نهايته «ألزهايمر».. هل يجعل الـ«AI» البشر أكثر غباءً؟!
- العقل البشرى مثل العضلات تمامًا.. «يضمر» بقلة الاستخدام
- سنتوقف تمامًا عن التفكير مثلما توقفنا عن حفظ الأرقام والطرق بسبب «الموبايلات»
- مؤلفة كتاب «مقاومة الروبوتات»: طريق «روبوتات المحادثة» نهايته «ألزهايمر»
أصبحت «روبوتات المحادثة» المعتمدة على «الذكاء الاصطناعى»، مثل ««ChatGPT و«Gemini»، خلال السنوات الأخيرة، جزءًا يوميًا من حياة ملايين البشر. يستخدمها هؤلاء الملايين للكتابة والدراسة والبحث وتنظيم الأفكار، وحتى لاتخاذ قرارات شخصية ومهنية، وصولًا إلى تشخيص وعلاج الأمراض!
ومع هذا الانتشار السريع بدأ بعض العلماء والباحثين فى طرح مجموعة من الأسئلة المهمة: هل يمكن أن تكون هذه الأدوات، رغم قوتها وفائدتها، سببًا فى إضعاف القدرات العقلية للبشر مع الوقت؟! هل يمكن أن تتسبب فى ضمور الدماغ بسبب قلة استخدامه؟ وما حقيقة علاقتها بأمراض خطيرة مثل «الخرف» و«ألزهايمر»؟


مقال نشرته «بى بى سى» حاول الإجابة عن هذه التساؤلات، وخلص إلى أن العقل البشرى، مثل العضلات تمامًا، يعتمد على الاستخدام المستمر. وعندما يبدأ الإنسان فى نقل مهام التفكير والتحليل والتذكر إلى آلة تقوم بها بدلًا منه، قد تتراجع بعض هذه المهارات تدريجيًا.
ويشير المقال إلى مفهوم يسميه علماء النفس «التفريغ المعرفى» أو ««Cognitive Offloading، وهو مصطلح يصف «اعتماد الإنسان على أدوات خارجية لتنفيذ وظائف عقلية كان يؤديها بنفسه».
البشر فعلوا هذا دائمًا بدرجات مختلفة. فالناس منذ اختراع الورق توقفوا عن حفظ كل شىء فى ذاكرتهم. وبعد ظهور الهواتف الذكية لم يعد كثيرون يحفظون أرقام الهواتف أو الطرق. لكن «الذكاء الاصطناعى» يمثل قفزة أكبر بكثير، لأنه لا يكتفى بحفظ المعلومات، بل بدأ يؤدى مهام التفكير والتحليل والكتابة نفسها.
المقال يضرب مثالًا باستخدام تطبيقات الملاحة مثل «GPS»، موضحًا أنه قبل سنوات كان الناس يضطرون إلى حفظ الطرق والانتباه للمعالم والاتجاهات، ما كان ينشط الذاكرة المكانية فى الدماغ. أما الآن فكثير من الناس يتبعون التعليمات الصوتية دون أى محاولة لفهم الطريق أو تذكره، حتى إن بعضهم لا يستطيع العودة إلى مكان زاره مرارًا بدون الهاتف!.
الباحثون يخشون أن يحدث الأمر نفسه مع التفكير ذاته، بحيث يعتمد الإنسان على «الذكاء الاصطناعى» فى إنتاج الأفكار والكتابة والتحليل بدل القيام بهذه العمليات عقليًا.


دراسات علمية عديدة لباحثين متخصصين بدأت فى رصد هذا التأثير، من بينهم الباحثة ناتاليا كوزمينا، التى تدرس التفاعل بين البشر وأجهزة الكمبيوتر بصفة عامة.
خلال الدروس التى تقدمها فى حرم معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا، لاحظت «ناتاليا» أن العديد من الطلاب ينسون المحتوى بسهولة أكبر، مقارنةً بما كان عليه الحال قبل بضع سنوات.
وعندما كانت تبحث عن متدربين، لاحظت أن الرسائل المقدمة من الراغبين فى التقدم كلها متشابهة بشكل مثير للريبة. كانت رسائل طويلة منمقة، وبعد المقدمات، غالبًا ما كانت تنتقل فجأة إلى ربط مجرد وعشوائى. كان من الواضح لها أن المتقدمين استخدموا برامج الدردشة الآلية مثل ««ChatGPT و«Gemini» و «Claude» فى كتابتها.
لذا، طلبت هى وزملاؤها فى مختبر الإعلام بالمعهد من ٥٤ طالبًا كتابة مقالات قصيرة، قبل تقسيم هؤلاء الطلاب إلى ٣ مجموعات:
المجموعة الأولى: طُلب منها استخدام «ChatGPT»
المجموعة الثانية: سُمح لها باستخدام محرك بحث «جوجل» مع تعطيل خاصية «الملخصات المُولّدة بالذكاء الاصطناعى»
المجموعة الثالثة: لم تستخدم أى تقنية
بعد تقسيم الطلاب، بدأت «ناتاليا» وزملاؤها فى قياس موجات دماغ كل طالب أثناء الكتابة، علمًا بأن موضوعات المقالات مفتوحة عمدًا، ما يعنى أن البحث المطلوب للمهمة قليل. من بين هذه الموضوعات: أسئلة حول الولاء والسعادة وخياراتنا فى الحياة اليومية.
لم تُنشر النتائج فى مجلة علمية بعد، لكنها مع ذلك كانت لافتة للنظر، وفقًا لـ«ناتاليا»:
أدمغة من استخدموا عقولهم كانت «نشطة للغاية» أثناء الكتابة. دماغ كل طالب هنا أظهر نشاطًا واسع النطاق فى أجزاء عديدة منه.
المجموعة التى اعتمدت على «جوجل» فقط أظهرت نشاطًا قويًا فى الأجزاء البصرية من الدماغ.
المجموعة الثالثة التى استخدمت «ChatGPT» أظهرت نشاطًا دماغيًا أقل بشكل ملحوظ، حتى إنه انخفض بنسبة تصل إلى ٥٥٪!
ما تفسيرك؟
قالت «ناتاليا»: «لم ينم الدماغ تمامًا مع المجموعة الثالثة، لكن كان هناك نشاط أقل بكثير فى المناطق المقابلة للإبداع ومعالجة المعلومات».
وأضافت بمزيد من الشرح: «النتائج أظهرت أن الأشخاص الذين استخدموا روبوتات المحادثة بذلوا مجهودًا عقليًا أقل. كما أظهر نشاط الدماغ لديهم انخفاضًا ملحوظًا أثناء أداء المهمة».
الباحثون لاحظوا أيضًا أن هؤلاء الأشخاص كانوا أقل قدرة على تذكر ما كتبوه لاحقًا، وكأن العقل لم يعتبر التجربة «معرفة حقيقية» لأنه لم يبذل الجهد الكامل لإنتاجها.


العالمة المتخصصة فيما يسمى «علم الأعصاب الحاسوبى»، فيفيان مينج، تشعر هى الأخرى بالقلق من الطريقة الخاطئة التى يتعامل بها معظم الناس مع «شات جى بى تى وأخواته».
قلق «مينج» يستند إلى بحث أجرته لكتابها الشهير «مقاومة الروبوتات»، وفيه طلبت من مجموعة طلاب فى جامعة «بيركلى» التنبؤ بنتائج واقعية، مثل سعر النفط، فوجدت أن غالبية المشاركين ببساطة سألوا «الذكاء الاصطناعى» ونسخوا الإجابة.
فى تلك اللحظة عمدت إلى قياس نشاط «موجات جاما» فى أدمغة الطلاب المشاركين، وهو مؤشر على الجهد المعرفى، فوجدت أنه يُظهر نشاطًا ضئيلًا للغاية.
وتخشى «مينج»، التى لم تنشر نتائج بحثها هذا بعد، أنه إذا تأكدت هذه النتائج فى دراسات لاحقة، فقد يكون لها آثار طويلة الأمد، خاصة أن أبحاثًا أخرى ربطت ضعف نشاط موجات «جاما» بالتدهور المعرفى فى مراحل لاحقة من العمر، وبالتالى احتمالية الوصول إلى الإصابة بـ«ألزهايمر».
فى المقابل، عملت مجموعة فرعية صغيرة من الطلاب المشاركين «أقل من ١٠٪» بطريقة مختلفة، واستخدموا «الذكاء الاصطناعى» كأداة لجمع البيانات، ثم حللوها بأنفسهم. وبحسب «مينج»، قدم هؤلاء تنبؤات أكثر دقة من المشاركين الآخرين، وأظهروا نشاطًا دماغيًا أقوى.
وتعليقًا على ذلك، تقول عالمة «الأعصاب الحاسوبية»: «هذا أمرٌ مُقلقٌ حقًا. إذا كانت هذه هى الطريقة الطبيعية التى يتفاعل بها الناس مع هذه الأنظمة- وهؤلاء أطفالٌ أذكياء- فهذا أمرٌ سيئ»، مضيفة: «التفكير العميق هو قوتنا الخارقة. إذا لم نستخدمه، فإن الآثار طويلة المدى على الصحة الإدراكية ستكون وخيمة».
وتنبّه إلى أنه «عندما نعتمد على نماذج التعلم الآلى، فإن ذلك يتطلب جهدًا معرفيًا ضئيلًا للغاية، وهو أمر لا يترافق مع دماغ سليم على المدى الطويل. للحفاظ على صحة الدماغ على المدى الطويل، نحتاج إلى الاستمرار فى تحدى أنفسنا».
وتشير إلى أنه فى غضون ٢٠ إلى ٣٠ عامًا، سنشهد ارتفاعًا ذا دلالة إحصائية فى معدلات «الخرف»، مرتبطًا بشكل مباشر باعتمادنا المفرط على «خرائط جوجل»، ما سيتكرر مع «روبوتات الدردشة».
وربطت دراسة أجريت على ١٣ شخصًا، على مدى ٣ سنوات، بين ازدياد استخدام نظام تحديد المواقع العالمى «GPS»، وتراجع الذاكرة المكانية بمرور الوقت. كما أشارت دراسة أخرى إلى أن ضعف القدرة على تحديد المواقع قد يكون مؤشرًا محتملًا للإصابة بمرض «ألزهايمر».


الدراسة الثالثة نشرتها صحيفة «الجارديان» البريطانية، وهى تشير إلى وجود صلة بين «التدهور المعرفى» وأدوات «الذكاء الاصطناعى»، خاصة فيما يتعلق بالتفكير النقدى.
وتوضح الدراسة أن الاستخدام المنتظم لـ«الذكاء الاصطناعى» قد يسبب «ضمورًا» فى قدراتنا المعرفية الفعلية وسعة ذاكرتنا. كما توصلت إلى وجود صلة بين «الاستخدام المتكرر لأدوات الذكاء الاصطناعى وانخفاض قدرات التفكير النقدى»
ودلل الباحثون على ذلك باستخدام «الذكاء الاصطناعى» فى مجال الرعاية الصحية، مشيرين إلى أن هذه التقنية تُحسن كفاءة المستشفيات على حساب الأطباء، الذين تقل لديهم القدرة على التحليل النقدى لحالات المرضى واتخاذ القرارات بشأنها.
ويؤكد هؤلاء الباحثون أن هذه النماذج تؤدى مع مرور الوقت إلى «زيادة غباء البشر»، فى ظل أن قوة الدماغ هى «مورد إن نستخدمه نخسره».
وينبهون إلى إشكالية خطيرة، وهى أنه «مع ازدياد تعقيد المشكلات التى يُحمِلها البشر لنماذج الذكاء الاصطناعى المختلفة، نميل إلى اعتبار الذكاء الاصطناعى (صندوقًا سحريًا)، قادرًا على القيام بكل ما نفكر فيه نيابة عنا. هذا ما تستغله الشركات المطورة لهذه التقنية لزيادة اعتمادنا عليها فى حياتنا اليومية».


عندما يقدم «الذكاء الاصطناعى» إجابة منظمة وواثقة وسريعة، يصبح الإنسان أقل ميلًا للتشكيك أو المراجعة أو البحث بنفسه، وفق مقال «بى بى سى».
كثير من المستخدمين يتعاملون مع الإجابة كأنها حقيقة نهائية، خاصة أن الأسلوب اللغوى للنماذج الحديثة يبدو مقنعًا للغاية. هذا قد يؤدى إلى ما يسميه بعض الباحثين «الإتقان الوهمى»، أى شعور الشخص بأنه فهم موضوعًا ما لمجرد أنه قرأ شرحًا جيدًا أو حصل على ملخص مرتب، بينما هو فى الحقيقة لم يمارس أى تفكير عميق أو تحليل شخصى.
الإنسان يتعلم فعليًا أثناء الصراع مع الفكرة، أثناء المحاولة والخطأ، وأثناء تنظيم المعلومات بنفسه. أما عندما يحصل على الإجابة جاهزة منذ البداية، فقد يفهمها بشكل سطحى فقط. لذلك يخشى الباحثون من أن يؤدى الاستخدام المستمر لـ«الذكاء الاصطناعى» إلى تراجع مهارات مثل حل المشكلات، والقدرة على التركيز لفترات طويلة، والكتابة الأصلية، وبناء الحجج المنطقية.
وفى السياق نفسه، بدأ كثير من المعلمين والجامعات يلاحظون أن الطلاب يعتمدون على «الذكاء الاصطناعى» فى كتابة الأبحاث، وتلخيص الكتب، والإجابة عن الواجبات، بل وحتى توليد الأفكار نفسها.
ويرى بعض الخبراء أن الطلاب قد يصبحون بارعين فى «استخدام الأداة» دون تطوير القدرة الحقيقية على الفهم والتحليل. هذا ما يؤكده المعلمون، والذين يقولون إنهم أصبحوا يقرأون أعمالًا مكتوبة بشكل ممتاز لغويًا، لكنها تخلو من العمق الشخصى أو التفكير الحقيقى، وكأن الطالب لم يمر فعليًا بعملية التعلم.
كما يمكن ملاحظة تأثيرات مماثلة لـ«روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعى» فى حالات حرجة. فقد توصل فريق بحث دولى حديث إلى أن الأطباء الذين استخدموا أداة «ذكاء اصطناعى» للكشف عن سرطان القولون، لمدة ٣ أشهر، أصبحوا أقل قدرة على اكتشاف الأورام بعد ذلك!.






