الإثنين 07 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

سـر الليل.. العالم الخفى لـ«أماكن السهر» حول العالم

حرف

- كتاب جديد يتناول ثقافة السهر العالمية من اليابان فى العصور الوسطى حتى الحفلات الصاخبة حديثًا

- الحياة الليلية أعظم مولد والمحرك الأكبر للابتكارات الثقافية

- 350 عامًا من الحفلات والأندية والموسيقى وقاعات الرقص شكّلت الثقافة حول العالم

- الخروج ليلًا للتسلية مفهوم حديث نسبيًا وغالبًا ما كانت مسائل السلامة والأخلاق العامة تمنع ذلك

- فى 10 أعوام أمريكا تفقد سدس حاناتها وبريطانيا أكثر من نصف نواديها الليلية 

- رواد السهر فى باريس كانوا يشربون كوكتيلًا يسمى «غدة القرد».. وفى القرن العشرين أنشأت المدن الكبرى أحياء للموسيقى والرقص والاحتفال

هناك طاقة مميزة تنبض بها الأجواء.. تغلق المقاهى والمتاجر أبوابها، ويحل الظلام. كتب جون دوس باسوس عن نيويورك فى عشرينيات القرن الماضى: «يبدأ الهواء بالوخز. الليلة، إن شربت ما يكفى، وتحدثت ما يكفى، وسرت مسافة كافية، سيبدأ قطار الأحداث الساحرة».

من سحر وجاذبية ستديو 54 الصاخبة إلى ملاهى برلين السرية فى فايمار، ومن حدائق لندن الجورجية المبهجة إلى ولادة موسيقى التكنو فى ديترويت ما بعد الصناعية، يقدم كتاب «سهر طوال الليل: تاريخ عالمى للحياة الليلية»، تاريخًا دقيقًا ومدروسًا بعناية، يرصد أربعة قرون من الحياة الليلية، مُظهرًا التطور المذهل لكيفية خروج البشر بعد حلول الظلام.

تعرّف «إيموجين ويلتس» الحياة الليلية بأنها «بيئة تجارية وعلمانية مصممة لتقديم متعة متنوعة فى الليل». يتتبع كتابها هذا التاريخ إلى نقطة بداية مفاجئة: اليابان فى القرن السابع عشر، فى وجهة حفلات نائية، بنيت خارج عاصمة الشوجون. 

لطالما كانت الحياة الليلية فى طليعة الثقافة الشعبية والتعبير عن الذات، فساهمت فى شهرة المدن، ورعت ثقافات مضادة أيقونية، ونمت لتصبح صناعة بمليارات الدولارات، ومع ذلك ظل تاريخها الحافل غير موثّق إلى حد كبير.

الكتاب، الذى يقع فى ٣٨٤ صفحة، صدر فى منتصف يوليو الماضى، عن دار نشر «جروف بريس»، التابعة لدار جروف أتلانتيك الأمريكية المستقلة، وتأتى أهميته فى أنه يروى قصة الليالى الجميلة والرائعة، وكواليس أكثر ليالى التاريخ صخبًا.

كيف تطورت موسيقى الجاز فى قاعات الرقص فى نيو أورلينز مطلع القرن العشرين؟ كيف كانت السهرات فى باريس فى عشرينيات القرن الماضى؟ لماذا كنا مفتونين بفوضى مشهد لوس أنجلوس الصاخب فى أوائل الألفية؟ وما الذى نفوته فى حياتنا الرقمية المتزايدة عندما نفوت فرصة قضاء ليلة مميزة؟.

إيموجين ويلتس مؤرخة، وشغلت منصب كبير المنتجين الإبداعيين فى الأكاديمية الملكية للفنون بلندن، حيث قادت برامجها الثقافية من فعاليات حية ومهرجانات.

وشمل ذلك قيادة سلسلة فعاليات «ليالى الأكاديمية الملكية» التى نفدت تذاكرها بالكامل، وفعاليات المعارض المسائية التى أعادت تصور الحياة الليلية وراء الحركات الفنية الشهيرة، بالإضافة إلى حفل صيفى سنوى مستوحى من حدائق فوكسهول الترفيهية. 

تحاضر فى التاريخ الثقافى والحضرى فى كلية الفنون بجامعة كينجستون وفى كلية سنترال سانت مارتينز.. «سهر طوال الليل» هو كتابها الأول.

تكتب «ويلتس» فى كتابها: «أصبحت السهرات الصاخبة، التى كانت تعتبر عادة يومية، نشاطًا هامشيًا متزايدًا». وتضيف أن الناس يفضلون البقاء فى منازلهم بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية، وتطبيقات المواعدة، وخدمات البث المباشر، والخوف من التعرض للتصوير بسلوكيات غير لائقة عبر كاميرات الهواتف، ما أدى إلى تراجع حاد فى الحياة الليلية.

تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة فقدت ما يقارب سدس حاناتها المحلية بين عامى ٢٠٠٤ و٢٠١٤. وفى المملكة المتحدة، أغلقت ٣٤ حانة شهريًا فى عام ٢٠٢٤؛ بينما وصل العدد الآن إلى أدنى مستوى له على الإطلاق عند ٣٩ ألف حانة. 

والوضع أسوأ بالنسبة للنوادى الليلية، حيث فقدت المملكة المتحدة أكثر من نصف نواديها الليلية بين عامى ٢٠١٣ و٢٠٢٤. وإذا استمر هذا الاتجاه فلن يتبقى أى نادٍ ليلى بحلول عام ٢٠٣٠. 

كما فقدت فرنسا ٧٠٪ من نواديها الليلية منذ ثمانينيات القرن الماضى، بينما فقدت إيطاليا أكثر من النصف منذ عام ١٩٩٠. 

وبينما تكافح هذه الأماكن، تزدهر أنشطة تجارية أقل ميلًا إلى اللهو، مثل الصالات الرياضية التى تعمل على مدار الساعة، وغرف الهروب، والمقاهى. 

ترسم الكاتبة صورة قاتمة للحياة الليلية المعاصرة: فنحن نعيش فى «زمن باهت، منغمس فى العالم الرقمى، ومعزول، لقد أصبحنا ملتزمين بالقواعد بشكل مثير للقلق، على الأقل فى العالم الواقعى».

تؤكد بوضوح أننا نمر بفترة ركود، تكتب بصراحة: «الهواتف الذكية تفسد ليالينا». إن احتمال المراقبة الدائم، وخوف جيل الألفية من الظهور بمظهر «المحرج»، واللا مبالاة التى تسببها وسائل الترفيه الرقمية أنهت الفوضى والعفوية.

فى حين يروّج المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعى لنمط حياة رتيب يميل إلى البقاء فى المنزل، وينشرون مقاطع فيديو تروّج لزجاجات المياه والشموع المعطرة. كل ذلك ساهم فى القضاء على حقبة «العشرينيات الصاخبة» التى كان من المفترض أن تلى إغلاقات كوفيد. تضيف: «لن نتمكن أبدًا من الشعور بنشوة البهجة الجماعية عبر الشاشة».

تجادل المؤلفة بأن هذا أدى إلى فقدان الإبداع فى الموسيقى والأزياء والفنون، الذى كان يشعل شرارته أحيانًا السهر مع الغرباء الصاخبين على حلبات الرقص. ولكن فى الغالب، يعنى هذا متعة أقل.

تفسر أهمية الحياة الليلية بأن تجربة الخروج ليلًا، والرقص، وربما تناول المشروبات الكحولية أو المخدرات، كانت جزءًا مهمًا من الحياة البشرية على مدى عشرات آلاف السنين. 

وتقول: «كانت الحياة الليلية أعظم مولد والمحرك الأكبر للابتكارات الثقافية».. موسيقى الجاز، ورقصة تشارلستون، ورقصة كانكان، وموسيقى الديسكو، كلها نشأت على حلبات الرقص ومن أجلها. 

بالإضافة إلى الحركات الفنية كالسريالية والدادائية «حركة انطلقت من زيوريخ نوعًا من معاداة الحرب العالمية الأولى»، التى نوقشت أفكارها الجريئة فى جلسات السمر الليلية. 

ألهمت الحياة الليلية أشكالًا فنية كاملة، مثل فن أوكيو- إى اليابانى. وبالنظر إلى تأثيرها على الحداثيين الفرنسيين، لكان تاريخ الفن الغربى فى القرن الماضى مختلفًا تمامًا لولا الحياة الليلية.

توضح المؤرخة أن النشوة العارمة التى نشعر بها فى ساحات الرقص، والحفلات الموسيقية، والمباريات الرياضية، أو حتى فى الاحتفالات الدينية، لها اسم.

ففى عام ١٩١٢ أطلق عليها عالم الاجتماع إميل دوركهايم اسم «الفقاعة الجماعية»، وهو الشعور بالانتماء إلى شىء أكبر من ذواتنا. درس «دوركهايم» التجمعات القبلية الأسترالية، ووجد: «عندما يجتمعون، تتشكل بينهم طاقة هائلة تنقلهم بسرعة إلى حالة من النشوة الاستثنائية». 

هناك فائدة بيولوجية للوحدة الجماعية، ولهذا السبب نحن مبرمجون فطريًا على الشعور بالمتعة فى النشوة الشديدة لتجربة جماعية مميزة. سواء أكانت حفلة رقص بدائية أم خيمة مهرجان مكتظة بالناس، فإن الإحساس واحد. 

قبل عشرة آلاف عام شعر أسلافنا بـ«الفقاعة الجماعية» خلال قرع الطبول فى طقوس الصيد. نشعر بذلك الآن خلال تلك النهاية الجامحة لموسيقى الإلكتروكلاش فى أغنية «٣٦٥» لتشارلى إكس سى إكس، أو ربما خلال تلك الأغانى غير الرائعة التى تبعث على الشعور بالرضا فى الملاعب مثل «Mr. Brightside» و«Sweet Caroline».

ما تسميه ويلتس «الفعل السطحى ظاهريًا المتمثل فى التأنق للشرب والرقص والمرح والتعرف على الناس» هو، بالطبع، أعمق من ذلك بكثير، وهى تكشف عن طبقاته ببراعة. 

فالحياة الليلية قد تحتوى، أو تمكّن من التمرد المنظم. إنها تمنحنا فرصة خوض تجارب جريئة محرومين منها فى أى وقت آخر، وأيضًا التواصل، والابتكار، والفن، والحب، والجنس، والثورة السياسية. 

تعود الكاتبة إلى تاريخ الحياة الليلية، فتقول إن الليل كان يبدأ بنار المخيم. فقد حولت القدرة على التحكم بالنار الليل من زمن ملىء بالرعب الخفى إلى زمن للولائم والاحتفالات. 

تقول النظرية الأنثروبولوجية إن الإنسان فى عصور ما قبل التاريخ، وهو جالس حول اللهب المتراقص، طوّر مهارات أساسية فى سرد القصص واللغة والخيال.. إننا مدينون بالكثير لليل.

كانت النار هى البداية، أما الأزياء المتقنة والرقص والموسيقى فقد أضيفت لاحقًا. يفترض أن ذلك حدث قبل حوالى عشرة آلاف عام، عندما كانت المجتمعات البدوية تجتمع بعد حلول الظلام لمشاهدة عروض الرقص، التى كانت تضفى عليها الطبول والأقنعة والوجوه الملونة رونقًا خاصًا. 

ووفقًا لباربرا إهرنرايش، فى كتابها «الرقص فى الشوارع: تاريخ الفرح الجماعى»، كان هناك غرض عملى؛ فقد كان هؤلاء المؤدون يتبادلون تقنيات الصيد من خلال إعادة تمثيل قتل وحش ضارٍ. إضافة إلى ذلك كان الأمر ممتعًا للغاية، ويشعر بالرضا، ويقوى الروابط بين أفراد المجموعة.

فى القرن السادس عشر ازدهر الدين، وبلغت الحياة الليلية فى الغرب ذروة ظلماتها، وفقًا للمؤرخ أ. روجر إيكيرش، فى كتابه «عند غروب الشمس: تاريخ الليل». فرضت المدن المحصنة فى جميع أنحاء أوروبا حظر تجول صارمًا، ينفذه حراس ليليون متشددون. 

كانت خيارات المتعة محدودة، وقطّاع الطرق القتلة يتربصون فى الطرق الريفية المظلمة. رجال منفردون يعرفون باسم «سائرى الليل» يتجولون بحثًا عن شجارات. 

وكان يعتقد أن هواء الليل نفسه ملىء بالأبخرة الناقلة للأمراض، ثم كانت هناك التهديدات الخارقة للطبيعة. جلبت اضطرابات القرن السادس عشر عودة ظهور التصوف، وكانت إحدى نتائجها أن الخوف من الشيطان أصبح شديدًا. 

كان يُنظر إلى الليل على أنه وقت الشيطان، نذيرًا لحكمه فى الجحيم. كان يُعتقد أن مجموعة مرعبة من الوحوش تنزل فى جنح الظلام، من عفاريت وأشباح وأضواء سحرية غريبة تحوم حول المستنقعات، بالإضافة إلى الساحرات والشخصيات الشيطانية. 

تُرجع المؤلفة بداية الحياة الليلية فى العصر الحديث إلى اليابان فى القرن السابع عشر، تقول: لطالما وجدت الحانات والمقاهى منذ آلاف السنين، ولكن عندما نفكر فى قضاء ليلة فى الخارج بمفهومنا الحديث فإننا نعنى بيئة تجارية لا علاقة لها بالدين أو الملك أو البلاط، وهى مصممة خصيصًا للسهر. 

وبناء على هذا المعيار كانت منطقة يوشيوارا فى إيدو- الاسم القديم لمدينة طوكيو فى اليابان- أول بيئة تجارية للحياة الليلية، وتحديدًا فى خريف عام ١٦٥٧، وكانت بمثابة مركز احتفالات مرخص من الدولة، تصفه المؤرخة بأنه «مهرجان كوتشيلا أورويلى فى اليابان الإقطاعية». 

كانت يوشيوارا، المضاءة بالفوانيس الحمراء وأزهار الكرز على مدار العام، تقدم الترفيه، والبهلوانيين، والطعام، وفرص التعارف، وحتى الجنس المدفوع. 

تشرح أن اليابان كانت تتمتع بنظام طبقى صارم من أربع طبقات، وأن فئة اجتماعية متدنية- التجار- انتهى بها المطاف بثروة طائلة «مليارديرات التكنولوجيا فى عصرهم»، وكانت يوشيوارا بمثابة استجابة حكومية لهذا الجانب تحديدًا من التغيير الاجتماعى.

وقد ألهمت أماكن الترفيه فى الحى، التى كانت تغمرها مشروبات الساكى، الموضة اليابانية: من إطلالات الكيمونو المعقدة إلى الأحذية ذات الكعب العالى، والفن: المطبوعات الخشبية واللوحات، ومسرح الكابوكى «فن مسرحى يابانى تقليدى عريق يدمج بين الرقص والغناء والتمثيل الاستعراضى المتقن»- لمئات السنين اللاحقة.

تشير إلى أن فكرة الخروج ليلًا للتسلية مفهوم حديث نسبيًا، إذ كانت مسائل السلامة والأخلاق العامة غالبًا ما تحظر هذه الفكرة. 

مع ذلك، غالبًا ما كانت أماكن السهر مشاريع خاصة. بعد قرن من الزمان، وفرت «حدائق المتعة» فى فوكسهول فى لندن مجموعة من وسائل الترفيه لجذب المواطنين الحذرين من الجريمة للخروج من منازلهم.

حيث كان الآلاف من سكان لندن يتجمعون ليلًا للمشى فى الشوارع المليئة بالأشجار، والاستماع إلى الموسيقيين، وهم يقلدون تغريد الطيور فى سياج عنب الثعلب، وتناول الطعام فى الهواء الطلق، أو حضور الحفلات الراقصة فى موقع بحجم اثنى عشر ملعب كرة قدم.

وقام مونمارتر بالشىء نفسه تقريبًا فى باريس فى ذلك الوقت. تروى المؤرخة أن رواد السهر فى باريس كانوا يشربون كوكتيلًا يسمى «غدة القرد» (مشروب كحولى شهير ابتكره النادل «هارى ماكيلهون»)، مستوحى من تجارب الجراح المحلى الدكتور سيرج فورونوف الجريئة فى زرع أنسجة خصية قرد فى خصيتى رجال فى منتصف العمر. هذا الشكل الجديد من الترفيه الجماهيرى انتقل إلى روسيا، حيث بنيت نسخة من حدائق فوكسهول. شيد أول خط سكة حديد فى البلاد لنقل الركاب من سانت بطرسبرج إلى بافلوفسك، حيث كان موقعه. 

وتكتب «ويلتس» أن العلاقة بين القطارات وحدائق المتعة أصبحت وثيقة لدرجة أن الكلمة الروسية للمحطة لا تزال تسمى «فوكزال».

بحلول عام ١٩٠٠ كانت الكهرباء تنير قاعات الموسيقى وشوارع المدن، محولة الليل إلى نهار، وبعد الحرب العالمية الأولى ازدهرت مدن العالم بعروض عصر الجاز، ما هيأ لنا الظروف المثالية لعقد غير مسبوق من الاحتفالات: ستوريفيل فى نيو أورلينز، ولينوكس أفينيو فى هارلم، وكازينوهات فى لاس فيجاس وهافانا. 

وأصبحت نيو أورلينز مهد موسيقى الجاز بفضل قاعة جلوب، التى أسسها موسيقى لم يسمع به معظم الناس. حيث كان روادها الباحثين عن المتعة يسهرون طوال الليل ويعملون طوال النهار دون أن يكترثوا للنوم.

وأصبحت هارلم مركزًا حيويًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى الهجرة الكبرى وأمان شوارعها ليلًا. واحتضنت شيكاغو عصر الجاز. أما لاس فيجاس فكانت لها فرقتها الشهيرة «رات باك» وكازينوهاتها، وإرثها الذى امتد إلى هافانا فى كوبا. واستمتع سكان نيويورك بالملاهى الليلية والنوادى والحانات الخاصة بالمثليين وحفلاتهم الصاخبة.

تحكى الكاتبة قصة شنغهاى كوجهة للحفلات بعد الحرب العالمية الأولى، حيث وجد آلاف الروس الفارين من الثورة عملًا فى نوادى المدينة وقاعات الرقص، بمن فى ذلك فرقة الباليه الملكية فى موسكو بأكملها. 

وفى لاس فيجاس، بعد الحرب العالمية الثانية، تحول موقع التجارب النووية فى نيفادا إلى عرض ضوئى مبهر فيما يعرف بـ«السياحة الذرية». وفى مدينتى ديترويت وبلجراد، شبه المدمرتين، وفّرتا لأعداد الشباب المحبطين والمبانى المهجورة بيئة خصبة لظهور موسيقى التكنو الإلكترونية.

تلفت المؤلفة إلى أنه فى معظم الحالات كانت ثقافة الحياة الليلية فى صراعٍ محتدم مع السلطات الأخلاقية التى منعت الرقص، والشرطة التى شنت حملة قمع، أو الجريمة المنظمة التى شكلت لاس فيجاس ونادى ستديو ٥٤ الشهير فى نيويورك فى سبعينيات القرن الماضى.

يقدم الفصل الأكثر إثارة فى الكتاب تصحيحًا لرواية برلين فى عهد جمهورية فايمار، أول نظام ديمقراطى برلمانى فى ألمانيا، والتى، كما تجادل المؤرخة، رسخت فى الذاكرة الحديثة بفضل مسرحية الكاباريه الموسيقية. 

وترى أن هذه الرواية تقدم صورة محرّفة وغير دقيقة، تستند إلى تجارب السياح لا إلى تجارب سكان المنطقة الأصليين. فعلى سبيل المثال، كان الإقبال على السخرية السياسية ضئيلًا بشكل مثير للدهشة، على الرغم من أن عروض الكاباريه كانت لا تزال تعتبر جريئة ومخالفة للعرف السائد. 

تعد الراقصة أنيتا بربر إحدى أكثر الشخصيات سحرًا فى الكتاب، تصف «ويلتس» طقوسها اليومية المتمثلة فى «إكسير الإفطار»، وهو مزيج مأساوى ساحر من الكلوروفورم والإيثر وبتلات الورد الأبيض. 

على خشبة المسرح، كانت تقدم رقصات تسمى «المورفين» و«الكوكايين»، وتغمس نفسها فى جرة من الدم، قبل أن تدور فى الهواء. وقد صدم هذا الأمر الجماهير فى عام ١٩٢٢، ومن المؤكد تقريبًا أنه سيظل يثير دهشتهم حتى بعد مرور مئة عام.

تتعمق الكاتبة فى لوس أنجلوس من خلال فصل خاص بها، يركز على «العقد الأول من الألفية الجديدة»، وهو المصطلح الإنجليزى للفترة بين عامى ٢٠٠٠ و٢٠٠٩ ثم ننتقل إلى خدمة تقديم المشروبات الفاخرة على طريقة باريس هيلتون.

حظيت حقبة أوائل الألفية الثانية فى لوس أنجلوس بقدر كبير من الاهتمام الإعلامى، تلك الحقبة التى كانت حكرًا على الشخصيات المهمة. 

ويعود ذلك فى معظمه إلى المصورين المتطفلين الذين كانوا يتمركزون خارج أماكن الترفيه الشهيرة فى هوليوود وعلى طول شارع صن سيت، ولكن يعود الفضل أيضًا إلى ظهور وسائل التواصل الاجتماعى، التى ازدادت أهميتها مع تطور تقنيات التقاط الصور بالهواتف الذكية.

ساهمت مواقع مثل ماى سبيس، ولايف جورنال، والمدونون مثل بيريز هيلتون وجاست جاريد، ولاحقًا مواقع مثل تى إم زى، وتامبلر، وفيسبوك- فى افتتان الجمهور بالمشاهير، وهم يلهون بعد حلول الظلام. 

وكذلك فعلت البرامج التليفزيونية مثل برنامج «ذا هيلز» على قناة «إم تى فى»، الذى صور إحدى نجماته، هايدى مونتاج، وهى تعمل لدى برنت بولتهاوس، أشهر منظمى الحياة الليلية فى المدينة، حيث كانت هيلتون وليندسى لوهان وبريتنى سبيرز وعائلة كاردشيان، قبل شهرتهم، يحتفلون حتى آخر لحظة وما بعدها.

فى الوقت نفسه برز مشهد بديل تحت الأرض، حيث كان الشباب العصريون يرتدون قمصانًا ساخرة وملابس من ماركة «أمريكان أباريل» ويتخذون وضعيات أنيقة وعفوية فى حفلات ونوادى «إندى سليز»، مكتسبين قاعدة جماهيرية واسعة على الإنترنت، ومتفوقين بذلك على المؤثرين الحاليين. 

وقد تسللت هيلتون ولوهان وأمثالهما إلى هذه المشاهد أيضًا. وحسب المؤلفة، فإن الموسيقى والصور اللتين انبثقتا من كلا المشهدين أثرتا على جماليات الحياة الليلية فى كل مكان، خاصة فى المملكة المتحدة.

وتستذكر قائلة: «ولدت ونشأت فى لندن وعشت فيها طوال حياتى، وعندما كنت مراهقة كان ذلك أشبه ببداية الألفية الجديدة»، كاشفة كيف أثرت عقلية جيل الألفية التى كانت لديها على كتابها فى نواحٍ عديدة. 

وتوضح: «كنت أقول لنفسى: يجب أن أكتب عن لوس أنجلوس فى الألفية الجديدة، لأن هذا ما كنا نطمح إليه دائمًا. كل الأشياء الرائجة فى لوس أنجلوس انتقلت إلى العالم أجمع».

تصف المؤرخة هذه الفترة من الحياة الليلية بأنها «مبهجة، براقة، مرحة، ممتعة، أنثوية» و«مفعمة بالفرح»، وتمنحها نفس الأهمية والقيمة التى حظيت بها فترات تاريخية راسخة.

مع ذلك لا تدوم الحفلات إلى الأبد. فقد شهدت حفلات برلين الصاخبة أفولها فى ثلاثينيات القرن الماضى، وشهدت «ليلة الهدم» نهاية موسيقى الديسكو فى أواخر السبعينيات، وتطورت حفلات الرقص غير القانونية إلى أغانٍ إلكترونية رائجة وفعاليات موسيقية، وكبر جيل الألفية من الفتيات اللواتى كن يرتدن الحفلات، وأنجبن أطفالًا، وأصبحن فى الغالب يفضلن البقاء فى المنزل.

توضح «ويلتس» أنها ليست متشائمة. تقول: «لسنا فى مجتمع ما بعد الحياة الليلية»، مشيرة إلى أن خيبة الأمل تولّد الابتكار، وأن الحياة الليلية تزدهر فى مواجهة الثقافة السائدة، ولطالما تغيرت مع مرور الزمن. 

نحتاج إلى إغلاق هواتفنا والعودة إلى السلوكيات الإنسانية الأساسية: المرح، والتعبير عن الذات، والتواصل بعد حلول الظلام.