الجمعة 14 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

راهبة النقـد.. مارى عبدالمسيح: بعد «التقديرية» شعرت بأن هناك من يقرأ لى

حرف

- طلابى الذين يكتبون بـ«AI» أعطيتهم درجات منخفضة

- أقول لمن ظُلموا فى الجوائز «إذا عشنا المأساة فلن نكمل أعمالنا»

- غياب المجلات الثقافية عن المشهد العام وراء تراجع حضور النقد

تُعد مارى تريز عبدالمسيح، واحدة من أبرز الأسماء النقدية والأكاديمية فى العالم العربى، حيث كرّست مسيرتها الطويلة للنقد الأدبى والأدب المقارن، وأسهمت فى إثراء المشهد الثقافى ببحوث ودراسات رصينة. 

وتوّجت هذه المسيرة مؤخرًا بحصولها على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب لعام 2026، وهى محطة فارقة فى مشوارها العلمى والإنسانى الملىء بالإنجازات العلمية الرصينة.

تقول مارى عبدالمسيح إنها شعرت للمرة الأولى بأن هناك من يقرأ لها ويقدّر عملها، مؤكدة أن سعادتها لم تكن بالجائزة فى حد ذاتها، بل بالاعتراف الذى منحها إياه قراؤها. 

حاورت «حرف»، مارى عبدالمسيح حول التتويج، والجدل الذى أثير حول جوائز الدولة هذا العام، ورؤيتها للمشهد الثقافى الراهن، وموقع النقد فيه، وأثر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى على الإبداع الأدبى، وما يثيره من أسئلة حول المستقبل، وغير ذلك من القضايا.

■ على كثرة الجوائز التى تحصلتِ عليها، ما الذى تمثله لك جائزة الدولة التقديرية التى فزت بها قبل أيام؟

- فى البداية لم أكن أصدق الأمر؛ لأننى منصرفة طوال الوقت إلى عملى الذى أحبه جدًا. بالنسبة إلىّ، عملى ليس مجرد عمل، وإنما يجمع بين العمل والهواية، أى الشىء الذى أحب ممارسته. لكننى لا أعرف من يقرأ لى، ولا أعرف هل تصل قراءاتى وأفكارى إلى الناس أم لا. وعندما حصلت على الجائزة، شعرت للمرة الأولى فى حياتى بأن هناك أناسًا يقرأون لى، ويرون أن عملى يرتقى إلى هذا المستوى. وهذا هو الذى أسعدنى، وليس الجائزة فى حد ذاتها، وإنما اعتراف قرائى بى وتقديرهم لما أقدمه.

■ وبما تفسرين الجدل الذى أثير حول جوائز الدولة هذا العام؟

- بالتأكيد تابعت ما أثير حول الجوائز، خصوصًا فيما يتعلق بتجاوز اسمين مثل جار النبى الحلو وسعيد نوح. عندما يكون هناك جدل وأمور من هذا النوع، بصراحة لا أهتم كثيرًا بقراءتها أو متابعة أحد فيها، وهذه نقطة أولى. والنقطة الثانية أننى أعرف أن الجوائز أحيانًا تظلم كثيرًا من الناس. كل عام يُظلم شخص ويخرج شخص آخر فائزًا، وهذا بالطبع يثير الأسف. لكن علينا أيضًا أن نعرف أن هذه هى الحياة، وهذه من أمور الحياة، وكلنا نتعرض لذلك.

أنا الآن حصلت على جائزة، لكن فى أحيان كثيرة من حياتى تعرضت لمضايقات. فإذا كان هناك أناس تعرضوا للظلم، فمن الطبيعى أن يشعروا بالحزن والأسف، لكن فى الوقت نفسه لا يمكن أن يتحول ذلك إلى حافز يجعلهم يعيشون المأساة ويتناسون العمل وما يحدث حولهم؛ لأننا إذا ظللنا نعيش المأساة، فإن ذلك سيؤذينا نحن، ولن يؤذى الآخرين. هذا هو موقفى من هذه المسائل.

■ هل تعتقدين أن الناقد يُولد بموهبة خاصة، أم أن الدراسة الأكاديمية وحدها كافية؟

- الفكرة مركبة قليلًا. من الخطأ أن نقول إن الناقد ليس مبدعًا؛ لأن المفترض أن تكون لدى الناقد قراءة أوسع من قراءة القارئ العادى. ولكننى لا أريد أن أقول إن الناقد أفضل من القارئ؛ لأن القارئ هو نقطة البداية فى النقد. يبدأ النقد من القارئ، لكن الفرق أن الناقد يكون قادرًا على أن يحمل رؤية جديدة إلى العمل المقروء.

القارئ العادى ربما لا يستطيع أن يكتب برؤية جديدة عن العمل الإبداعى، وهنا يكمن تميز الناقد عن القارئ العادى. فلماذا نحترم الكتابة النقدية؟ لأنها، فى الأصل، ليست مجرد نظريات. نحن لا نكتب النظريات لمجرد كتابتها، وإنما لأنها توحى لنا بآفاق جديدة للقراءة.

وعلى المستوى العادى، إذا قرأتِ كتابًا جيدًا فإنك توصى به زملاءك وأقاربك، بل إن القارئ العادى قد يكون مروجًا للكتاب أكثر من الناقد. والدليل أن هناك قراءً يقولون إنهم قرأوا الجاحظ ونجيب محفوظ أكثر مما قرأوا الكتب التى كتبها النقاد عنهم. فالقارئ يسوق الكتاب ويوسع دائرة قرائه أكثر من الناقد، والنقاد هم الذين يحافظون على النص ويجددون حياته.

■ ماذا عن فلسفة القراءة وتأثيرها فى الكتابة الإبداعية؟

- الكتابة الإبداعية مفتوحة، وليست مجرد نظرية علمية تقول إن واحدًا زائد واحد يساوى اثنين. وحتى النظرية العلمية نفسها أصبحت الآن مفتوحة. هناك تأثير للفلسفة وتأثير لفلسفة القراءة التى يقدمها النقاد.

كيف يكون البلد متقدمًا؟ عندما تنظرين تجدين أن الفلسفة مهدت الطريق للتقدم فى العلوم. لا يمكن فصل المجالات عن بعضها. وإذا قرأتِ كتابات الفلاسفة أو حواراتهم ستجدينها تتطرق إلى كل أمور الحياة.

■ من الناقد إذن؟

- الناقد هو الذى درس منهجًا، والمنهج الأدبى أساسًا مستقى من الجمالية، ومن المنهج العلمى أيضًا. فالمنهج الأدبى يستفيد من الجمالية ومن المنهج العلمى. فما الذى قدمته لنا ما بعد الحداثة؟ ولماذا نسميها ما بعد الحداثة؟ لأن الحداثة كانت تفترض دائمًا أنها منهج يصل إلى حل مغلق.

■ هل تعتقدين أن تعرض الناقد لثقافات مختلفة يؤثر فى رؤيته النقدية؟

- بالتأكيد. عادةً تلاحظين أن الأساتذة الذين تعرضوا لثقافات غير الثقافة العربية يكون نقدهم أكثر اتزانًا، ولا يكون متجهًا نحو القومية المتشددة.

■ ماذا تقصدين بذلك؟

- أقصد أن هناك أحيانًا من يقول، مثلًا: «الرقمنة ستفسد اللغة العربية». كيف؟ يقول لك أى شىء. أى إبداع جديد، تجدين الشخص المنغلق داخل ثقافة واحدة يقول: «لا، هذه تؤذى اللغة العربية، والكمبيوتر لا يضع الهمزة بشكل صحيح». كيف ذلك؟ الكمبيوتر هو الذى يصحح لنا. هؤلاء حتى ينسوا أنهم غير معرضين فعلًا لثقافة الرقمنة. والآن دخلنا فى عصر الذكاء الاصطناعى.

■ إذن هل يصبح الذكاء الاصطناعى ناقدًا أدبيًا فى المستقبل؟

- أرى أن الخطر الحقيقى الآن من الذكاء الاصطناعى هو الغش. بدأت ألاحظ أن الإنسان يستطيع أن يجعل الذكاء الاصطناعى يكتب له مقالًا فى الموضوع الذى يريده.

كان لدىّ زميل فى جامعة فى إنجلترا، وقال لى ذات مرة إنه قرأ مقالًا باللغة العربية، ولا أتذكر إن كان فى دورية عربية مهمة، ولا أتذكر اسمها تحديدًا. فقال لى: «قرأتها وأعجبتنى جدًا، وأثناء قراءتها قلت: هذا يشبه شيئًا قلته أنا» وفى النهاية اكتشف أن الرجل نقل مقالته ونشرها بالحرف، وهذا حدث قبل أن تظهر الأدوات الحديثة. أصبح لدينا الآن ما يسمى «Detector»، أى أداة لكشف النقل. وعندما اكتشف الأمر، ذهب واشتكى إلى دار النشر العربية اللبنانية، فقالوا له: «لا نستطيع أن نفعل شيئًا الآن، لكن عندما نعيد نشر الكتاب سنحذفها». وطبعًا لم ينشر أحد فى الصحف ليفضح الرجل. ونحن أيضًا مخطئون فى ذلك.

وأريد أن أقول لك إن هذه المسائل موجودة فى الجامعات أيضًا. ولذلك وضعوا الآن نظامًا يتم بموجبه إرسال رسالة الدكتوراه أو الماجستير إلى جهة للفحص؛ لأن هناك وسائل يمكن من خلالها اكتشاف ذلك.

وأنا أستخدم هذه الأدوات مع طلابى باستمرار. بالنسبة إلى اللغة الإنجليزية أستطيع أن أفهم من أسلوب الكتابة أن هذا ليس أسلوب طالب مصرى، لكن الأمر فى العربية أصعب؛ لأن الجميع يكتب العربية بشكل جيد.

لقد وضعوا هذا النظام لدينا لاكتشاف السرقات الأدبية، وبالفعل اكتشفوا أشياء عدة، وكانوا يرسلون إلينا أحيانًا فى القسم نتائج الفحص، ويقولون إن فلانة فعلت كذا، وينكشف الأمر.

لكن بدأ يظهر الآن أن بعض الناس اشتكوا، ولم تعد الجهات المختصة تعطى الفحص الاهتمام نفسه. أصبحوا يتعاملون مع الورقة بمنتهى الاستهانة.

ولذلك أنا أطالب جميع المجلات الأدبية، بل والجامعات أيضًا، بالحسم فى هذه الأمور. الجامعات واضح أنها غير قادرة على حسم الأمر، وأنا أتمنى أن تحسمه، لأننى أرى أن الأمر ليس حاسمًا بما يكفى.

أحيانًا أقرأ أشياء واضحة جدًا، وأقول إن هذه ليست لغة الطالب نفسه. فى اللغة الإنجليزية يمكن اكتشاف ذلك بسهولة؛ لأن مهما كانت إنجليزية الطالب جيدة، فإن هناك طريقة فى الكتابة، مهما كانت ثقافته، تجعل من الممكن التعرف إلى أسلوبه من دون النظر حتى إلى أداة الكشف.

ولهذا السبب لم يعد بعض الطلاب يحبوننى. جاءنى مثلًا مجموعة من الطلاب، لا أتذكر هل كانوا ستة أم ثمانية، ولم يكن بينهم سوى اثنين لم ينقلا من الذكاء الاصطناعى، أما الباقون فكانوا جميعًا قد نقلوا منه.

وطبعًا، هل أستطيع أن أسقط ستة أو ثمانية طلاب؟ كانوا فى مستوى الدكتوراه، ولا أستطيع أن أسقطهم جميعًا. لكننى أعطيتهم درجات غير جيدة، ولم أمنحهم تقديرًا ممتازًا، فغضبوا منى، وأصبحوا يغضبون من الأستاذ الذى يكشفهم. إلى أين سنصل بهذه الطريقة؟

لذلك أقول إن علينا أن نكون حاسمين فى هذه الأمور، وإلا فإن البحث العلمى فى الجامعات المصرية سينتهى إذا تركنا الأمور تسير بهذه الطريقة، وقلنا: «حرام» أو «غير معقول» ثم تركنا الأمر. وأنا نفسى أصبحت أقول: هل من المعقول أن أكون الأستاذة الوحيدة التى تسقط ستة أو ثمانية طلاب؟ هناك بالطبع أساتذة آخرون متشددون، لكنهم قليلون جدًا، ويجب أن تكون لدى هؤلاء ثقة فى أنفسهم وفى موقفهم العلمى.

■ بالحديث عن هذا الواقع، ما الفرق بين الثقافة والتعليم؟

-  التعليم هنا بمعنى التلقين. وتجدين انقسامًا بين التعليم والثقافة، وبين ثقافة العلوم الطبيعية وثقافة العلوم الإنسانية. ولأن العلوم الطبيعية تحقق دخلًا أكبر، أصبح هناك احتقار وتقليل من أهمية الدراسات الإنسانية.

إذا لم تمنح الطبيب خلفية ثقافية، حتى فى المجال الطبى نفسه، فلا يمكن أن يكون الأمر سليمًا. لديك الآن، مثلًا، الطالب فى فرنسا فى السنة الأولى بكلية الطب يدرس مادة اسمها «الطب الاجتماعى»، ويدرس الأمراض التى تنشأ عن المجتمع الفرنسى. 

هل لدينا نحن هذا الجمع بين المعرفة الطبية والخلفية الاجتماعية والثقافية؟ وتجدين الطلاب هناك يناقشون قضايا؛ لأنهم منذ المرحلة الابتدائية يتعلمون الحس النقدى والعلمى. لديهم مادة اسمها «الحوار» أو «المناقشة» أو Debate. ويطرح المدرس قضية ويناقشها الطلاب.

■ إذن ما دور النخبة المثقفة فى الإصلاح؟

- أولًا، نحن لم نصمت عن هذه الأمور. فعندما ظهرت، مثلًا، فكرة إنشاء جامعة القاهرة الجديدة دون كلية للدراسات الإنسانية ودون كلية للحقوق، قسمنا دافع بالفعل عن الدراسات الإنسانية وأهميتها فى المجتمع، وعن أهمية اللغة فى المجتمع، وكل هذه الدفاعات كانت دفاعًا عن الدراسات الإنسانية.

لأن معنى ذلك أنهم يريدون إلغاء كلية الآداب لماذا وما الذى يريدونه إذن؟ ولماذا يفتحون جامعات باللغة الإنجليزية، لماذا الإنجليزية؟ كل الجامعات الدولية تدرس بالإنجليزية، حتى الصينى واليابانى وغيرهما يدرسان بالإنجليزية.

إذن لا بد أن نتعلم الإنجليزية والفرنسية، فالفرنسية مهمة جدًا. الفرنسيون، مثلًا، متقدمون جدًا فى صناعة الأسلحة والصواريخ وغيرهما، ومتقدمون فى الطب وعلاج السرطان. وكثير من الناس عندما يصابون بالسرطان يذهبون إلى فرنسا.

لا يمكن أبدًا إلغاء كلية بهذه الأهمية. جامعة القاهرة نفسها تأسست على كلية الآداب وكلية الحقوق، وكانتا من أهم أساسات الجامعة قبل أى شىء آخر.

■ فى رأيك لماذا تتصدر الرواية المشهد الثقافى؟

- أسباب كثيرة. أولًا، لأن الشاعر يعبر عن العالم بصورة مجردة، ويجب أن تكون لديه أذن موسيقية فى الوقت نفسه، وهذا ليس مطلوبًا من الروائى.

الرواية تمنح فضاءً أرحب للكتابة. أما الشاعر فيتميز بقدرته على تلخيص الأمور أو تغريبها أكثر من الروائى. الروائى لديه رؤية وعلاقات بين الشخصيات وخلفية ثقافية معينة. بينما الشاعر تكون لديه رؤية تجريدية. بالنسبة إلىّ أرى الشاعر مثل الفن التجريدى.

لذلك، عندما كنا صغارًا، لم نكن نتآلف كثيرًا مع القصائد العربية القديمة، لأنها لم تكن مفهومة لنا، وفيها قدر كبير من التلخيص، ولا يمكن فهمها إلا إذا فهمتِ الطبيعة البدوية. لكنها لا تُفهم بالسهولة نفسها داخل ثقافتنا الحالية.

وكما قلت لك، الشاعر بالنسبة إلىّ يشبه الفن التجريدى. يحتاج إلى قدرة على القراءة تجمع بين الأمور، تجمع بين الكلمة والموسيقى، وبين الفراغات. ففى الشعر فراغات أكثر من الرواية.

 خلال العقدين الأخيرين، أصبحت هناك سيولة فى مسألة كتابة الرواية، وأصبح عدد كُتَّاب الرواية كبيرًا جدًا، حتى إن كل شخص تقريبًا أصبح يصدر رواية.

 أنا ألاحظ ذلك، إلى درجة أننى أصبحت تائهة الآن. أريد أن أبدأ فى قراءة هذا الجيل. أنا توقفت عن متابعة الرواية، وأنت تعرفين أننى كتبت كثيرًا جدًا عن الرواية، ولذلك توقفت. والآن أعمل فى الرواية وفى الأدب الإلكترونى أو الأدب المتعدى، المتعدى لحدود الجنس الأدبى.

■ تقصدين العابر للنوع؟

- العابر للنوع، بالضبط. وليس النوع فقط، وإنما الجنس الأدبى. لأن العابر للنوع يعنى أنك داخل مجال الأدب نفسه: هل هذا أدب أم شعر أم تاريخ؟ لا، إنها «ميديا» نحن نسميه «عابر الميديا/ Transmedia».

ما أقصده هو روايات مسموعة وكتب صوتية، وما شابه ذلك. يمكنك أن تشاهدينى فى جزء من العمل على الهاتف، وتشاهدين جزءًا آخر على الموقع الإلكترونى، ويمكنك المشاركة فى الكلام.

■ تقصدين المشاركة فى الكتابة؟

- نعم. ولذلك أنا متجهة إلى هذا المجال. ولماذا أتجه إليه، لأن هناك الآن كثيرًا من الكتابات عن الأدب الإلكترونى، وهو موجود على المواقع الإلكترونية أيضًا. أنا أريد أن أدخل مصر فى هذا التيار. ولذلك بدأت بالفعل فى الكتابة فى هذا الاتجاه، لأن مهمتى ليست أن أدرس الإنجليزية أو أن أدرس الأدب فقط، وإنما مهمتى أن أبنى الجسور بين ثقافتنا والثقافات الأخرى.

■ أليس هذا مهمة الأدب المقارن؟

- بالضبط. الأدب المقارن ليس أن تأتى بنصين وتقارنى بينهما وتقولين هذا يشبه هذا، وهذا سرق من هذا. هذا المفهوم انتهى تمامًا الآن. الأدب المقارن اتجه إلى مساحات أخرى. وظهر ما يسمى بالأدب العالمى، أى أن كل أدب فى أى منطقة ينتمى إلى العالم كله.

ظهرت النظرية التى تقول إنك لست مضطرة إلى معرفة اللغات حتى تقرئى. ويمكنك أن تقرئى أعمالًا مُترجَمة، وهناك جدال كبير حول هذه المسألة فى الوقت الحالى.

أنا مقتنعة جدًا بأن الأدب المقارن معناه أن نقرأ آداب العالم، ونرى ماذا أضاف كل أدب، وكيف نتميز، وكيف نختلف أو نتنوع. وكما يقول الصينيون، الأدب شىء متنوع «Variation Theory»، أى نظرية التنوع الأدبى أو التنوع بصورة عامة.

هذا يتيح لكل الناس المشاركة فى هذا المجال، ويؤسس لفكرة التقبل. ومن الخطأ أن نفترض أنهم لا يحبوننا. لماذا نفترض دائمًا أننا نحن الذين لا يحبنا الآخرون؟ هم منفتحون على العالم كله.

انظرى إلى الصراعات السياسية: الحكومات متعاركة مع الصين من ناحية، ومع إيران من ناحية أخرى، لكننى أدخل إلى المواقع وأجد الإيرانيين الذين يعيشون خارج إيران يكتبون، والصينيين يكتبون، ونحن نكتب.

ما يضايقنى أن مصر ليست ممثلة بالقدر الكافى. وقد قلت هذا الكلام وأكرره: لماذا؟ لأننا لا نخرج من بلادنا ونعيش فى الخارج بالقدر نفسه الذى تفعله شعوب البلدان التى تعانى من مشكلات سياسية وغيرها.

ثم هناك أيضًا النعرة القومية التى سادت فى الستينيات، وأدت إلى منع تعليم اللغات فى المدارس، وهذه نقطة تُعاب علينا. الآن فى أوروبا، الطالب منذ المرحلة الابتدائية يتعلم لغتين، إلى جانب الفرنسية، أو لغتين إلى جانب الهولندية، بحسب البلد.

هل نفعل نحن ذلك فى مدارسنا؟ : لا، هذه اللغة القومية، ولغتنا أفضل لغة. وما معنى أفضل لغة؟ لا توجد لغة أفضل من لغة بصورة مطلقة. كل الناس يحبون لغتهم ويعتبرونها أفضل لغة، لكن هذا لا يعنى ألا تتعلمى اللغات الأخرى، وألا تدخلى فى الحوار، وألا تتعلمى منها. ولذلك، عندما تنظرين إلى ما ينشر الآن عن الأدب العربى، تجدين أن كثيرًا منه لا يصدر من مصر.

■ عم يدور كتابك الأخير «التمثيل الثقافى بين المرئى والمكتوب»؟

- كتابى الأخير «التمثيل الثقافى بين المرئى والمكتوب» عبارة عن دراسات بينية بين الفن والأدب. أخذتها من البدايات حتى القرن العشرين، وبينت كيف ظهرت فى القرن العشرين فكرة الفنان، واستشهدت بفنانين من خارج مصر ومن داخلها. أنا دائمًا أقوم بالمقارنة.

عندما دخلت إلى فكرة «الافتراضى» من هذا المنظور، فعلت ذلك لسببين. أولًا، لأن ما بعد الحداثة أذابت فكرة الفصل بين الأجناس الأدبية. وثانيًا، لأننى كنت أكتب فى النقد الفنى التشكيلى، وقلت: أريد الآن أن أقدم دراسة تجمع بين الفن التشكيلى والأدب.

فى كليتنا، كما قلت لك، كان هناك أساتذة للسينما محافظون جدًا، وكانوا يقولون: الإنجليزية إنجليزية، فما علاقتك بالفن؟ وما علاقتك بالأدب؟ وما علاقتك بهذه الأشياء؟ وكانوا يرون أن الأدب العربى شىء منفصل.

لكن ما فعلته هو أننى كنت مواظبة على مكتبة الجامعة الأمريكية ومكتبة جامعة القاهرة، وأجلس وأقرأ فى المجالات المختلفة. واكتشفت أن هناك ناقدًا جمع بين ثقافة الصورة وثقافة الكلمة. هذه هى أساس كتابى. وأنا، بالطبع، أستفيد مما أقرأه، لكننى بوصفى ناقدة لا يمكننى أن أنقل. هو يتحدث من منظور الأدب الأوروبى، وقد حصل على الدكتوراه فى ويليام بليك، وهو الشاعر الرومانسى الذى كان يرسم ويكتب الشعر. فرحت جدًا عندما اكتشفت ذلك؛ لأننى وجدت الشىء الذى سيسمح لى بأن أعمل فى هذا المجال. ولدىّ معظم كتبه. 

أول بحث قدمته فى هذا الموضوع كان عن فنانة وأديبة أيرلندية اسمها ليونورا كارينجتون. توفيت منذ فترة قصيرة، وقد حزنت عليها جدًا؛ لأنها كانت فنانة وأديبة رائعة. قدمت بحثًا عنها، لكنهم رفضوه وقالوا: «هذا خارج التخصص». بعد ذلك، الأشخاص الذين رفضوا البحث وقالوا إنه خارج الأدب وغير ذلك، عادوا وسمحوا لطلاب بأن يسجلوا موضوعات عن العلاقة بين الأدب والفن.

جاءتنى طالبة وقالت لى: «أنا لم أكن أريد هذا الموضوع، لكن فلانًا دفعنى إليه، وأنا أريد منك أن تشرحى لى»، فقلت لها: «لا أستطيع أن أشرح لكِ من زاوية واحدة، لأننى دارسة للفن».

أنا بالفعل درست الفن عندما سافرت إلى إسبانيا. بقيت فى إسبانيا ٤ سنوات، ورأيت العلاقة بين الفنون، وبين الثقافة العربية والإسبانية، وكان الأمر رائعًا، حتى فى الأغانى الإسبانية. وكان لدىّ أيضًا بعثة فى إنجلترا. ثم عدت وقلت إننى سأعمل هنا وأدرس، ودرست بالفعل وحصلت على الماجستير. أقول لك كل هذا لأوضح أن كتابى لم أصنعه من العدم، ولم يكن مجرد فكرة من رأسى، وإنما هو تعبير عن معايشة وتجربة ودراسة.

■ لكن المزج بين الأدب أو نقده والفنون البصرية أمر معروف، أليس كذلك؟

-  الآن نعم. أعرف أنه موجود، فهناك أشخاص كثيرون يكتبون ويرسمون، أو يكتبون قصيدة ويعبرون عنها برسم، وهذا موجود. الأمر ليس مجرد التعبير بالرسم. الفكرة أنك عندما تنظرين إلى أى صورة أو لوحة تنسجين حولها حكاية. أى تستنطقين اللوحة أو العمل الفنى بالكلمات، وهذا شىء نسميه «Meta-criticism»، أى نقدًا خارج الإطار التقليدى.

أنت لا تحكين بالرسم، وإنما تحكين بالكلمات. الشىء نفسه يحدث عندما يرسمون أى شىء. هم يرسمون، لكنهم فى الوقت نفسه يرسمون ما يعبرون عنه، أى يمثلونه. وهذا هو التمثيل الثقافى لما يدور فى رأسهم عن هذا التشكيل المعين. 

المهم أن ما أريد قوله، حتى نجمع هذا الكلام مع ما سبق، هو أنه لا يكفى أن تتخصصى فى لغة واحدة، أو فى علم واحد، أو فى منهج واحد، لأن أساس التقدم فى العالم الآن قائم على التداخل. 

الآن كل شىء أصبح متشابكًا مع بعضه، مثلًا، الكيمياء الهندسية، أى الجمع بين الهندسة والكيمياء. هناك تجاوز لفكرة التخصص الواحد. تجاوز لمسار واحد فقط. وهذه هى أساس الفلسفة. إنها رؤية فلسفية فى النهاية، تقوم على أن المنهج الصحيح يجب أن يستدعى الاستعانة بمناهج أخرى.  الواقع نفسه أثبت ذلك، من دون الحاجة إلى النظرية المكتوبة. عندما تجدين شخصًا عمل فى مجالات كثيرة، إلى جانب تخصصه الأساسى، ستجدين أنه ينجز ويقدم إنتاجًا أفضل كثيرًا من شخص درس تخصصًا واحدًا بصورة شديدة التخصص، وقال: «لا أريد أن أتجاوز إلى مجالات الآخرين».

■ لكن ألا يعنى هذا ترك التخصص؟

- أنا لا أقول نترك التخصص، لكن يجب أن تكون هناك مجالات أخرى تخدم تخصصك. أنت عندما تكتسبين خبرة، إذا كنت صحفية وتعملين فى التصوير، ستكتسبين خبرة. وإذا كنت صحفية وتعملين مدرسة، وتجلسين لتحكى قصة، ستكتسبين خبرة. وحتى إذا ذهبتِ لتعملى بائعة فى محل، ستتعلمين أنماط الناس وكيفية التعامل معهم، وقراءة نفسياتهم ومشكلاتهم. كل ذلك يخدم بعضه بعضًا.

مسألة التخصص فى منطقة واحدة فقط ليست صحيحة، إلا فى بعض المجالات. فلا يمكن، مثلًا، أن يفتى الصحفى فى الطب إلا إذا كان متخصصًا.

وحتى فى تاريخ العرب، خصوصًا فى عصر النهضة، فى الوقت الذى كانت فيه أوروبا تعيش ما يسمى بالعصور المظلمة، كان العرب متقدمين فى الطب والكيمياء وغيرهما. وكان الشخص الواحد عالمًا فى أكثر من مجال. كان مفسرًا وعالم فلك، وليس عالم الفلك بالمعنى الشعبى، وإنما عالمًا يدرس حركة النجوم والكواكب والطقس، وفى الوقت نفسه يكون مدرسًا ويحفظ القرآن ويعلم الناس. كانت التخصصات متعددة، لكنها كانت تتمركز أيضًا حول مجال أساسى. أما الانغلاق فهو أن يظل الإنسان مركزًا فى مجال واحد فقط.

نحن لدينا مناخ يقوم على الفصل طوال الوقت، وعلى الاختلاف. وإذا نظرتِ إلى كتاب «التمثيل الثقافى»، ستجدين كيف يحتوى السلبى على الإيجابى، ويحتوى الإيجابى على السلبى. لا يمكنك حتى الآن أن تقولى: هذا سلبى وهذا إيجابى بصورة مطلقة.

وكما قلتِ أنتِ، يمكن أن تكونى طبيبة، لكن لا يمكن أن يكون العالم كله أطباء. الأطباء لهم أهمية، لكن هناك أهمية أيضًا للعامل الذى يصنع لك القهوة فى العمل. هناك عرب، مثل السوريين، عندما ركزوا على العربية وحدها، لم يستطيعوا قراءة النصوص الإنجليزية، ولذلك لم يتطور بعضهم بالشكل الكافى. صحيح أن بعضهم تطور، لكن الباقى لم يفعل. لا بد أن يتعلم الإنسان الإنجليزية منذ المرحلة الابتدائية حتى يستطيع مواكبة العالم.

■ لماذا تراجع حضور الناقد المؤثر مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقود؟

- هل لدينا الآن مجلات أدبية ونقدية مثلما كان لدينا فى الماضى؟ أعترف الآن بأننى لا أتابع الأدب العربى مثلما كنت أفعل فى الماضى، لأننى كنت أعتقد أن مجلات مثل «فصول» و«إبداع» توقفتا.

فى الماضى كنت ترين هذه المجلات فى المكتبات وفى كل مكان، أما الآن فهناك الإنترنت، والمجلات تنشر عليه. لكن هل تعرفين أين المواقع الثقافية؟ المفترض أن يكون لها مواقع على «فيسبوك» وروابط. يُقال إن المجلة ظهرت أو صدر عدد جديد منها، ويكون العدد منشورًا على «فيسبوك» أو على مواقع أخرى. أين المواقع الثقافية الموجودة الآن؟