ما بعد الدهشة.. بعض من مقتنيات عبدالرحيم كمال
- فى المساء يصير مُبهجًا خفيف الظل يتذكر كل نكتة قديمة حتى تسيل دموعه من الضحك
- تدهشنى تلك الكائنات التى تسير على رجلين أو أربع
- يضحك مع الدخان الطائر ويقول: «ليتنى ما كنت مرسالًا لهؤلاء الحمقى!»
- هناك سيدة واحدة ستمرّ زائرة للجزيرة كل شهر عند اكتمال القمر
أصدرت دار المعارف، ضمن مشاركاتها فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، المجموعة القصصية الجديدة للكاتب عبدالرحيم كمال بعنوان «العالم أحد مقتنياتى»، فى باكورة إصداراته مع الدار.
وتمثل هذه المجموعة محطة إبداعية خاصة فى مسيرة «كمال»، حيث يقدم نصوصًا قصصية مكثفة وعميقة، تختزل التجربة الإنسانية فى قصص قصيرة، لكنها تحتفظ بدهشتها واتساع أفقها.
وتتنوع موضوعات المجموعة بين الحلم والواقع، والاغتراب والبحث عن الذات، كما تكشف عن قدرة الكاتب على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى مشاهد قصصية نابضة بالحياة، تعكس قلق الإنسان وأسئلته الوجودية، وتعكس القصص أيضًا البعد الفلسفى والرمزى فى كتابات «كمال»، الذى يوازن بين اللغة الشعرية والطرح السردى، ليمنح القارئ تجربة قراءة مغايرة.
فى السطور التالية، تنشر جريدة «حرف» عددًا من هذه القصص، لتتيح للقارئ فرصة اقتراب أكبر من عالم عبدالرحيم كمال الإبداعى.

أيامًا معدودات

صادقتُ رجلًا محكومًا عليه بالإعدام،
كانت تلك أيامًا معدودات تفصله عن حبل المشنقة،
يستقيظ مبكرًا مُبتسمًا ويتحرك فى نشاط وشهية،
كان محُبًا للرياضة يمارس المشى والجرى ثم يبدأ الصلاة،
لم يكن يجيد القراءة ولا الكتابة،
يطلب منى قراءة الكتاب الوحيد الذى وجدناه فى الزنزانة،
كتاب بلا غلاف وضاعت صفحاته العَشر الأولى،
يبدأ من الصفحة الحادية عشرةَ بجملة: «أحببتها أكثر من نفسى»،
يشير لى بعدها أن أتوقف عن القراءة،
تلمع عيناهُ بالدموع ويهز رأسه مؤيدًا وهو يتمتم: نعم.. نعم،
يشير لى أن أكمل،
ساعة كاملة من القراءة المتواصلة بصوت عالٍ نتوقف بعدها
ونشرب الشاى،
يسند رأسه إلى الحائط مبتسمًا ويقول: بقيت خمسة أيام!
هل تعلم أننى سامحت الجميع؟
يغمض عينيه وهو على هيئته من الجلوس،
ويسند الرأس إلى الحائط ويروح فى نوم عميق.
لا يتجاوز نومه خَمس دقائق،
فى الغداء يأكل بُتؤدة واستمتاع،
وفى المساء يصير مُبهجًا خفيف الظل،
يتذكر كل نكتة قديمة حتى تسيل دموعه من الضحك،
وقبل النوم يبتسمُ لى ويسألنى فى وُدِّ.
أتعرف ما جنايتى؟
أهُز رأسى بالنفى وتتسع ابتسامته ويقول:
غدًا تعرف؟
الأيام الخمسة تمر وهو على روتينه اليومى دون نقص ولا زيادة،
فى يوم تنفيذ الُحكم تهبط دموعى وأنا أحتضنه،
فيمسحها بكفِّه ويربت على كتفى بيد قوية،
ويقول بنبرة مطمئنة: انتبه لروحك وافرح بها،
جنايتى أننى لم أنتبه!
يرفع رأسه ويفرد قامته ويبتسم لى مودعًا،
ويسير معهم فى ثقة وسعادة،
كأنه يخرج من سِجنه إلى الحرّية!
سأصطـاد سمكـة

قالت الأم: إذا سهرتَ حتى الفجر،
وأدركت سير النجوم من أول الليل،
تستطيع أن تصطاد نجمة.
ليالٍ طويلة أسهرها على السطح،
أراقب حركة النجوم، حركة بطيئة وحقيقية،
تهتف جدتى لأبى: ها هُنّ بنات التبانة قد ألقَينَ عِصيَّهن ويجهزن لدخول كهفهن العجيب،
أكتشفُ أنها تراقب النجوم معى وأهمس لها فى حماسة: كيف أستطيع أن أصطاد نجمة؟
ترد ساخرة: اسأل أمك.. فقد اصطادت أغلى النجمات،
وتشرد نظرتها إلى السماء،
الليالى تمر والنجوم أيضًا وأنا أظل على سؤالى.
ضحكت أمى حينما نقلت إليها كلام جدتى وقالت: سأعلّمك.
كانت سهرة طويلة مُمتدة على سطح البيت،
أنا وأمى وجدتى والنجوم، وثلاثتنا ننظر إلى أعلى،
وأمى تهمس فى أذنى: حينما تُتمّ النجوم خط سيرها،
انظر أنت إلى آخر نجمة فى الصف وأُغمض عينيك،
ورَدِّد فى سرّك فى صدق: يا نجمة.. يا نجمة..
إن كُنتُ سهران لأجل أن أفوز بك،
فلتسقطى فى حِجرى،
وإن كنتُ سهران لأجل أن أفوز بنورِك،
فلتسقطى فى قلبى.
أغمضُ عينىّ وأردد،
وجدتى تَضحك وأمِّى تُحذِّر: لا تفتح عينيك!
وجدتى تسخر وتقول: أمك.. آه من أمك
وبعد وقت طويل أفتح عينىّ،
ولا أجد نجمة فى حجرى،
وقبل أن أغضب تأخذنى أمى فى حضنها وتهمس:
لقد سقط نورها فى قلبك دون أن تَلحظ،
أتحسس قلبى سعيدًا،
وجدتى تعلو ضحكُتها مُرددة:
صدِّقها.. صدِّقها..
لقد اصطادت قبل ذلك أغلى النجمات.
ثُعبان

كنت ثُعبانًا ضخمًا فى منطقة الأمازون،
أزحف بحرية فى غابة ممتدة،
الشمس كانت مفتونة بجلدى المرقط،
تغازله فى كل مرة أزحف فيها بين فروع الأشجار عند الظهيرة،
وأنا أتفادى أشعتها فى دلال يليق بثعبان بديع مخيف،
ساعات طويلة أنتظر فريستى بعيون ضيقة يقظة،
يخرج لسانى المشقوق لحظاتٍ ثم يعود إلى فمى،
تدهشنى تلك الكائنات التى تسير على رجلين أو أربع،
شىء مهين ومؤلم أن يكون لك أرجل.
العظَمةُ أن تزحف بعضلات مرنة ملتصقًا بالأرض،
كلما اقترب الكائن من الأرض زادت هيبتُه.
أستطيع أن أعصر قردًا صغيرًا،
وأستطيع أن ألتهم أرنبًا بريًّا كبيرًا،
هؤلاء الذين يهرولون على أقدامهم كائنات تعيسة،
تمامًا مثل تلك الكائنات التى تستطيع أن تطير وتحلّق فى الهواء،
كائنات حزينة بائسة.
أعرف كم أنا فاتن وسريع وبهىّ.
حذَّرنى فأر ضخم قبل أن أبتلعه من كائن يسير على رجلين منتصب القامة،
وهآنذا أراقبه بالساعات الطويلة،
وها هو يُحدِّق فى أيضًا ويرسل من ماسورة يحملها شيئًا حارًّا ملتهبًا، يقترب منى بسرعة مذهلة، ولا أستطيع أن أزحف مبتعدًا بالسرعة الكافية،
ليس لضَعف فى عضلاتى،
ولكنّ الفضول يجعلنى أنتظر مُمدّدًا تحت الشمس فى أكثر لحظات حياتى بهاءً.
المرسال

كانوا ثلاثة فى سنّ الصِّبا،
أحبّ أحدُهم «شكرية» التى تسكن فى بيتٍ صغيرٍ على لسانٍ فى النيل، كأنها تسكن فى قلب الماء نفسه.
كانت فى الرابعة عشرة من عمرها، وكان الثلاثة يراقبونها على الدوام.
فإذا خرجت ليلًا من بيتها الفقير، أضاء القمر صفحة النيل، فتحوَّل إلى فضّة سائلة تتعبَّد فى جمال «شكرية».
وإذا خرجت نهارًا، صار النيل ذهبًا ماجنًا، صريح الغزل.
ولأن الصبية الثلاثة لم يكونوا يفترقون قط، فقد أحبَّها أحدهم حبًّا حقيقيَّا، وأحبَّها الثانى غيرة من حب الأول، وأحبَّها الثالث لأنه لابُد أن يحبَّها، فلن يسمح لنفسه أبدًا أن يكون «ثالثهم الذى بلا حبيبة».
ودارت بينهم معارك..
ونتج عنها خدوشٌ وجروح، وانتقلت الخصومات من البرّ إلى النيل، فغمرهم الماء، وسقطت الدماء الحارّة فى الماء العذب.
بكى الثلاثة كثيرًا، وتخاصموا، ثم تصالحوا.
وهتف أحدهم ذات مساء، وكان هو المحبُّ الحقيقى:
«لماذا لا ندَع شكرية تختار؟».
وافق الصديقان، وظل السؤال معلقًا: «وما الطريقة؟».
مرّ رابعٌ، أطول منهم، كان فضوليَّا وعنيفًا. لم يغادرهم حتى عرَف القصة.
ثم قال: فى نوبة من الجَدعَنة المفاجئة:
«أنا أذهب وأسأُلها».
تمرّ السنون..
و«شكرية» تضع صغيرها العارى فوق ظهر الجاموسة، وتجرَّها بالحبل الطويل نحو النيل.
وزوجها يجلس أمام البيت، يدخّن الجوزة، ويضحك مع الدخان الطائر، ويقول:
«ليتنى ما كنت مرسالًا لهؤلاء الحمقى!».
الجزيرة

سأشترى جزيرة، وضعت شروطًا محددة جدًا،
وسلّمتها للمحامى الباهظ التكاليف الذى كلّفته المهمةَ،
«لا تزيد مساحتها على ثلاثة كيلو مترات مربعة»،
المحيط بالتأكيد يحيط بها من كل جانب،
فهى جزيرة كما قُلت،
لكن على أمواجه أن تضرب شواطئها برقّة وتناغُم،
أن تكون درجة حرارتها الدائمة إحدى وعشرين درجةً.
الطيور التى تسكن أشجارها تكون متناغمة الأصوات والألوان،
توجد قردة صغيرة شقية ولكن غير مزعجة،
تلقى لى كل يوم عددًا محدودًا من ثمار جوز الهند،
وعلى الدلافين أن تقدّم فقراتها بعد شروق الشمس بنصف الساعة، وقبل غروبها بنصف الساعة.
أن يحيط بالجزيرة صوت «محمد رفعت» قارئًا قبل الفجر بوقت كافٍ، ثم يُقبل صوت «النقشبندى» متهاديًا حتى يختتم ابتهاله بأذان الفجر،
ثم تعود السيطرة إلى أصوات مخلوقات الجزيرة الطبيعية.
عند الإفطار فى الثامنة حتى الحادية عشرة صباحًا يُسمح بصوت «فيروز»،
وما بين العصر والمغرب تنطلق وصلة للسيدة «أم كلثوم».
قد يُسمح فى منتصف الليل لموسيقى «موتسارت»،
وعلى أوراق شجرة الجزيرة العريضة ستكون هناك فقرات من أكثر الكُتب إمتاعًا،
وتحت ظلالها ظُهرًا ستسرد السناجب حكايات خرافية،
هناك سيدة واحدة ستمرّ زائرة للجزيرة كل شهر عند اكتمال القمر،
سيدة: مراهقة/ طفلة/ ناضجة/ عفية/ بريئة/ مثيرة/ خجولة/ جريئة/ ذكية/ حسَنة الصوت، تقضى ليلة واحدة،
وتُغادر فى الصباح التالى،
توصَّل المحامى الباهظ التكاليف حتى الآن إلى خمسة عروض لخَمس جُزر،
وأنتظر أن أجد الوقت لاختيار الجزيرة المناسبة،
لكنّ جُل وقتى منصرف على إضافة شروط جديدة.







