المارق الذى لا يمـوت.. نور الشريف يطل عليكم من العالم الآخر
فى 11 أغسطس حلت ذكرى رحيل الفنان الكبير نور الشريف 2015، ذلك الفتى الذى عرفه الجمهور المصرى لأول مرة عام 1966 من خلال شخصية كمال عبدالجواد فى ثلاثية نجيب محفوظ، فانبهرت به الجماهير وتابعته بشغف فى العام التالى عبر مسلسل «القاهرة والناس».
حقق نور الشريف إنجازات كبرى فى مسيرته الفنية، لكن أبرز ما أنجزه هو كسر التابوهات التى طالما أحاطت بالموضوعات التى تناولتها السينما والتليفزيون، فقد قدّم نمطًا جديدًا لم تكن مهمة التشخيص معتادة عليه، إذ ظل أكثر من ٩٠٪ من معايير ظهور «المشخصاتى» مرتبطة بالمواصفات الشكلية الخارجية: وسامة الممثلين وجمال الممثلات، بينما القليلون فقط جمعوا بين تلك المعايير والموهبة الطاغية، وكان «الشريف» فى مقدمتهم.
فى عام ١٩٨٠ قدّم نور الشريف واحدًا من أبرز أدواره فى فيلم «أين تخبئون الشمس» للمخرج المغربى عبدالله المصباحى، عن قصة قصيرة لحفيظة العسرى وسيناريو صبرى موسى، بمشاركة عادل أدهم، نادية لطفى، ومحمود المليجى.
وجسّد «الشريف» شخصية الشيخ محمود، رجل الدين الذى يسعى بالحوار الهادئ إلى هداية مجموعة من الشباب التائهين بين الإلحاد واللهو والمخدرات، مؤكدًا رحمة الله ولطفه بدلًا من الترهيب.
الفيلم، الذى صُوِّر فى المغرب، لم يستمر فى دور العرض سوى أسبوعين بسبب اعتراض الرقابة والهجوم الجماهيرى، لكنه ترك بصمة خاصة عبر صورة رجل الدين المتسامح الذى يحتوى ضعف الإنسان ويقوده إلى التوبة.
وعن قصة لثروت أباظة، قدّم نور الشريف فيلمه «لقاء هناك» عام ١٩٧٦ من إخراج أحمد ضياء، ويبدأ العمل بمشهد إفطار رمضانى يجمع عائلة مرقص وزوجته وابنته إيفون، وعائلة سلطان صديق عمره، حيث يسأل الجميع عن «عباس» (نور الشريف).
وتنتقل الكاميرا إلى كلية الهندسة حيث يدرس، وما إن ينهى الأستاذ المحاضرة ليلحقوا بالإفطار، يشعل «عباس» سيجارته مستنكرًا: «ده بقى كلام أستاذ فى القرن العشرين ميكملش الدرس عشان الفطار؟!»، ليرد زميله: «شىء طبيعى يا أخى».
ويعقب عباس: «العلم لازم يحطم الخرافات دى»، فيرد زميله: «العلم عمره ما كان بيعادى الدين»، ثم يضيف: «أنت راجل فاطر وأنا صايم.. السيجارة دى مش حرية، دى قلة ذوق»، ونلحظ أن الحوار لم يتضمن تكفيرًا أو تهديدًا، وهو ما يعكس أن الفكر السلفى الوهابى لم يكن قد انتشر بعد فى مصر كما هو الحال الآن.
تعود الكاميرا إلى مائدة الإفطار، حيث تعزم أم عباس ضيوفها قائلة: «يا جماعة كلنا صايمين والصايم مش عاوز عزومة»، فترد أم إيفون: «اتعشينا وصومنا والمسيح الحى ما اتسحرنا. فيقول والد عباس: (عليه الصلاة والسلام). يدخل عباس، فيمازحه مرقص: باين عليك فاطر يا عباس». فينتفض الأب مؤكدًا أن ابنه يصوم منذ كان فى السابعة.
وبينما يتبادل «عباس» و«إيفون» نظرات مختلسة تكشف علاقة حب، يظل السؤال: هل سيقف الدين عائقًا أمام اكتمالها، خاصة أن «عباس» لا يعترف إلا بالمادية والطبيعة؟
فى مشاهد أخرى، نراه داخل البارات أو فى منزله بصحبة فتاة ليل، يناقش صديقه حول الحرية، مهاجمًا تناقضاته: «يواظب على الصلاة بينما الخمر لا تفارق يده. حتى إنه يهرول إلى صلاة الجمعة وهو سكران، مبررًا أن الصلاة تمحو السيئات».
يرفض «عباس» هذا المنطق، ويجرؤ أخيرًا على رفض أمر والده بالصلاة، مغادرًا المسجد وسط خطبة الإمام، فى مشهد عبقرى يلخص أزمة التدين الشكلى، بينما ذهنه يسبح فى الفضاء متأملًا أول إنسان يهبط على القمر.
وفى عام ١٩٩٣ عاد نور الشريف إلى الشخصيات الجدلية ليقدمها عبر الشاشة فى فيلم «الرقص مع الشيطان»، جسّد شخصية الدكتور واصل عبدالله الرفاعى، الذى تلقى تعليمه فى الخارج، فصبغت الأفكار المادية قناعاته، ولم يؤمن إلا بما يراه ويلمس بحواسه ويقرّه عقله.
فمنذ أول أيام عودته إلى عمله بالجامعة، يدخل فى صدام مع العقليات الجامدة التى أصابها الركود عبر عقود طويلة، وفى حوار مع عميد الكلية حول أهمية إطلاق العنان للخيال، يقاطعه العميد قائلًا إن كلية الصيدلة لا مجال فيها للخيال، فيرد واصل بمنطق عقلانى: طول ما العقل والخيال موجودين لا يمكن لشيء أن يقف أمام الإنسان.
لكن العميد يواصل حديثه عن عجز العلم عن تفسير كثير من أسرار الإنسان والكون، مستشهدًا بالآيات القرآنية، وهنا ينحاز «واصل» إلى العقل والمنطق، بينما يتمسك العميد بفكرة الإعجاز العلمى فى القرآن، معتبرًا أنه كشف منذ أربعة عشر قرنًا كل ما نعيشه اليوم من ثورة علمية وتكنولوجية، وهو ما يرفضه واصل رفضًا قاطعًا.
فى فيلم «الاعتراف الأخير» قدّم نور الشريف جانبًا مسكوتًا عنه فى السينما المصرية، وهو قصص الحب التى تجمع بين مسيحيين ومسلمين.
تدور الأحداث حول «أدهم» الذى يفقد زوجته درية إثر حادث سيارة، فتتحول حياته إلى جحيم ويهيم على وجهه فى الملاهى الليلية، إلى أن تظهر له «سميرة» التى تحاول أن تعيد إلى ذاكرته أيام الدراسة الجامعية، حيث كانت تحبه بينما لم يشعر بها.
وفى نهاية الفيلم يكتشف «أدهم» أن «سميرة» متوفاة، وأنها كانت طيفًا لحبيبته التى أضاعها مرتين، لتتصدر النهاية مشهد المدافن المسيحية حيث دُفنت «سميرة» التى أخلصت له، فى مقابل زوجته التى خانته ولم يعرف بخيانتها إلا فى النهاية.
وحول ما إذا كان نور الشريف أول من قدّم صورة الشخصية المسيحية فى السينما المصرية بعمق من خلال هذا الفيلم، قال الناقد الراحل عماد النويرى فى تصريحات سابقة لـ«حرف»: «يمكن أن نعتبره كذلك بالفعل، لأن تعامل أدهم مع سميرة تجاوز حدود اختلاف الأديان، لكنه كان حبًا مستحيلًا، إذ جمع بين إنسان من لحم ودم وشبح غير موجود فى الحقيقة».







