سنًا ومقامًا» لتدشن من خلاله مسيرتها، وهو ما حدث مثلًا مع الراحل الكبير جمال الغيطانى فى الدورة الأولى لجائزة الشيخ زايد الإماراتية، وما تكرر مع الراحل الكبير بهاء طاهر فى جائزة الرواية العربية، وكل منهما قيمة كبيرة تضيف إلى الجائزة لا تخصم منها، فلا يجوز تجاهل ما تحمله أسماؤهما من قيمة فى ميزان التحكيم، أيًا كان موقع عملهما الفائز بالجائزة بين أعمالهما، وبين الأعمال المقدمة فى وقتها، خصوصًا أن لجان التحكيم فى النهاية تتكون من أفراد يخطئون ويصيبون، وأيًا كانت درجة الموضوعية والحياد التى تحكم عمل هؤلاء الأفراد، تظل الذائقة الشخصية هى المعيار الأول لكلٍ منهم، بما تحمله هذه الذائقة من تباين وميل، وبعض الهوى.. تكرر الأمر كثيرًا، ومر دون ضجيج أو احتجاجات، إذ كانت الأسماء أكبر من الرفض والاعتراض عليها، وكانت الأعمال، فى أسوأ أحوالها، فى حدود الأدب والفن والابتكار والإبداع الذى لا يمكن إنكاره، فلا تنقصها جماليات الكتابة والفن، ولا تخلو من قيمة لمضمون، وجرأة فى الطرح والتجريب، وغيرها من عناصر ومقومات يعرفها النقاد وعموم المشتغلين بالثقافة والفكر والإبداع.. فماذا حدث إذن؟!
كيف وصلنا إلى هذا القاع الذى ليس بعده قاع؟!
مَن المسئول عن هذه الحالة المتردية حد الانهيار؟!
كيف تحولت جوائز الأدب والفن من دليل على قيمة إبداعية إلى كل ما عدا ذلك؟!
وما السبيل إلى الخروج من هذه الأزمة التى أصبحت علامة على عصرنا الحديث؟!
أغلب ظنى أننا نحن معشر الكتاب والمثقفين أول المتهمين وآخرهم فيما وصلت إليه جوائز الفن والإبداع، وتحولها إلى مجرد أوراق نقدية لا قيمة لها لغير فقراء النفوس والجيوب.. بالطبع هناك متهمون آخرون يتحملون جزءًا كبيرًا من المسئولية، لكننا نحن من نملك تقويم الأمر وإعادته إلى نصابه الصحيح، أو إلى دائرة الاعتراض والاحتجاج اللائق على أقل تقدير.
تحت مستوى الشبهات
وقبل الدخول فى التفاصيل، أظن أنه ينبغى أن أوضح لك أن الأصل فى صلاحيات لجان التحكيم هو ظن أفرادها فى امتلاكهم سلطة المنح والمنع، ترفع من تشاء إلى خشبة المسرح وبؤرة الأضواء، وتترك من تشاء وسط ظلام القاعة الحاشدة بالحالمين بلحظة الصعود.. وهى سلطة تقديرية يكتسبها شخص عضو لجنة التحكيم وفق معطيات كثيرة، منها طبيعة عمله، ومنجزه، وقدرته على الفرز والانتقاء، والتمييز بين الغث والثمين، ومنها، كما الحال فى غالبية جوائز عصرنا الحديث، درجة القرب من الهيئة العليا للجائزة، ومن الجهات المانحة، وهى سلطة مثل أى سلطة أخرى، يختلف التعامل معها باختلاف الأشخاص والأدوار، ووفق حالة الاتزان النفسى لعضو اللجنة، من أقل فرد فيها حتى رئيسها أو مقررها، فمنهم من يتطاول على الآخرين، فيظن بنفسه الظنون، ويغريه مقعد لجنة التحكيم ويملأه بظنون امتلاك الحقيقة المطلقة التى لا يدخلها شك، ومنهم من يدرك ثقل الأمانة الملقاة على عاتقة، ومسئوليته تجاه الأجيال المقبلة، ومنهم من يتعامل مع الأمر على أنه مجرد دور فى مسرحية تحكمها أولويات وتوجهات الجهة المانحة ومن ينوب عنهم فى توجيه عمليات الفرز والانتقاء.
وأغلب ظنى أن رحلة الانهيار تلك بدأت حين تحولت الجوائز الأدبية والفنية إلى مجرد مكافآت يتم توزيعها وفق أجندات معلنة وسرية وعلى كل لون، معروفة ومفضوحة ومسكوت عنها.. وعندما وافق المبدعون والفنانون على التقدم لجوائز مشوهة، يعرفون أهداف مانحيها، والطبخة التى يريدون الترويج لها، فقبلوا بأدوار السنيدة، أو «الكومبارس»، وتحولوا إلى مجرد أرقام يتم ذكرها عند توزيع الغنائم.. عندما وافق النقاد والصحفيون والإعلاميون على تقاسم الفتات الذى تلقيه الجهات المانحة لمن تختارهم لعضوية لجان تحكيمها، وهى فى الغالب تختارهم ممن يعرفون بأنهم سوف يوافقون على ما تمليه عليهم من اختيارات، ويكتفون بالانتفاخ والزهو على الجميع لمجرد الوقوف على منصة التتويج.. فراحت كل جائزة تنتقى من بين المتقدمين لها أسوأ الأعمال، وأكثرها ضعفًا وتشوهًا، لمجرد انتماء مؤلفيها إلى فئتها المستهدفة، إلى فئة مختارة دون غيرها، سياسيًا واجتماعيًا، تختلف بحسب اختلاف الجهة المانحة لـ«المال»، حتى صار من المعلوم لدى الكل أن هذه الجائزة تبحث عن قصص لتجميل دولة الاحتلال، وتلك تعطى نقودها لمن يكتبون عن الموعظة الحسنة، أو لتمجيد فصيل سياسى يتمسح فى الدين، هذه لا يمر إلى قوائمها إلا كتابات الأقليات «الجنسية على وجه التفضيل»، وهذه تبحث عن اللاجئين والمشردين، وتلك عن المرضى النفسيين.. حتى أصبحت الجوائز فى عمومها تحت مستوى الشبهات، ففسدت سمعتها.. جميعًا، وبلا استثناء.. ولعل البعض يذكر ما كتبته هنا عن جائزة بريطانية كبرى اقتصرت قوائمها على قصص نساء يعانين من أمراض ومشاكل جنسية معقدة، وفازت بها أكثرها سوءًا، حتى إن رئيسة لجنة تحكيمها لم تجد مبررًا لفوزها غير عبارة تقول بأنها «عمل قيد التطوير».
شرف الكلمة والإسارة المتعمدة
أريد أن أتوقف هنا أمام ما حدث قبل أيام خلال الإعلان عن جائزة «ساويرس» للشباب، والكلمة التى ألقاها الشاعر والناقد المسرحى جرجس شكرى، وما تبعها من ضجيج يخص كتاب القصة القصيرة من شباب الأدباء.
فى محاولة لإمساك العصا من المنتصف راح عدد من الكتاب والمثقفين يتحدثون عن بعض القصص الضعيفة فنيًا، أو أسلوبيًا، أو حتى فى الفكرة والموضوع، وتقمص البعض دور الأستاذ الذى لا يعجبه ما يكتبه تلاميذ مدرسة القصة القصيرة المصرية، وتجميل ما فعلته لحنة الكاتب الكبير محمود الوردانى وممثلها فى حفل توزيع الجوائز.. راحوا يتحدثون عن كبار القصة القصيرة وتاريخهم وأعمالهم، متجاهلين أن الأمر لا علاقة له بأجيال، لا قديمة ولا حديثة.. فالحقيقة التى أعرفها جيدًا أنه فى مصر الآن عشرات الكتاب الشبان الذين ينشرون سنويًا مجموعات قصصية فى غاية الجمال والروعة، ولا أظن أننى سوف أكون مغاليًا إذا قلت بأن القصة القصيرة المصرية شهدت فى السنوات العشر الأخيرة تدفقًا غير مسبوق، ناقشت موضوعات لم تكن الأجيال السايقة تجرؤ على مجرد التفكير فيها، وقدمتها بأساليب مدهشة فى التجريب والخيال، وبلغة رائقة وعميقة تليق بأبناء مخلصين لمنجز يحيى الطاهر عبدالله ومحمد المخزنجى وإبراهيم أصلان.. لن أذكر أسماءهم، فالجميع يعرفونهم، ويقرأون لهم، ولا تخلو قوائم الجوائز العربية والدولية من أعمالهم، لكننا بدلًا من الاحتفال بالطفرة التى يمر بها هذا الفن العظيم، تحولنا إلى جلادين لجيل كامل لا ذنب له غير أنه راح يبحث عن موضع قدم وسط الكبار، وأحسن الظن بمن لم يكن يليق بهم المشاركة فى هذا المشهد العبثى الرخيص.
والحقيقة أننى لا أرى فيما حدث غير إساءة متعمدة لأسماء محددة، ولجيل كامل من الكتاب، فليس من غير المتعمد أن يتم الإعلان عن قائمة قصيرة تضم أسماءً محددة، ثم يتم تلقينهم درسًا جماعيًا على رءوس الأشهاد، وأرجو ألا يقول قائل إن أعضاء اللجنة لم يكونوا يعرفون أن اختيار قائمة قصيرة يعنى جودة المجموعات المذكورة فيها، وأنها تتفق مع معايير الاختيار التى وضعتها ذات اللجنة، تمت قراءتها جيدًا، وتم انتقاؤها من بين ما يزيد على الأربعين مجموعة، فليس من المقبول أن تقول لى إنك لم تكن تعرف أنها مجرد حكايات فارغة من المعرفة بماهية فن القصة القصيرة!!
أى عبث هذا الذى لا تريدون الاعتراف به والاعتذار عنه؟!.
هكذا بكلمة لا يزيد زمن إلقائها على دقائق معدودة، يتم العصف بأحلام أربعين كاتبة وكاتبًا، وتعريتهم أمام الجميع، بلا لحظة تفكير أو مراجعة، وبمنتهى الاستهانة بما يمكن أن تفعله «الكلمة»!!.
ربما لا يعرف أحد بأسماء الكتاب الأربعين، لكن من ضمتهم القائمة القصيرة، هؤلاء المساكين الذين تحولوا بكلمة إلى منصة نيشان لكل من يريد مجاملة لجنة التحكيم، وحجز مقعده فى جوائز الدورات المقبلة، ما ذنبهم فيما أخطأت أنت فيه؟! لماذا يدفعون ثمن تسرعك بإعلان قائمة غير مستوفية لشروطك؟!.
ما هذه الاستهانة بمشاعر البشر؟! كيف لم تر آثار جريمتك وقد تحولت إلى أمر واقع يتداوله الجميع؟!.
ودعنى أقول لك هنا، ودون همس، إننى قرأت بالفعل مقالات راح كتابها يستهزئون بما تضمنته إحدى المجموعات المذكورة فى تلك القائمة المعيبة، ويستخرجون منها «القطط الفاطسة»، ولا شك عندى أنه فى الطريق المزيد.. وكأن الجيل كله بهذا السوء الذى تصفونه وتتحدثون عنه!!
ربما لم يساعدنى الحظ بقراءة المجموعات الأربعين التى وصفتها بالسوء، لكن دعنى أقول لك هنا، ودون همس، إن هذه هى النتيجة الطبيعية للدورات السابقة لذات الجائزة، فجميع جوائزها فى غالبية دوراتها ذهبت إلى أشخاصٍ لا إلى أعمال، جميعها سارت فى مسارات لا علاقة لها بفن القصة أو الرواية، تقاسمها رفاق وأصدقاء وزملاء عمل، ولعلك تعرف، أو لا تعرف، أنها تحولت على مدار سنوات طويلة إلى مجرد «جمعية ودايرة».. مساعدة من جمعية خيرية بعد زيارة إلى «حى الزبالين».. هذه هى القاعدة التى سنتها لجان الجائزة طوال عشرين عامًا، وهذه هى الوصفة التى تفوز بها، التى تدفع كل من يحترم عمله إلى النأى بنفسه عنها، والإحجام عن التقدم لها.
بلاغة الهمس فى مكبر الصوت
ولعله من المناسب هنا أن أتوقف قليلًا أمام عبارة الشاعر والناقد المسرحى جرجس شكرى باعتباره متحدثًا باسم لجنة التحكيم، التى قال فيها إن لجنة التحكيم تريد أن «تهمس فى أذن الشباب»، وهى العبارة التى لم أفهمها، ولم أفهم ما الداعى لها، فبمبلغ علمى أنه شاعر، يدرك ما المجاز، وما طرق توظيفه، ويعرف «من المعرفة» أن الهمس هنا لا محل له من الإعراب، ولو على سبيل المجاز أو البلاغة الفارغة، فما الهمس فى كلمة تقال أمام مكبرات الصوت، تسجلها كاميرات التصوير، وتنقلها أجهزة البث التليفزيونى، وفى حفلٍ عام يحضره عشرات الصحفيين والإعلاميين والكتاب والمثقفين؟!.. هى بلاغة فارغة، لا تستقيم مع «معرفة» الشاعر بما يسميه اللغويون مقتضى الحال.. أين معرفة الشاعر بمقتضى حال الهمس فى الأذن وهو يحدث جمهوره بأهمية «المعرفة»؟!
أخيرًا.. أحب أن أوضح أننى هنا لا أتحدث عن أشخاص، ولا أناقش مواقف شخصية، هى الأفكار والتصورات التى تشغلنى دائمًا، ربما يحلو للبعض أن يحول الموضوع إلى خلاف شخصى، ورغم أنه لا مانع عندى من ذلك، فلهم ما يريدون، ولى ما أكتب، وما أحرص على توضيحه برغم يقينى بأننى غير ملزم بأى توضيحات لأحد.. ليكن إذن، هى ضريبة الرأى والعمل العام، وهى الحياة.. لن يحبك الجميع، ولن يوافقك الجميع الرأى، أرحب باختلاف الآراء والتصورات والنقاش المفتوح، لكننى لا أتوقف كثيرًا أمام أحاديث المقاهى، والتصورات القاصرة، بل ربما لا ألتفت إليها من الأصل.. فالفكرة فى ظنى هى الأهم والأجدر بالمراجعة والتدقيق والاختلاف، المبدأ هو الذى يبقى، والإبداع هو غاية المبدع والقارئ.. أما مخلفات الألسنة وجلسات النميمة فلا يطول مداها أكثر من ساعات الفراغ الذى يعيشيه المتفرغون لاستهلاك الهواء.
استقيموا واعتذروا يرحمكم الله.







