رهين البطيختين.. ذكرى صداقة «مُستهجنة» مع إميل حبيبى
- كان الرجل من عرب الداخل، الذين يُطلق عليهم «عرب 48»
- إميل حبيبى عرض علىّ أن أكون مراسل جريدة «الاتحاد» الناطقة باسم الحزب الشيوعى الإسرائيل--
فى بدايات اشتغالى بالصحافة تعرّضت لموقف غريب، أحد أبطاله حمدين صباحى، والكاتب الصحفى عبدالحليم قنديل، وكان اسمه الحركى «الدكتور زغاروف»، لسبييْن؛ الأول أنه رجل يعشق التنظير، والثانى أنه اعتاد أن «يزغر» لمُحدِّثه أثناء الكلام، لتخويفه!.
أمّا البطل الحقيقى للقصة فهو عادل الجوجرى، الصحفى الناصرى الألمعى، الذى كان ظاهرة صحفية فى عصره، وله نظرية فريدة مفادها أن الصحفى «مهنى» مثل الدكتور، إن جاءه مسلم عالجه، أو أتاه يهودى عالجه، فلا فرق بين مريض وآخر، ولو كان مجوسيًا.
تأكّد لى بعد ذلك أن نظرية الجوجرى كانت خاطئة، لأن الصحافة مهنة رأى، والطب مهنة إنسانية، ولا يستويان مثلًا. ناهيك عن أن «تأجير العقول» هو أسوأ أنواع المهن. ولكن تلك النظرية أفادتنى وقتها، لأنها علّمتنى الكتابة على لون!.
وفيما كنت أتسكع فى «معرض الكتاب» القديم بمدينة نصر، تعرّفت بالصدفة على الكاتب الفلسطينى الكبير إميل حبيبى، عضو الكنيست عن الحزب الشيوعى الإسرائيلى، وسكرتيرته سهام داود، وهو الكاتب الذى أثار قبل ذلك بسنوات ضجة ثقافية كبرى فى العالم العربى، بعد حصوله على «جائزة الإبداع الإسرائيلى» عن أعماله الروائية وأشهرها «المتشائل»، أى الشخص الذى يجمع بين التفاؤل والتشاؤم معًا. كما جمع إميل نفسه بين الأدب والسياسية، رغم اعترافه بأن المرء لا يستطيع أبدًا حمل «بطيختين» بيد واحدة!.
كنت لا أزال أعمل مع الجوجرى، وأتجوّل لزيادة دخلى عبر مكاتب الصحف العربية فى القاهرة، أقدّم موضوعاتى الثقافية التى كانت بضاعة رائجة إلى حد ما. وأجريت حوارًا مُطولًا مع إميل حبيبى، مع أنه من دعاة السلام مع الكيان الإسرائيلى. ولم يكن فى الحوار كلمة واحدة متعلقة بآرائه السياسية المثيرة للجدل، بل هو محاورة أدبية فى المقام الأول.
رغم ذلك، رفضت معظم الصحف العربية التى تعاملت معها نشر حوار «حبيبى»، خشية اتهامها بالتطبيع مع إسرائيل. فقد كان الرجل من عرب الداخل، الذين يُطلق عليهم «عرب ٤٨» مع أنهم موجودون هناك منذ آلاف السنين، يعيش فى حيفا، وهو عضو سابق فى الكنيست عن الحزب الشيوعى الإسرائيلى، الذى يضم عربًا ويهودًا يساريين من مؤيدى الحق الفلسطينى، لكنهم إسرائيليون. فكيف نصطّف معهم فى صف واحد بدعوى أنهم يؤيّدون حقنا، ولو!

أعجبتنى كتاباته الساخرة، التى تختفى وراء بساطة خادعة، خاصةً روايته الشهيرة «الوقائع الغريبة فى اختفاء سعيد أبى النحس المتشائل». وأدهشتنى ثقافته العربية الأصيلة، وسيطرته على لغة أدبية رفيعة المستوى تجمع بين الرصانة والتهكم. وهو مستوى لم يبلغه- فى تقديرى- سوى كبار الكُتّاب، من قامة جراهام جرين، مثلًا.
كان الرجل، صاحب السبعين سنة وقتها، ممتلئًا بحيوية الشباب أكثر منى. يصول ويجول، ويستشهد فى بعض كلامه إذا طرِب بأبيات من دواوين المتنبى، والفرزدق، ونصر بن سيّار، خاصةً البيت المشهور للمتنبى: رمانى الدهرُ بالأرزاء حتى فؤادى فى غشاءٍ من نبالِ.. فصرت إذا أصابتنى سهام تكسرّت النصالُ على النصالِ.
ثم يُتبع ذلك: إيّاك تقول لمديرة مكتبى إنى قلت «أصابتنى سهام»!.
وكان يعتبر «العقد الفريد» واحدًا من أعظم الكتب فى التاريخ، مع معرفة واسعة بالتراث العربى، وإخلاص تام لفكرة أنه «مُقاوِم بالأدب»، ناهيك عن علاقته الوثيقة مع ياسر عرفات، وكبار المثقفين الفلسطينيين أمثال محمود درويش. فكيف يقبل «درويش» أفكار «حبيبى» الخاصة، وينشر له رواية «إخطيّة» كاملة فى مجلة «الكرمل» التى كانت تصدر بتمويل من منظمة التحرير الفلسطينية، بينما يُسفِّه من كاتبها شخص فى وزن الصحفى الكبير محمد بِسّه!.
استظرفنى «أبوسلام» وعرض علىّ أن أذهب معه إلى فندق «شبرد» فى وسط القاهرة، حيث كان يقيم كل سنة ضيفًا على إدارة معرض الكتاب، هو ومديرة أعماله. والتقيت معه على مائدة عشاء مع المفكر اللبنانى الكبير كريم مروّة، أحد أقطاب التيار الماركسى فى العالم العربى، الذى قال لـ«حبيبى»: نحن لا نعترض على أفكارك يا إميل، بل على أسلوبك! .
وذات ليلة، سهرت فى لوبى «شبرد» مع «حبيبى» وبعض المثقفين العرب من ضيوف معرض الكتاب، منهم الصحفى اللبنانى بيّار أبى صعب، الذى عرفته من كتاباته فى مجلة اسمها «اليوم السابع» كانت تُصدرها الدائرة الإعلامية لمنظمة التحرير فى باريس.
شرب بيّار أبى صعب، الذى أصبح اليوم مُذيع فضائيات مشهورًا، خمس زجاجات بيرة «ستلا» فى ساعة. ولمّا بلغت الساعة الواحدة صباحًا، استأذن الحاضرون فى الذهاب للنوم، وبقيت أنا و«بيّار» وحدنا. فطلب المزيد من البيرة. وراح يحدّثنى بانبهار عن العاصمة الفرنسية، ثم انتقل بعد ذلك إلى الأسماء الفرنسية، وكشف لى أن عُقدة حياته هى اسمه «بيّار». فلو كانت أسرته قد وضعت ياءً بدل الألف وسمّته «بيير»، لكان له شأن آخر فى المجتمع الفرنسى!
وبعد أن توثّقت علاقتنا، أجريت مع «حبيبى» حوارًا باعتبارى مندوب مجلة «الوطن العربى» التى كان يعرفها جيدًا. حديث كان أقرب للمواجهة منه للحوار. وراح الرجل يسخر من هذا وذاك بطريقته. وعندما أسأله عن نقطة غامضة لا يريد الإجابة عنها، يسرح بخياله بعيدًا، ثم يُنشد قول الشاعر: قالت الضفدعُ قولًا فسّرته الحكماءُ.. فى فمى ماءٌ وهل ينطقُ من فى فيه ماءُ؟.
قسّمت الحوار نصفيْن، كما كنا نفعل نحن المحررين المتجوّلين المُتعاونين بـ«القطعة» مع مكاتب الصحف العربية فى القاهرة آنذاك. وسلّمت الجوجرى القطعة الأولى، ثم ذهبت بالقطعة الثانية من الحوار إلى مكتب جريدة «الحياة» اللندنية فى حى جاردن سيتى، ذلك المبنى الفخم ذو السلالم الأسطورية. ولم أجد الكاتب الراحل إبراهيم أصلان، المُحرر الثقافى لمكتب القاهرة وقتها، الذى لم أكن أعرفه معرفة شخصية آنذاك.
تركت الحوار مكتوبًا على ورق دشت، وفوجئت به منشورًا بعد عدة أيام على مساحة كبيرة، فى صدر صفحة الثقافة بنفس العناوين التى كتبتها: إميل حبيبى «رهين البطيختين» الأدب والسياسة فى حوار صِدامى!.
ورغم غرابة هذا العنوان على السياسة التحريرية الرصينة لجريدة «الحياة»، فإن الحوار نُشر بنفس عناوين الإثارة التى كتبتها، وأحدث صدىً قويًا فى الوسط الثقافى المصرى، وتلقيّت مكالمات كثيرة من بعض الزملاء، كرد فعل على سُخريات «حبيبى» من مثقفين معروفين.
وبعد النشر، ذهبت إلى مكتب الصحيفة آخر الشهر، فوجدت مبلغًا كبيرًا بمقاييس ذلك الزمن. وأخبرنى المحاسب أن أصلان يريد أن يرانى، فذهبت إليه فى مكتبه. استقبلنى بحميمية كأنه يعرفنى من سنين، وراح يتبسّط فى الكلام معى بتواضعه المعروف، وأبلغنى أنى أصبحت الآن محررًا ثقافيًا فى «الحياة»، أهم جورنال عربى وقتها.
طبعًا هذا لا ينفى أنه كان وراء «الحياة» أهداف سياسية، مُرتبطة بمصالح الجانب السعودى، لكن طاقم التحرير اللبنانى لم يكن يفعل ذلك بطريقة فجة، بل بأسلوب احترافى تمامًا لا تكاد ترى- من خلاله- أى أجندة سياسية للجورنال. وهذا شىء لا يُجيده معظم الصحفيين المصريين!

نعود إلى «أبوسلام»، فقد صارت صداقة بينى وبين الرجل، بعد نشر الحواريْن خلال شهر واحد فى «الحياة» و«الوطن العربى» معًا. وكان يتصل بى تليفونيًا من داخل الكيان الإسرائيلى على تليفون فى مكان عملى، قبل أن يأتى إلى القاهرة، لأستقبله هو و«سهام» فى المطار. ويزور الاثنان، أثناء ذلك، كُتّابًا ومخرجين يساريين، منهم رضوان الكاشف ولطفى الخولى.
وأتذكر، مثلًا، أنه طلب منى إرسال عدد «الوطن العربى» الذى نُشر فيه الحوار، بعد أن اطلع على «الحياة» بمعرفته. وصممّ أن يدفع تكلفة الشحن عبر البريد، وكان مبلغًا بسيطًا. وأرسلت له العدد بالفعل إلى حيث كان يقيم فى «حيفا» داخل الخط الأخضر، لكن الطرد لم يصله.
وكان الرجل حين يزور القاهرة يأكل الطعام فى الحسين، ويحب أن يمشى فى الأسواق، ويكلّم الناس على القهاوى. يزور الجوامع والكنائس القديمة، ثم يذهب فى آخر اليوم لمشاهدة المسرحيات الكوميدية فى الموسم، خصوصًا مسرحية عادل إمام المعروضة، ويظل يردد الإفيهات التى سمعها فى المسرحية، باعتبارها آخر «فكاهات المصريين الظرفاء».
ومن واقع هذه المشاهدات والأحاديث، كان يُبدى خلال جلساتنا الخاصة ملاحظات تدلّ على أنه رجل مخضرم. ومن ذلك تأكيده مرارًا أن الشعب المصرى هو أشد الشعوب العربية كُرهًا لإسرائيل، وأن «الدولة العميقة» المصرية ترفض السلام مع الكيان العبرى. ولولا وقوف مصر كـ«مانعة صواعق» فى العالم العربى، لنفّذت تل أبيب وواشنطن حلم «إسرائيل الكبرى» من الفرات إلى النيل.
وما زلت أتذكّر جزءًا من شهادة الكاتب السودانى الطيب صالح عن الرجل، حين قال: «كان على سجيّته فى المحيط العربى، بعد الحظر الغبى الذى ضربه العرب ردحًا من الزمن على الفلسطينيين الذين آثروا البقاء، وصاروا يحملون الجنسية الإسرائيلية بالضرورة. لم يكتفوا بالحظر، ولكنهم كانوا ينظرون إليهم بريبة وحذر، كأنهم يعاقبونهم على تشبثهم ببيوتهم وأرضهم».
كان موقف الناصريين منه موقفًا سلبيًا، رغم أنه- ببساطة- تمسّك بأرضه. ولم يفهم أحد منهم مغزى صداقتى للرجل. لذلك، فوجئت ذات يوم بـ«الجوجرى» يستدعينى إلى مكتبه، ويطلب منى أن أغلق الباب خلفى.
وفور أن جلست، باغتنى بسؤال: إيه علاقتك بإميل حبيبى وسكرتيرته سهام داود؟.
قلت: إحنا مجرد أصدقاء.
قال: لا، الصداقة دى هتشوّه سمعة المكتب، لازم تقطع علاقتك بيه فورًا. دا مش كلامى أنا بس، دا كلام حمدين صباحى وعبدالحليم قنديل برضه. معاك شهر عشان تفكر وترد عليّا!
وأخرج «عادل» من درج مكتبه دفتر شيكات، وكتب لى شيكًا بقيمة مرتبى للشهر المقبل، حتى أقعد فى البيت براحتى لأفكر مع نفسى، دون أن أحمل هم المرتب. لكنى فكرت- وقررت- فى التو واللحظة. قلت له: لا خلّى الشيك معاك، أنا هسيب الشغل دلوقت!.
نظر لى «الجوجرى» غير مُصدِّق رد فعلى الفورى، ثم ابتسم وقال لى: طيّب روح اقعد على مكتبك.
لم أقل له، مع ذلك، أن إميل حبيبى عرض علىّ أن أكون مراسل جريدة «الاتحاد» الناطقة باسم الحزب الشيوعى الإسرائيلى، الذى يضم يهودًا وعربًا، وذلك مقابل مبلغ يصل إلى ألف دولار شهريًا، فرفضت العرض شاكرًا.
مات الرجل بعد عام من ذلك التاريخ إثر مرض قصير، فى منزله بمدينة حيفا المحتلة. قرأت ذلك فى الجرائد، وعرفت أنه كتب على قبره «إميل حبيبى (١٩٢١-١٩٩٦): بقى فى حيفا».





