رباب كساب تكتب: طبلة سعدية
فى منور الدار جلست على كرسى خشبى صغير له أرجل قصيرة، ووضعت أسفل فخذها ذكر بط اقترب أوان ذبحه وبدأت تلقمه حبات الفول، انتهت منه سريعًا وهى تدندن بموال قديم ويدها تنقر على جانبى الكرسى الخشبى، تجمع الدجاج والبط حولها فألقت لها بالخبز المبلل وبقايا طعامها أمس.
كانت تضغط على حروف الكلمات، وعيناها تغالبهما الدموع وهى تقول، «طلعت فوق السطوح أنده على طيرى لقيت طيرى بيشرب من قنى غيرى».
تذكرت الذى تركها ومضى، مسحت دموعها حين جاءها صوت جارتها الضاحك وهى تقول: الله الله، الحنة النهاردة هتبقى عظمة.
لم تكن تتذكر أن اليوم حنة أمنية، لها كثير من الوقت تتوه عنها المناسبات، كأن كل شىء قد توقف ليلة فرح ابن العمدة، من بعدها تتوه منها الأيام.
لا أحد فى القرية يمكنه أن يقيم فرحًا أو مناسبة بلا وجودها، من كان بإمكانه أن ينقر على الطبلة مثلها، من له صوتها وبحته المميزة.
الجيران يسمونها سعيد الأرتيست، كانت تسعد للوصف فمن له مهارة سعيد.
فى ليلة كانت قد تحممت وتعطرت، وبينما تمشط شعرها علا صوتها بالغناء، وحين جاءت على «ولا دى حنية فى القلب متوية» وجدته خلفها ينحنى بجذعه نحوها ويشم عبير شعرها المبلول وهو يقول: أنت كل الحنية.
تركت المنور وخرجت مع جارتها على عتبة الدار، مر بهما زوج الجارة فقال: الليلة ليلتك يا أرتيست، لازم تبقى ليلة أقوى من ليلة فرح ابن العمدة.
بينما يكتسى وجهها بالحزن سارعت جارتها قائلة: والنبى ما يقصد وأخذته بعيدًا ومضت.
ليلة فرح ابن العمدة جلست النسوة فى الدوار الكبير ملتفات حول الطبالى الخشبية يصنعن فطير العرس، كانت تغنى وهى تفرد العجين وتثنيه وتكثر طبقاته، جاءتها زوجة العمدة بالطبلة والتفت الفتيات حولها، تركت العجين ومسحت يدها فى جنبى الجلبات المزركش، نقرت بخفة على الطبلة بعد أن مسحت بكفها على سطحها وتأكدت من أنه مشدود كفاية، كانت تعرف كيف تجعل أجسادهن تنطلق وتمرح مع النقرات المنغمة المنتظمة، كانت تحركهن وتوقفهن بنقراتها، تستخرج السعادة والفرح من داخلهن وداخلها، كانت البهجة فى هذه القرية.
يوم فرح ابن العمدة قال لها: ما تخرجيش برة الدوار، ما المحش طيفك فى الصوان.
نفذت الأمر، لم تبرح باحة الدوار، جلست تنقر على طبلتها وتغنى أغانى بدرية السيد التى تعشقها وتحفظ كل مواويلها.
قطع شرودها مجىء أم العروس لتؤكد عليها أن تأتى مبكرة لحنة ابنتها، سوف تذهب، سوف تغنى وإن كانت تحس أنها لم تعد هى، قطعة منها قد ذهبت مع من ذهب، أفراح جاءت وأخرى مضت وهى موجودة بطبلتها وصوتها وحزن شفيف يكسو ملامحها، لا يشعر به سواها، لا يعرف وطأته غيرها.
دخلت لتنتقى جلبابًا جديدًا للفرح الجديد، وقعت عيناها على جلباب لبنى اللون بورود وردية وصفراء صغيرة، أمسكته وقربته من وجهها شمت فيه رائحتها ورائحته، لم تغسله منذ ارتدته آخر مرة ليلة فرح ابن العمدة، طوته جيدًا ووضعته مكانه.
بينما ترتدى جلبابها الجديد تذكرت ليلة ابن العمدة، كان الجميع ينصتون لها، حتى دخلت الراقصة وفرقتها، تفرقت البنات من حولها وعم صمت مؤقت لدخول رجال معها، اقتربت منها الراقصة وقالت: ما تيجى تغنى معانا صوتك حلو.
ابتسمت فى خجل وصمتت، لكن النسوة صحن قائلات: وطبلتها مفيش زيها.
قالت الراقصة: طبالى مفيش أخوه.
عاجلتها عجوز تتخذ ركنًا تتربع فيه قائلة: مفيش زى طبلة سعدية.
شعر طبال الفرقة بالإهانة، فأمسك بطبلته وجهزها، اقترب من موقد كان يجاور سعدية، حمى وجه الطبلة عليه، وبدأ ينقر وعيناه تراقبها، اهتز جسد الراقصة، وشعرت سعدية بأن عليها أن ترد، قبلت تحديه، وردت، واشتعلت النسوة حماسًا وعلا التصفيق، الراقصة تلاحق نقراتها، فتقف سعدية ثم تواصل، وتقف وتواصل، والراقصة لا تهدأ وطبالها يجاهد، كأنه غير محترف، تلك الهاوية تأخذ عرشه منه، وبدأت الفتيات يصحن سعدية، سعدية، وسعدية تتجلى وتغنى «ادلع يا رشيدى على وش المية يا سيدى آه يا سيدى»، وتصرخ الفتيات «على وش المية».
بدت حربًا بين طبلتين، الطبال يستدعى خبراته، وسعدية تستدعى محبتها، الناس تتوافد مع ارتفاع الأصوات واسم سعدية الذى يتردد فى المكان يعلو ويعلو.
يخترق صفوف الرجال الملتفين ويقطع على المصفقين تصفيقهم والمرددين غناءهم، ويجذب سعدية من يدها فتسقط الطبلة، وتعلو الأصوات الزاعقة المستنكرة قطعه الفرحة بهذا الشكل.
جرها فى يده حتى دارهما، قالت: ما خرجتش برة الدوار.
• بس جبتى اللى برة جوة يا سعدية.







