عبد الوهاب الملوح يكتب: سيرة الشعراء اللامرئيين
من جهة ما
جهة لا ضوء فيها ولا عتمة
لا صحراء ولا ماء
من عنفوان الزمهرير ويقين كذب هذا الوجود
جاءوا ومروا من هنا
مروا خفافًا بلا أدباش
ولا أمتعة للروح
مروا كثيرًا ولا أحد رآهم
ثمة من أصابته عدوى منهم
لقد كانوا مجرد رائحة
رائحة فقط.

تلك الأغنية لم يسمعها أحد، غير أنهم خرجوا كلهم يمدون خُطاهم أنهارًا ترقص على أنغام كمنجات حلم خرج بدوره يطارد أولئك الذين اشتغلوا حدائق فى مخيلة المناخات السيئة، فأضاءوا أزاهير تعلم فن الابتسامة بصمت، تلك الابتسامة التى ترفرف عصفورًا فى سماء مُكفهرة.

وماذا بعد؟
لنواصل الرقص ليس كما اتفق!
نواصل قطع أنفاس المصائر التى أعدّها خياط أعمى على مقاسات موتى لم يتسع لهم الموت!
فهل ما زال هناك بعد؟

اعتاد الجلوس فى غرفة أرادها ضيقة ليرى فيها موسيقى؛
أصوات منسية، وجوه على أهبة الابتسامات الساحرة، خطوات بعيدة فى أعماق أنهار بلا ضفاف؛
ليرى نفسه على وشك الحياة.
لم يكن يحب المرايا.

بائسون؛
نكتفى بالقهقهات قميصًا
والطيش رغيفًا
نخوض خيباتنا صراحة
ونركض فى غبار أيامنا
لا نسلك الطرق المُعبّدة
نشرب عواء الذئاب
ونعد خطانا حجرْ...
بائسون
لم نتسول سيرتنا من الله
فلسنا أسوياء بما يكفى
لينال منا حزن حياة لا تكتمل.

لا ضيق لى من الضيق؛
الاتساع يوهم بالأمل،
والفج أرجوحة الضال؛
لم أكن فى حاجة إلى عمر
لأكون.

قلتَ ما ليس يكفى؛
غسلتَ يديكَ بسرٍّ لديكَ،
وألغيتَ كلَّ مواعيدكَ العالقة
فى البياضِ مع الاستعاراتِ
والنسوةِ الآتياتِ من الأملِ الهشِّ
أو
من مُخيَّلةِ الألم المتكاسلِ؛
ألغيت كلَّ مواعيد عُزلتِك الصَّاخبة،
ثمَّ جلست على مقعد فى القصيدة،
ثمَّ مشيت تتابع موكب دفنك وحدك،
ثم قهْقهتَ
كالريح مُكنسةً تضحك فى فم هذا السراب
وتُنقذُ أغنيةً من يديها...
ثم قلتَ صمتَك
بحاسَّتك الشجرة
قلت للحزن خذ بيدى؛
بين طاولتين كأرجوحتين
ثم مضيت خيالًا لدمعة ما قلتَ؟

لم أكن يومًا صاحب مهام لأنهيها، فلى هموم أربِّيها كى تستبق الموت بأقساط حياة بعيدة، كمن يرعى فى البحر سيرته التالفة جزيرة.

على حرف هاوية
والخطى عالقة مرثيات
لأجمل ما فيك
كنتَ تُصدِّق لغوك
تشرحه للمرايا حواس طيش
يحرِّف معنى الطريق
طريق تعود إليها وحيدًا
على حافة حرف عصى.

سلام على روحه
هكذا سيودّعه الأصدقاء
وما شابه الأصدقاء؛
سيرتجل البعض منهم قصائد سيئة
ويرسل الآخرون دموعًا تبرّأ منها البكاء
فهل يا ترى سلمت روحه من أظافرهم
وهو حى يرافقهم!
الشعراء اللامرئيون.

لم يكن قلبه من دم
كان أرجوحة تتلهى بتسلية اللاجئين إلى الوهم يختصمون الأمل
كان محتشدًا من ألم
لم يكن قلبه دُمية فى يد القفص الصدرى لرعاة العواطف
أولئك الجالسون على مقاعد فى محطة بين الدموع
يحتفلون بسكين ضوضائهم تُشرح القلب
الذى بلا دم...
كان سؤالًا يشبه رصيفًا مهجورًا.

تدعونى إلى وليمة الطقوس المغبطة
تأخذنى منى إليك وتختلى بى صفاتُك
أتخلى عن كل ارتكاباتى وأرتقى مدارجك اللولبية مستندًا إليك بلا رغبة للوصول معك حيث تشتهى،
ها أنا ذا جالس فى بهو طيشك غير عابئ بما تفعله بى
وما تفعله بى يوجعنى إلى حدّ الفجيعة
ما الذى تريده منى بعد الآن يا جسدى الوغد
لقد أفنيتنى
وأنت تطلب فناء التجلى.

لأننا لم نكن نتقن تعليب البلاغة وامتطاء مكنسة الاستعارات لغزو سماء الأخيلة
وكنا نقرف من الجلوس فى صالات المعاجم التى تشبه تلك الكنائس القوطية المهجورة
نخرج من أنفاسنا ويطلع الصباح من خطانا عند منتصف الليل
أو بعد ذلك بقليل ونحن نعد عصير فاكهة قهقهة برية
لأننا لم نعرف المشى على سطر مستقيم نرتكب منعطفات مباغتة يغمرها الضباب ترقص كما يرقص بنا طيشنا
لأننا أفسدنا كل شىء خلفنا ومن حولنا وقدامنا
ثم جلسنا نلعب الورق ونقتل الملك والملكة نكاية فى الجوكر
نحن نحيا الشعر قال عازف كمان ثمل
ما شأننا والشعر فنحن نتدرب على إنقاذ خطانا من طريق مستقيم.

لم يكن بوشكين مجرد شاعر، كان فتى مشاكسًا يسكر بالأفجار ويتغزل بها فى عيون سيدات البذخ الصباحى. يوقظ الشوارع بطيش رقصاته، فهو لم يكن يجيد رقصة البولكا، هو يفعل ذلك لأنه يريد اللهو مع الزمن، ينقذه من غصته ومرافقة الأشجار فى مخيلتها المنكوبة، لذلك يحب مبارزة الضباب وطعن غيبوبة الطقس.
فى ذلك اليوم لم يفكر بوشكين فى الموت ألقى التحايا على المارة العابرين وقال شيئًا لم يفهمه زوج محترم للغاية، قال إنه قتيل عشق غامض وما فتئ يكرر ذلك، احتواه حوذى عادة ما يكنس من عربته بقايا عشق فاسد، وقتها جاءته الطعنة من رجل لا يحب الشعر.

أنا الممتلئ بى
أنهيت كل ما علىّ من خطايا
أخفقت الجدران فى تكسير خاطرى
والطريق التى سلكتها انفتحت فى صيحتى بلا جهات
أنا الآن أبعد منى
لا ينقصنى غير أن أمشى أبعد من سيرتى
ليس بمثابة الوداع
فتلك نكتة قديمة
يعرف كبير الفيلة جيدًا كيف يختار ذهابه.







