الأحد 14 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

لماذا نحلم؟.. عندما يحقق الإنسان ما يتمنى وهو نائم

حرف

- يسجل حلم «سقوط الأسنان» أكثر من 81 ألف عملية بحث شهريًا

- شرب الحليب فى الحلم يُبشر بالوفرة والبهجة

- ابن سيرين لم يؤلف كتابًا لتفسير الأحلام.. ولم يؤمن بوضع قوانين جامدة ومكتوبة للرؤى

- يُنبئ ظهور الحمام أو سماع صوت هديله الدافئ إلى السلام المنزلى

اعتدنا أن نحلم أحلامًا غريبة غير منطقية، يتشابه كثير منها؛ فمؤكد أنك حلمت ولو لمرة واحدة خلال حياتك بأنك فى مكان مرتفع وتسقط منه ثم تستيقظ من النوم فجأة، أو أن مجموعة كبيرة من الكلاب تركض وراءك وأنت تركض خائفًا حتى تستيقظ، أو أن أسنانك تقع، وربما حلمت بثعبان أو أكثر يلعب دورًا فى حلمك.

ورغم غرابة وعدم منطقية كثير من الأحلام، نهتم كثيرًا بتفسيرها فى محاولة لاستيعاب ما يحدث خلال نومنا، ربما يمكن أن تكون ذات معنى، أو تحمل دلالة ما، علينا أن نكتشفها. 

الأرقام تخبرنا أننا أمام شغف إنسانى جارف، إذ تكشف البيانات الرقمية لمحرك البحث جوجل أن ملايين البشر يستيقظون يوميًا وفى أذهانهم سؤال واحد: ماذا يعنى ما حلمت به؟ على سبيل المثال، يسجل حلم «سقوط الأسنان» أكثر من ٨١ ألف عملية بحث شهريًا فى بعض الدول، بينما يتجاوز البحث عن تفسير حلم الثعابين حاجز الـ٣٥٠ ألف بحث شهريًا فى دول أخرى.

هذا التدفق الرقمى الهائل تدعمه دراسات سلوكية موثقة تؤكد أن ٣ من بين كل ٤ أشخاص يؤمنون تمامًا بأن أحلامهم ليست عبثًا، وأنها تحمل رسائل مبطنة، فى حين أن أكثر من ٦٣٪ منا يتحولون إلى محللين نفسيين فور استيقاظهم، محاولين فك شفرات أحلامهم.

أما فى وطننا العربى، وعلى الأخص مصر، نجد أن البحث عن معانى ما نراه خلال نومنا هو ظاهرة ثقافية واجتماعية ضخمة ممتدة فى الوجدان الشعبى، وتعكس البيانات الرسمية لمنصة جوجل تريندز فى مصر هذا الشغف بوضوح؛ إذ تتربع عبارة «تفسير الأحلام لابن سيرين» على قمة المنحنى البيانى للبحث طوال العام دون تراجع، ممثلة واحدة من أكثر الكلمات استدامة وطلبًا فى الفضاء الرقمى المحلى، ويمتد الأمر إلى متاجر تطبيقات الهواتف الذكية، والتى تسجل فيها برامج تفسير الأحلام التراثية ملايين التحميلات.

ووسط هذا السيل الجارف من البحث ومحاولة الفهم، تفردت الأبحاث وانشغل الأدباء وشرح الأطباء، وصدرت مئات من الكتب التى تحاول الكشف عن ماهية الأحلام، من ضمن تلك الإصدارات كتاب صادر عن دار الخيال، بعنوان «الأحلام وما تعنيه لنا» للكاتبة ميغين غونزاليس فيبلر، ترجمة محمود عيسى ونوار العبدالله. 

يقدّم الكتاب دليلًا شاملًا لفهم رموز الأحلام، وتفسير رسائلها، بل واستخدامها كأداة لفهم الذات وتطوير الوعى الداخلى. يبدأ باستكشاف طبيعة العقل البشرى والوعى الإنسانى، ويقدّم تحليلًا علميًا لأحدث الأبحاث المتعلقة بالنوم والأحلام. كما يسلط الضوء على أنواع مختلفة من الأحلام مثل: الأحلام التنبؤية، الأحلام الجنسية، الكوابيس، والأحلام الذهنية البعيدة «التيليباتية»، مع تحليل مفصّل لكل نوع. كذلك يشرح كيف يتعامل الدماغ مع عملية النوم، وما هى المراحل المختلفة التى يمر بها أثناء الحلم. ويقدم قسم خاص يضم تفسيرات متنوعة للكثير من الصور والمشاهد التى قد تراها فى أحلامك، مثل الماء، النار، الطيران، والحيوانات وغيرها. ويزود القارئ بتقنيات ليتحكم فى أحلامه، وتذكرها واستحضارها، وكيف يمكنه التعامل مع الأحلام السيئة.

تشير «فيبلر» فى كتابها إلى أن حياة اليقظة ما هى إلا جزء صغير جدًا من وعينا الكامل لا يتجاوز عشرة بالمائة، وتُمثّل حياة الحلم جزءًا صغيرًا آخر من هذا الوعى، لكنّها تُشكّل بحدّ ذاتها مدخلًا نحو أبعادٍ أكبر وفضاءات أوسع: نحو عوالم تحوى، وعلى طريقتها الخاصة، مصادر نفسية وروحية ذات قوى أعظم وأكبر حتّى مِن القوّة النووية فى عالمنا الحقيقى. 

أهمية الأحلام تصل للحد الذى جعل كثيرًا من العلماء يعتقدون أن السبب الوحيد الذى يجعلنا ننام هو لكى نحلم! ونظرًا لهذه القوة الخارقة يمكن -إذا استغللنا أحلامنا- أن نجلب المال إلى عالمنا الحقيقى، وتحقيق حياة سعيدة وصحة أفضل وتحسين علاقتنا العاطفية. وحسب «فيبلر»: عندما نكون مُستيقظين، نُفكر بكلّ مشكلةٍ تعترضنا باهتمامٍ بالغ، وغالبًا ما نخلد للنوم ونحن نحمل على كاهلنا عبء تلك المشكلات العالقة، والتى بقيت حاضرة فى أذهاننا. حينها يُواصل اللا وعى البحث فى هذه المُشكلات، ولكن على مستوى أعمق فهو قادر على فهم جوانب مِن مشكلاتنا، إمّا تجاهلناها أو لم نكن مُدركين لها أصلًا، ومن خلال رمزية الحلم، يُساعدنا اللاوعى على التعامل مع تلك المشكلات، حتى فى الحالات التى لا يُمكننا فيها حلّها على الفور. نستيقظ من حلمنا ونحن نشعر بنوعٍ من التوازن الداخلى، وينتابنا إحساس بأنّنا قادرون، بل وسنتغلّب على مشكلاتنا. لهذا السبب يُحبّ بعض الأشخاص النوم حينما تعترضهم مشكلة، بينما نشعر جميعنا وكأنّنا أشخاص جدد، بعد ليلة نومٍ هانئة. نحلم جميعنا ببساطة أنّ همومنا قد ولّت.

وتؤكد «فيبلر» أن مخاوفنا وآمالنا وطموحاتنا وحاجاتنا وما نُحبّ وما نكره، جميعها تظهر بشكلٍ رمزى فى أحلامنا، لذا نحاول بشتى الطرق أن نفسرها، وأن نفهم لغة العقل الباطن وسماع اقتراحاته وحلوله. 

وهنا تحديدًا تتقاطع جرأة الطرح مع ما أثبته سيجموند فرويد حين أطلق على الحلم وصفه الشهير بأنه «الطريق الملكى لإدراك اللا شعور»، فالكابوس ليس عدوًا خارجيًا يتربص بنا فى الغيب، بل هو رغبة مكبوتة أو صرخة داخلية يطلقها عقلنا الباطن ليرغمنا على مواجهة مخاوفنا التى نتهرب منها فى اليقظة. 

تقول «فيبلر» فى فقرة تحت عنوان «الأحلام قرائن اللاوعى»: سرعان ما أدرك فرويد أنّ الأحلام يُمكن أن تُقدّم له أدلّة قيّمة على المشاعر المكبوتة التى تُسبّب اضطرابًا نفسيًا للمريض. فتوصّل فى نهاية المطاف لنظرية تقول إنّ الأحلام هى أفضل سجلّ مُمكن للّاوعى البشرى. والسبب الذى يجعل الأحلام دائمًا رمزيةً فى جوهرها، حسب فرويد، كونها تُمثّل غالبًا رغبةً فى اللاوعى تكون غير مقبولة اجتماعيًا، أو مُخيفةٌ جدًا أو مُزعج ظهورها فى الوعى وإن كانت على صوة حلم؛ والنتيجة أنّها تتنكّر بأشكال رمزيّة. بهذه الطريقة، يُمكنها أن تتحرّر مِن اللاوعى، وتُخفّف مِن القلق والكبت دون الإساءة لمشاعر الشخص الواعى الظاهرية. 

تشير الكاتبة إلى أن إدراك الأحلام يحدث من خلال الرسائل التى يحاول اللاوعى إيصالها لشخصيتنا الواعية، وعندما يرسلها تُترجم على شكل صور رمزية يقدمها للوعى فى شكل حلم. ويظن فرويد أن اللاوعى يستخدم الرموز لإخفاء الرسالة الحقيقية حتى لا يستيقظ النائم، لكن كثيرًا من العلماء اختلف مع هذه النظرية، ويرون أن سبب رمزية أحلامنا أننا نتعرض لوابل لا ينقطع من الصور البصرية خلال يقظتنا، ويتم توثيق كثير من تلك الصور بأعيننا وباللاوعى لدينا، ثم يتم تسجيلها وتخزينها ببساطة فى أعماق ذهننا وسرعان ما تنساها عقولنا الواعية. يُعاود الكثير من هذه الصور الظهور على الواجهة من جديد خلال أحلامنا، عندما يتعلّق الأمر بأيّة مشكلة أو فكرة معيّنة خطرت لنا فى نفس الوقت الذى رأينا فيه ذلك الشىء بالتحديد. هذه الصورة البصرية أصبحت بالنسبة لعقلنا الباطنى رمزًا لمشكلة أو لفكرة كنّا نستمتع بها فى ذلك الوقت، ومن المثير للاهتمام أن نُلاحظ فى هذا السياق أنّ المكفوفين يحلمون أحلامًا تفتقر كليًّا للصور البصريّة. 

حسب الكتاب، يبدو أن العقل الباطن يعرف ما سيحدث فى المستقبل، وذلك بسبب قدرته على استحضار بعض الأحداث من المستقبل إلى ساحة الوعى. وهذه المعرفة تمتد بلا حدود فى الزمن. 

وبالنسبة لعالم النفس السويسرى كارل يونج، فإن كثيرًا من الوقائع التى جرت فى حياة الإنسان، والتى تمّ اعتبارها مُجرّد صدفٍ لا أكثر ولا أقلّ، هى فى الواقع أحداث ذات مغزى ورسائل من العقل الباطن. من الأمثلة على هذا النمط من التزامن هو تلقّى اتّصال هاتفى أو رسالةٍ من شخصٍ كنتَ تُفكّر به للتوّ؛ أو حتّى إحساسٍ أو شعور انتابك ليتبيّن لاحقًا أنّه صحيح؛ أو الحلم الذى تنبّأ بشىءٍ حدث بعد عدّة أيام لاحقة. هذه ليست محض صدفٍ، كما قال يونغ، بل هى أمثلةٌ على التزامن، أو العمل المُتناغم لجميع عقول البشر ضمن اللاوعى الجمعى.

قد لا يكون ابن سيرين هو الوجهة الوحيدة لفهم أحلامنا. فالكتاب يدعو إلى النظر للحلم بوصفه انعكاسًا لتجارب صاحبه ومشاعره وظروفه، قبل البحث عن معنى رموزه فى أى قاموس. والمفارقة الصادمة هنا والتى يجهلها معظمنا، هى أن الإمام محمد ابن سيرين «المتوفى ١١٠ هـ» لم يقدم كتابًا فى تفسير الأحلام قط، وأن كتاب «منتخب الكلام فى تفسير الأحلام» الشهير المنسوب إليه، هو كتاب جُمِع ونُسِب إليه بعد وفاته بقرون. فابن سيرين نَفسه كان يرى أن التفسير فراسة تعتمد على اللحظة والمشافهة، ولم يكن يؤمن بوضع قوانين جامدة ومكتوبة للرؤى. لذا، فإن البحث عن تفسيراته -المزعومة- على شبكة الإنترنت تعد نوعًا من الكسل النفسى وآلية هروب مريحة؛ وحتى لو كان ابن سيرين كتب تفسيرات، فكيف لرموز فُككت شفراتها فى بيئة البصرة بالعراق القديمة وطبيعتها البسيطة، أن تفسر بدقة تعقيدات ومخاوف، وعُقد إنسان يعيش فى عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى؟

وعليه، وحسب ميغين غونزاليس فيبلر، فإن تفسير الرمز يرتبط بالسياق الشخصى للحالم، وظروفه الحياتية، وبيئته المحيطة. أى يمكننا اعتبار الحلم كائن حى يتأثر بواقع صاحبه.

ومن هذه الرؤية المرنة، يقدم الكتاب قاموسًا مصغرًا، مُرتبًا ترتيبًا أبجديًا، يجمع فيه بين المعانى التقليدية لتفسيرات الأحلام والعمق النفسى، ومنه نستعرض بعض النماذج: الطريق مثلًا هو انعكاس للعمر والمساعى؛ فالطريق الصخرى الوعر والمجهول يُنبئ بمشاريع جديدة قد تنتهى إلى خسارة إن لم تُحسب خطواتها. بينما الطريق السالك الممتد، والذى تظلله الأشجار على الجانبين، فيعد بعبورٍ آمن نحو الحظ السعيد والنجاح القريب والسعادة فى الحياة. أما إذا كنت تسير فى هذا الطريق برفقة صديق، فتلك دلالة على جودة الصحبة فى رحلة الحياة، وبشارة ببناء بيتٍ هانئ وشريكٍ متفهم.

أما «الحليب» مثلًا فهو رمز للتدفق والخير، شرابه فى الحلم يُبشر بالوفرة والبهجة، ورؤيته بكمياتٍ كبيرةٍ تُشير إلى الغنى والصحة المتألّقة، وانسكابه يُنذر بأنّ الشخص مُقبل على خسارة وتعاسة مؤقتة على أيدى أصدقاء أو مقربين.

كذلك يُنبئ ظهور الحمام أو سماع صوت هديله الدافئ إلى السلام المنزلى والأطفال السعداء. يوم الحساب مثلًا يعنى تحقيق شىء خطط له الشخص طويلًا. المجوهرات تعنى الغنى والثروة، أما القطة الصغيرة فربما تعنى الخداع، والشمس تعنى الأحداث السارة والرخاء، والتفاح يعنى تحقيق الأمانى نظرًا لأنه فأل رائع يدل على السلام والازدهار والحظ الجيد، أما إذا كانت حبات التفاح متعفنة أو غير مكتملة النضوج بأى شكل من الأشكال، فهذا الحلم يحمل فألًا سيئًا وقد تبوء خططك الراهنة بالفشل.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ تساؤل مشروع: كيف تطالبنا الكاتبة بتفسير الأحلام وفق الظروف الشخصية لكل فرد، ثم تقدم لنا قاموسًا ثابتًا لتفسير الرموز التى نحلم بها؟ والواقع أن الكاتبة حلّت هذه المعادلة بذكاء منهجى؛ فالقاموس عندها ليس قانونًا حتميًا، بل هو أشبه ببوصلة استرشادية، تعرض المعانى الجمعية والفطرية التى يشترك فيها الوجدان البشرى، كاعتبار الطريق رمزًا لرحلة العمر، والحمام رمزًا للسلام. لكنها تترك المجال مفتوحًا للحالم نفسه بأن يفهم ما يرسله له لا وعيه؛ فالرمز العام فى القاموس يتغير تفسيره تمامًا عندما يمر عبر مصفاة التجارب الشخصية، والمخاوف اليومية، والبيئة الخاصة بكل إنسان. لذا فإن القاموس فى هذا الكتاب قد يمنحنا خيط البداية، وظروفنا الشخصية هى التى تُكمل بقية الحكاية.