الأربعاء 12 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

مريض نفسى يحكى لكم .. عندما يصبح الجنون عين العقل

حرف

- صاحب الكتاب نزيل سابق فى مصحة جلاسكو للأمراض العقلية بأسكتلندا

- ترك شهادة إنسانية نادرة عن عالم لا نراه عادة إلا من الخارج

«نحن أمام نص فريد؛ فكاتبه غير معروف، ذكر عن نفسه فقط أنه نزيل سابق فى مصحة جلاسكو للأمراض العقلية بأسكتلندا، وأنه ليس طبيبًا. هذا هو كل ما نعرفه عنه بالإضافة إلى زمن الكتابة حيث نشر الكتاب عام 1860م. ربما لم يذكر اسمه خوفًا من وصمة العار التى لاحقت المصابين بالأمراض النفسية بشكل كبير آنذاك، وما زالت- للأسف- لكن على نطاق أصغر فى الوقت الحالى، أو حتى يتمتع بحرية التعبير عن آرائه دون أن يُلام. لا نعرف أيضًا هل تعافى تمامًا أم ظل تحت العلاج فى أثناء الكتابة، أم انتكس بعدها واحتاج إلى دخول المصحة مرة أخرى». 

هكذا بدأت مترجمة النص ماريا ألفى تقديمها. فالكتاب يوثق لمعاناة خالصة كتبها شخص فى خضام معاركه الحارقة مع عقله، كتب ووصف وشرح نفسه وأفكاره، وماذا يحدث بداخل رأسه المعلول. كتب- بحسب وصفه- ليؤدى واجبًا أخلاقيًا يشعر به تجاه آخرين قد يسقطون فى العتمة نفسها، فيقول: «إنه لشىء مخيف أن يصير الإنسان مجنونًا، وأن يعى ذلك. أعتزم تدوين بعض ذكرياتى عن خواطرى وأفعالى تحت تأثير المرض، على أمل أن تفيد الذى يقتضى عملهم رعاية المجانين، وتحذير هؤلاء الذين يسيئون استخدام عقولهم بسبب الجهل أو الإهمال، حتى تنقلب الروح المعذبة، مثل عقرب محاط بالنار، وتلدغ نفسها». 

نجا هذا الرجل بما يكفى ليروى. وبعد أكثر من قرن، يتحقق جزء من أمنيته: أن يُسمع صوته بلغةٍ غير لغته الأم، ويعبر حدود الزمان والمكان. 

من المهم الانتباه إلى أن الكتاب يستخدم كلمة «مجنون» للإشارة إلى الحالات التى يتحدث عنها الكاتب، وهو اللفظ الذى كان شائعًا فى القرن التاسع عشر، حين لم تكن هناك توصيفات علمية دقيقة لمعظم الاضطرابات النفسية كما نعرفها اليوم. وقد تغيّر استخدام هذه الكلمة بمرور الوقت، كما تبدّلت كثير من المصطلحات المرتبطة بالمرض النفسى، مع تطور الفهم الطبى لهذه الاضطرابات وتغير نظرة المجتمع إليها.

عند قراءتى لهذه المذكرات تذكرت مقولة شائعة؛ أن كثيرًا من ساكنى المصحات عقلاء، أما المجانين فهم من بالخارج! وأظن هذا «المجنون العاقل» يتفق معى حيث ذكر: «نجد رجالًا يتحدثون بعقلانية وبطريقة إرشادية ربما طوال وقت بقائك معهم، ومن خلال قيادة المحادثة، تبعدهم عن الضلالات التى تحكمهم- وللقيام بهذا يجب أن تعرف طبيعة تلك الضلالات- ومع ذلك بمجرد أن تتركهم، ربما ينشغلون وينغمسون فى التحكم فى السُّحب وتنظيم الطقس، أو فى مراقبة عصبية لحركات شيطان صغير، استحوذ على المفصل العلوى من السبابة دون طلب إذن أو الحصول عليه. هذه حالات حقيقية، ليست محض خيال». 

يصحبنا الكتاب فى جولة داخل عقول من عاشوا تجربة الجنون، أو بالأدق المرض العقلى والنفسى. يكشف لنا أسبابًا قد تدفع الإنسان إلى حافته: الضلالات والهلاوس، تعاطى المخدرات والمنبهات، التعصب الدينى، وتدهور الحالة الصحية والجسدية، وقد كتب الكاتب لكل سبب فصلًا مستقلًا. كذلك يلقى الضوء على حال المصحّات العقلية فى ذلك الزمن، والفروق بين المصحات العامة والخاصة من حيث أساليب المعاملة والتجهيزات وطرق العلاج. 

ويقدم النزيل أيضًا ما يشبه «روشتة نفسية» للمصابين ومن يعتنون بهم؛ مجموعة من النصائح المستمدة من تجربته الشخصية سعيًا إلى التعافى أو إلى قدر من السلام الداخلى. ويجب الأخذ فى الاعتبار أن أى رأى أو نصيحة طبية فى هذا الكتاب صادرة عن شخص ليس طبيبًا أو متخصصًا أو مقدم رعاية. ومع ذلك يمكن النظر إلى بعض هذه النصائح بوصفها خلاصة تجربة إنسانية تستحق التأمل. 

يحكى مثلًا عن المصحّات وطبيعة التعامل مع المرضى، فيقول إن الاغتسال بالماء البارد كان يُستخدم فى مختلف حالات الجنون ودرجاته. ويرى أن له أثرًا جيدًا حين يكون الجهاز العصبى فى حالة هدوء نسبى ولا يعارضه المريض، أما فى حالات الاضطراب العقلى الحاد- حين تكون الأعصاب مشتعلة كألسنة النار- فيتحول إلى قسوة لا مبرر لها، وتعذيب بلا جدوى، لا ينتج عنه سوى مزيد من الأذى. لذلك يُنصح فى هذه الحالات باستخدام الماء غير البارد فقط للحفاظ على نظافة الجسد.

ويضيف أن الاغتسال بالماء الساخن قد يكون أشد خطورة إذا استُخدم عشوائيًا. يروى أنه مرّ قبلًا بحالة من الكآبة واليأس، ومع ذلك كان مستعدًا لفعل أى شىء طلبًا للشفاء. نصحه أحد الأطباء فى جلاسكو بحمام دافئ، فدخل الحمام خاملًا مثقلًا بالبؤس، لكنه شعر فورًا كأن سيلًا من النار يتدفق على جسده، فقفز غاضبًا فى حالة هياج. هرعت القريبتان الموجودتان وقتها لطلب المساعدة، ولولا تدخلهما السريع ربما انتهت تلك اللحظة نهاية مأساوية.

أقسى ما ورد فى الكتاب- من وجهة نظرى- هو وصف الرجل للحظات العذاب التى كان يعيشها.

يحكى: ذات ليلة، بعد عدة أسابيع من المعاناة المروعة، فى أثناء رقادى على السرير متقلبًا، يائسًا أعانى الأرق، انتابنى أكثر دافع مرعب على الإطلاق، يدفعنى إلى تدمير الوحيدة بين كل الكائنات الحية التى تستحق أن أحبها أكثر من الجميع. دفنت نفسى تحت أغطية السرير، وجاهدت ضد ذلك الدافع الشيطانى حتى اهتز السرير.

ظلّ الدافع يزداد قوة. نهضت وتمسكت بعمود السرير، وغرست أسنانى فى الخشب الصلب من شدة العذاب واليأس. كان الأمر خارجًا عن السيطرة. أغمضت عينىّ، وحنيت رأسى خوفًا من أن أراها، ثم اندفعت خارج المنزل حافى القدمين، لا يغطينى سوى رداء النوم.

هرعت عبر الشوارع إلى مركز الشرطة، وتوسلت إليهم أن يحبسونى. ولحسن الحظ كان الضابط المناوب إنسانًا عاقلًا؛ أعطانى معطفًا واقيًا لألتحف به، وأبقانى تحت ملاحظته، وأظن أنه أرسل رسالة إلى أصدقائى. وبعد قليل أتت زوجتى وأختى ومعهما ثياب لى. مرت النوبة، ورافقتهما إلى المنزل وأنا ألهث، يغمرنى اليأس من رأسى حتى أخمص قدمى. 

هذا الوصف المكثف يضع القارئ مباشرة داخل تجربة الجنون، بعيدًا عن النظريات الطبية، فيشعر بمدى العذاب الداخلى الذى يعانيه المريض، ويُدرك مدى هشاشة العقل حين يواجه أقسى لحظاته. 

نوبة قاسية أخرى حكى عنها الكاتب، حول عقله الذى لا يهدأ ويدفعه نحو الجنون، فيقول: «كان لدى طفل صغير مريض، مفضل بسبب عجزه؛ وبعد أن نُقلت إلى المصحة، ظل بكاؤه وعويله يحيطان بى. أحرق قلبى صراخُه.. أنا جائع يا أبى، أنا جائع».

حَطَّمتْ هذه الصرخة المؤلمة كل ما تبقى لى من أسباب واهية للبقاء؛ وعندما جاءت زوجتى لرؤيتى، أصررتُ على خلع ملابسى حتى تبيعها مقابل طعام للأطفال. استفسرتُ بخوف عن حال ذلك الطفل؛ فأخبرتنى أنه فى حال جيدة بالمنزل. كيف أصدقها وأنا أسمعه بوضوح فى أثناء حديثها، يبكى وينوح: «أنا جائع يا أبى، أنا جائع».

اقتنعتُ أنَّ الطفل فى المصحة، وإن لم أستطع رؤيته؛ وواظبت على اقتطاع جزء من طعامى فى كل وجبة ووضعه فى زاوية، على أمل أن يعثر عليه فى أثناء تجواله. صار صوته أضعف؛ ثم تغير العويل إلى «أبى لا يهتم بى.» وضعت طعامى كله فى الزوايا من أجله، فأنا لا أستطيع تذوقه. 

جاءت زوجتى فى اليوم المحدد كالمعتاد، وأحضرت معها الطفل، الذى عذبنى صراخه بسبب الجوع. كان فى الريف، وتحسنت صحته ومظهره كثيًرا، وحينما تعلّق برقبتى وقبّلنى، لم أستطع منع نفسى من التفكير أنه لم يكن فى الحقيقة جائعًا بهذا القدر كما قال لى. يبدو أن العقل المجنون لا يرضيه شىء أقل من تدمير نفسه كُلها؛ لم يتركنى طويلًا حتى تخيلت أن الطفل ظل فى المصحة، وسمّنوه بعملية جهنمية حتى يخدعونى، وأن أمه أجبرت على التواطؤ فى المؤامرة ضد طفلها وضدى. 

تلك النوبات المحمومة ساعد على تهدئتها، حب زوجته له، وإصرارها على تقبّله وعلاجه ودعمه. يحكى عنها: «وحتى فى أشد الأيام عاصفة، ظلت حاضرة، وفية لموعدها مثل الشمس. أدين لذلك، ولها بحمايتى من الانتحار أو الخبل. أعطتنى هذه الزيارات شيئًا أفكر فيه، فقد مثلَتْ زوجتى، بقعة صلبة وسط محيط مضطرب، حيث تستطيع الروح أن تستريح بين وقت وآخر. 

كان لتأثير العائلة ودفئها أثر كبير فى تعافيه، لذلك عندما ناقش الفصل الخاص بالمصحات، اقترح أن يُصمم العنبر على هيئة البيت. يقول: أحد العوائق الكبيرة التى تعترض راحة ونقاهة المرضى فى مصحات الأمراض العقلية، هو المظهر الخاوى والمقفر فى القاعات الطويلة التى يُحتجزون بها خلال اليوم، والمنظر غير المنزلى للأجنحة الكبيرة التى ينامون فيها ليلًا.

لذا، ينبغى توفُر أماكن صغيرة ومريحة تشبه المنزل، مزودة ومفروشة ببضع قطع الأثاث البسيطة المماثلة لما اعتادوه فى بيوتهم، لجميع الحالات المرجو شفاؤها.

وبينما يلفت الكاتب الانتباه إلى أهمية الدفء الإنسانى والبيئة الهادئة فى مساعدة المريض على التعافى، ينتقل فى فصل آخر إلى جانب أكثر قتامة، وقضية مختلفة تمامًا، يراها من أخطر ما قد يدفع العقل إلى الانهيار، وهى: التعصب الدينى.

يقول هذا «المجنون الحكيم»: «من بين كل أنواع الاعتلال العقلى، فإن الشطح الدينى هو الأشد تدميرًا بل ومميت». ويضيف: «يؤدى التبجيل المرضى أو التدين المختل إلى جنون بالغ الحدة، ميئوس منه، ومفعم بالألم». 

ويصف أثر التعصب قائلًا: «لا شىء يُقرِّبُ الإنسان إلى هيئة المسخ أكثر من التعصب الدينى. فكما يجتاح فيضان النيران الخارج من حضن البركان الأرض، محولًا الزهرة والفاكهة إلى دخان ورماد، يجتاح التعصب الرحمة والحق. وحيث كان يمكن لهاتين الصفتين أن تزدهرا، نجد القسوة وعدم التسامح والظلم والاستبداد فى أبشع صورها، وقلبًا لا يتأثر بالمعاناة الإنسانية».

ويرى أن المتعصب الدينى، إذا تسلح بالسلطة، يصبح الأخطر على الإطلاق. ويقول إن خبرته تشير إلى أن كثيرًا من حالات الجنون غير القابلة للشفاء يمكن إرجاعها، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إلى هذا السبب.

ويختم دعوته قائلًا: ما أرغب فى الدعوة إليه هو الاعتدال والعقلانية فى التدين؛ فعندما يتجاوز التدين هذه الحدود يصير مدمرًا لطبيعة الإنسان. وبدلًا من أن يكون عصًا يستند إليها الضعيف، يصبح رمحًا تنزف دماء السلام على طرفه.

سبب آخر قد يدفع الإنسان إلى حافة الخبل، وهو اعتلال الصحة. يرى الكاتب مثلًا أن أمراض المعدة قد تكون مصدرًا خصبًا للجنون، لأنها على اتصال مباشر وسريع بعضوين شديدى الحيوية: القلب والمخ. 

فإذا دخل الجسم عبر المعدة مخدّر ذو تأثير منشط قوى، يرتجف القلب فورًا، ويتسارع تدفق الدم، وتشتد النبضات، ويترنح الدماغ؛ أما إذا كان المخدّر ذا تأثير معاكس، فإن الدورة الدموية تهبط سريعًا، ويُنهك الجهاز العصبى تمامًا. لذلك يقترح النظر إلى المعدة بوصفها مخًا ثانيًا؛ فإساءة استخدامها قد تقود- فى رأيه- إلى الهوس، والجنون، واليأس من الحياة، وكل سلسلة الفظائع التى تصاحب اعتلال الجهاز العصبى.

من هنا يرى الكاتب أن سلامة العقل لا يمكن فصلها عن صحة الجسد. يقول: «لا يستطيع العقل أن يبلغ أعلى كفاءة ممكنة، دون صحة الجسد. ففى كل حالة من الأمراض والآلام التى تصيب الجسم، يشارك العقل ويتأثر بها على الرغم من أن المرض فى معظم الحالات لا يفضى بالمريض إلى الجنون أو الحماقة، لكنه لا يفشل فى ترك أثر مؤذ فى الروح. لمسة بسيطة من الحمى تجعل العقل يشرد كطفل ضائع؛ وحتى الألم المفاجئ بالأسنان، أو وخزة دبوس غير متوقعة، قد تدفع أكثر العقول وقارًا وتمهلًا ومنهجية المكبوحة بإرادة قوية، إلى التمرد والركل كفرس عربى صغير».

ومن هذا المنطلق، اعتبر النوم عنصرًا لا يقل أهمية عن الغذاء والصحة العامة. فبدون قسط وافر من النوم، يفتقد العقل القدرة على الاستقرار، ويزداد خطر الهوس أو الاختلال العقلى، خاصة لدى من هم عرضة للاضطراب النفسى. ويشرح الكاتب قائلًا: «قليلون من يعرفون الأهمية القصوى للنوم الجيد لشخص يحاول موازنة عقله على خيط رفيع بين المنطق السليم والجنون. ومن الضرورى الحذر من كل ما يميل إلى إثارة الذهن بطريقة غير صحية، لأنها قد تؤدى إلى نوبة أخرى».

فى النهاية، صاحب هذا الكتاب المجهول، ترك شهادة إنسانية نادرة عن عالم لا نراه عادة إلا من الخارج. شهادته هذه تُذكّرنا بأن الجنون ليس دائمًا غياب العقل، بل أحيانًا صرخة عقلٍ لم يجد من يصغى إليه. 

ربما الحكمة الحقيقية لا تأتى إلا ممن عرفوا الجنون بأنفسهم، ومن استطاعوا أن يكتبوا صرخاتهم لتصبح شهادة حية، لا تُنسى، عن الإنسان حين يكتب وهو فى قلب الألم والمعاناة. لربما ينقذه أحد ما!