الثلاثاء 18 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

حرب على الإنسان.. شركات ذكاء اصطناعى تشترى الكتب النادرة والمستعملة وتدمرها ليصبح الـAI الكاتب الوحيد

حرف

- الشركات تشترى نسخًا ورقية ثم تفككها وتمزق صفحاتها بعد رقمنتها لتُستخدم فى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى

- الخطر يكمن فى أن نتنازل تدريجيًا عن وسائل حفظ حياتنا الثقافية واللغوية لصالح نماذج الذكاء الاصطناعى ومالكيها

- مخاوف من هيمنة شركات الذكاء الاصطناعى على الكتب والذاكرة البشرية واختفاء المعرفة من المجال العام

كان حظر الكتب أو إحراقها إحدى التيمات الحاضرة فى الروايات الديستوبية فى القرن الماضى، مثل رواية «1984» لجورج أورويل، أو «فهرنهايت» لراى برادبرى، لتجسيد الطغيان والرقابة، غير أن الجدل الذى أثارته ممارسات بعض شركات الذكاء الاصطناعى مؤخرًا جعل هذا الخيال الأدبى يبدو أقرب إلى الواقع، وإن كان فى سياق مختلف؛ فبدلًا من سُلطات تحرق الكتب لمنع قراءتها، تتعلق القضية اليوم بشركات تشترى نسخًا ورقية منها، ثم تفككها وتمزق صفحاتها بعد رقمنتها، لتتحول من أوعية للمعرفة إلى بيانات تُستخدم فى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى، وهو ما أثار جدلًا واسع النطاق حول مصير الكتاب فى عصر الذكاء الاصطناعى.

تداولت تقارير صحفية ومقالات خلال الأيام الماضية أن بعض شركات الذكاء الاصطناعى اشترت آلاف الكتب الورقية، لا سيما الكتب المستعملة، والكتب التى نفدت طبعاتها، فضلًا عن الأعمال النادرة، ثم عمدت إلى تفكيكها ومسحها ضوئيًا وتحويلها إلى بيانات رقمية تُستخدم فى تدريب النماذج اللغوية، قبل التخلص من النسخ الورقية بإعادة تدويرها أو تمزيقها أو إلقائها فى النفايات.

كان موقع Media ٤٠٤ قد أفاد بأن شركة ISBNdb، المتخصصة فى بيانات الكتب، تروّج لخدمات شراء الكتب الورقية على نطاق واسع لصالح شركات الذكاء الاصطناعى، فى صفقات تتراوح بين آلاف الكتب وقد تصل إلى مليون كتاب، ووصفت الشركة الكتب المطبوعة بأنها مصدر موثوق للمعرفة البشرية، خضع للتحرير والتنظيم، ويتمتع بموثوقية أكبر من البيانات التى تُجمع عشوائيًا من الإنترنت، لكنها أقرت فى الوقت نفسه بأن تدمير أعداد ضخمة من الكتب قد يثير ردود فعل سلبية ويضر بصورتها العامة، فأشارت إلى أنها قد تلجأ إلى اتفاقيات عدم إفصاح لإخفاء هوية الجهات التى تشترى هذه الكتب. 

أثارت هذه الممارسات قلقًا واسعًا فى الأوساط الثقافية وخوفًا من أن تختفى المعرفة من المجال العام لتصير حكرًا على شركات الذكاء الاصطناعى، حتى إن تقريرًا نشره موقع Semi Vision وصفها بأنها «شكل حديث من إحراق الكتب، لكن فى صورة رقمية».

مع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعى التوليدى فى أواخر عام ٢٠٢٢، تضاعفت كميات النصوص التى ينتجها الذكاء الاصطناعى على الإنترنت، فأصبحت ملخصات الأخبار، والمقالات الموافقة لمحركات البحث «SEO»، وأوصاف المنتجات، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعى، وحتى المحتوى الأكاديمى والكتب الإلكترونية، تُكتب أو يُعاد تحرير جزء كبير منها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعى، وهو ما خلق مشكلة جوهرية أمام الجيل المقبل من نماذج الذكاء الاصطناعى؛ إذ قد تجد هذه النماذج نفسها تتدرب بصورة متزايدة على محتوى أنتجته أجيال سابقة من الذكاء الاصطناعى.

وصف الباحثون إحدى النتائج المحتملة لهذه الظاهرة بـ«انهيار النموذج» فعندما تتعلم النماذج باستمرار من بيانات اصطناعية ولّدتها نماذج أخرى، قد تبدأ الأفكار غير الشائعة، والأنماط الأقل انتشارًا، والتنوع الأسلوبى، والمعلومات غير المألوفة فى التلاشى تدريجيًا. ومع مرور الوقت، تصبح مخرجات النموذج أكثر تكرارًا، وأقل تنوعًا، وأكثر تشوهًا، وأبعد عن التعبير الأصلى عن المعرفة البشرية.

تكمن المشكلة الأعمق، حسبما يوضح التقرير المنشور فى موقع Semi Vision، فى أن النصوص الموثوقة ذات المنشأ البشرى أصبحت أكثر ندرة، ومن ثمّ أكثر قيمة، فالبيانات الاصطناعية لا تزال مفيدة إذا اختيرت بعناية، وجرى التحقق منها، ودمجها بكميات كافية من المحتوى الأصيل الذى أنتجه البشر، لهذا السبب تحولت الكتب المنشورة قبل عام ٢٠٢٢ فجأة إلى سلعة ثمينة فى صناعة الذكاء الاصطناعى.

فهذه الكتب كُتبت قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعى التوليدى جزءًا أساسيًا من عملية إنتاج المحتوى، كما أن نصوصها مرت عادة بعدة مراحل من المراجعة والتقييم البشرى، بدءًا من المؤلفين، مرورًا بالمحررين والناشرين والمراجعين، وصولًا إلى القراء، وبالمقارنة مع فضاء الإنترنت الذى يزداد امتلاءً بالمحتوى المعاد تدويره أو المُنتج آليًا، توفر الكتب الورقية لغة بشرية أكثر تنظيمًا وتنوعًا من حيث الأسلوب. 

يقود هذا الوضع، حسبما يصف كاتب التقرير، إلى مفارقة تخص هذا العصر وهى: لكى يتجنب الذكاء الاصطناعى أن يصبح اصطناعيًا بصورة واضحة، فإنه لا يزال بحاجة إلى التغذى على الفكر الإنسانى الأصيل.

كل كتب العالم

أحد أبرز الأمثلة على شراء الكتب على نطاق صناعى واسع ما قامت به شركة Anthropic ، فقد حصلت الشركة سابقًا على ملايين الكتب الإلكترونية من مكتبات رقمية غير مرخصة. لكن عام ٢٠٢٤ سلكت مسارًا آخر يُنظر إليه على أنه أقل مخاطرة من الناحية القانونية، إذ استعانت بمسئول سابق فى جوجل، وذلك بهدف مُعلن تمثّل فى السعى إلى الحصول على «كل كتب العالم».

أنفقت Anthropic لاحقًا ملايين الدولارات لشراء الكتب الورقية، وكان كثير منها نسخًا مستعملة.

وتولت شركات متخصصة إزالة أغلفة الكتب، وفصل صفحاتها عن الأغلفة، ثم مسحها ضوئيًا وتحويلها إلى ملفات «بى دى إف» قابلة للبحث، قبل التخلص من النسخ الورقية الأصلية، وبعد ذلك أُودعت الملفات الرقمية فى مكتبة الشركة، فيما يُحتمل أن يكون جزء من هذا المحتوى قد أُدرج ضمن مجموعات البيانات المستخدمة فى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى الخاصة بها.

كانت هذه التجربة بداية لسلسلة إمداد صناعية لبيانات الذكاء الاصطناعى، ففى هذه السلسلة يوفّر تجار الكتب المستعملة المخزون، وتحدد شركات بيانات الكتب العناوين المطلوبة وتشتريها، وتتولى شركات الخدمات اللوجستية جمعها ونقلها، وتقوم شركات المسح الضوئى بتفكيك الكتب ورقمنتها، وتحصل مختبرات الذكاء الاصطناعى فى النهاية على نصوص قابلة للمعالجة آليًا لتدريب نماذجها.

حسبما يشير موقع Semi Vision، كانت محكمة أمريكية قد قضت فى يونيو ٢٠٢٥ بأنه يمكن اعتبار استخدام الكتب فى تدريب نموذج لغوى كبير استخدامًا تحويليًا بدرجة كبيرة، ومن ثم قد يندرج ضمن مبدأ الاستخدام العادل. 

خلصت المحكمة إلى أنه عندما تشترى شركة نسخة ورقية من كتاب بصورة قانونية، ثم تتلف تلك النسخة وتحتفظ بنسخة رقمية واحدة للاستخدام الداخلى، دون زيادة العدد الإجمالى للنسخ أو توزيعها على أطراف خارجية، فإن هذا التحويل قد يُعد تغييرًا مشروعًا فى صيغة الحفظ.

لكن الحكم لم يقرر أن شركات الذكاء الاصطناعى يحق لها شراء أى كتاب وتدميره بحرية. فقد كان القرار صادرًا عن محكمة فيدرالية جزئية، واستند إلى الوقائع والأدلة الخاصة بهذه القضية وحدها، ولم يكن قانونًا عامًا أقره الكونجرس، كما أنه لم يرسخ مبدأ مفاده أن جميع أشكال تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى أو رقمنة الكتب أصبحت قانونية تلقائيًا.

يكمن مصدر القلق الحقيقى فى أن هذا الحكم قد يفتح مسارًا تجاريًا جديدًا، فمن خلال شراء نسخة ورقية من كتاب، قد تتمكن الشركة من اكتساب مساحة قانونية تتيح لها إتلاف النسخة الأصلية، والاحتفاظ بنسخة رقمية خاصة، واستخدام محتواها فى تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعى. وهذا الاحتمال قد يسرّع بصورة كبيرة عمليات شراء الكتب وتدميرها.

تشير التقارير إلى أن بعض بائعى الكتب لاحظوا أنماطًا غير معتادة من الشراء بكميات كبيرة. إذ يعمد المشترون إلى اقتناء الكتب دون إبداء اهتمام يُذكر بموضوعاتها أو أسعارها، كما تشمل طلباتهم كتبًا نفدت طبعاتها، وأخرى بلغات أجنبية، وأعمالًا قليلة التداول نسبيًا.

وأشار أحد بائعى الكتب، وفقًا للتقارير، إلى أن مبيعاته ارتفعت من أقل من عشرين كتابًا أسبوعيًا إلى عدة مئات من الكتب.

ومع ذلك، فإن الأدلة المتوافرة لا تثبت أن شركات الذكاء الاصطناعى تبحث بصورة منهجية عن آخر النسخ الباقية من الكتب النادرة حول العالم لتدميرها. فالعديد من الكتب التى تُشترى قد تكون مجرد نسخ مستعملة عادية، أو فائضًا من المخزون، أو عناوين لا تزال متوافرة على نطاق واسع فى المكتبات والمجموعات الخاصة.

أما الخطر الأكبر، حسبما يشير موقع Semi Vision، فيكمن فى أن سلسلة شراء الكتب ورقمنتها تبدو مفتقرة إلى آليات كافية لتحديد القيمة الثقافية أو التاريخية للكتب. فعندما تُعالج مئات الآلاف أو ملايين الكتب، لا يمكن عمليًا لعمال المستودعات التحقق من مدى توافر كل كتاب عالميًا، أو تاريخ طبعته، أو أهميته الأرشيفية، أو خصائصه المادية الفريدة.

لذلك، ما دام الكتاب متاحًا بسعر مناسب وقابلًا للمسح الضوئى، فقد يجد كتاب مجهول فى التاريخ المحلى، أو منشور بلغة أقلية، أو إصدار لدار نشر صغيرة، أو نسخة تحمل تعليقات وهوامش بخط اليد، أو عمل نفدت طبعاته ولم يعد متداولًا، نفسه داخل آلة التقطيع إلى جانب الكتب التجارية العادية. 

تتمثل إحدى أبرز المخاوف التى تثيرها هيمنة شركات الذكاء الاصطناعى على الكتب والذاكرة البشرية فى أنه عندما تختفى المعرفة من المجال العام وتُمتص داخل نموذج مملوك لشركة خاصة، قد يظل الناس قادرين على طرح أسئلة على الذكاء الاصطناعى بشأن تلك المعرفة، لكنهم قد لا يعودون قادرين على الرجوع إلى مصدرها الأصلى والتحقق منها. وبذلك نكسب نموذجًا قادرًا على تقديم الإجابات، لكننا نخسر الدليل الذى يتيح لنا اختبار مدى صحتها.

ويشير التقرير المنشور على موقع «Semi Vision» إلى أن الكتب الورقية، بخلاف المحتوى الرقمى، تتوزع فى أماكن متعددة، ولا تعتمد على الاتصال بالإنترنت، كما يصعب تعديلها أو محوها عن بُعد، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود بوصفها سجلًا تاريخيًا. وحتى إذا حُذف محتوى من منصة رقمية أو أغلقت شركة أبوابها، يمكن أن تظل نسخ ورقية أخرى شاهدة على ما كُتب فى الأصل.

أما إذا دُمّرت النسخة الورقية الأصلية، وأصبحت النسخة الرقمية الوحيدة تحت سيطرة شركة خاصة تعمل فى مجال الذكاء الاصطناعى، فقد لا يعود لدى الجمهور وسيلة مستقلة لمعرفة ما إذا كان الملف كاملًا، أم جرى تعديله، أو ما إذا كان سيُحفظ بصورة دائمة، أو ما إذا كان سيظل متاحًا يومًا ما لأى شخص من خارج الشركة.

لا يعنى هذا بالضرورة أن شركات الذكاء الاصطناعى ستعيد كتابة التاريخ أو تتعمد تحريفه، وإنما يُطرح سؤال يتعلق بمن يمتلك مفاتيح الوصول إلى المعرفة ومن يملك القدرة على حفظها أو حجبها. فالمجتمع لا ينبغى أن يبنى نظامًا لحفظ الذاكرة والمعرفة الإنسانية يعتمد بالكامل على التنظيم الذاتى لشركات خاصة، مهما بلغت قدرتها التقنية. لأن المعرفة التى يمكن الوصول إليها عبر نموذج ذكاء اصطناعى ليست بالضرورة معرفة يمكن الرجوع إلى أصلها أو التحقق منها؛ وقد يصبح الفرق بين الأمرين، فى المستقبل، فرقًا بين الوصول إلى الإجابة وامتلاك الحقيقة التى تستند إليها.

ترى كاثرين جيمس، أمينة الكتب النادرة فى مكتبة ليليان جولدمان للقانون بجامعة ييل، فى مقال لها بصحيفة «الجارديان»، إن شركة Anthropic وجدت فى «المسح الإتلافى» حلًا لمعضلة الحصول على كميات ضخمة من النصوص عالية الجودة لتدريب نموذجها «كلود»، بدلًا من الدخول فى التعقيدات القانونية والتجارية المرتبطة بحقوق النشر. 

ولا تعتقد جيمس أن المشكلة تقتصر على مصير الكتب التى دمرتها الشركة بل تحذر من أن تتحول هذه الممارسة إلى نموذج تتبناه شركات الذكاء الاصطناعى الأخرى، خصوصًا فى ظل اتساع نطاق مبدأ الاستخدام العادل فى تفسير استخدام الكتب لتدريب النماذج. فبينما قد يُنظر إلى النسخة الرقمية بوصفها مجرد صيغة جديدة للمحتوى، فإن الكتاب، فى نظرها، يحمل قيمة ثقافية تتجاوز النص الذى يحتويه؛ إذ يمثل شيئًا قرأه البشر واحتفظوا به وأعادوا قراءته وحفظوه وتناقلوه عبر الأجيال. ومن هنا، ترى أن الخطر يتمثل فى أن نتنازل تدريجيًا عن وسائل إنتاج وحفظ حياتنا الثقافية واللغوية لصالح نماذج الذكاء الاصطناعى ومالكيها، فننتقل من كوننا مبدعين وكتّابًا وقرّاء إلى مجرد مستهلكين للمحتوى الذى تنتجه هذه النماذج.

يرصد تقرير Semi Vision مجموعة من الضمانات التى تحول دون فقدان جزء من الذاكرة الإنسانية أثناء عملية الرقمنة، فى مقدمتها رقمنة الكتب النادرة، والأعمال التى نفدت طبعاتها، والوثائق التاريخية، والمواد المكتوبة بلغات الأقليات، والكتب التى لم يبقَ منها سوى عدد محدود من النسخ، باستخدام وسائل غير إتلافية. كما ينبغى للجهات التى تشترى الكتب بكميات كبيرة أن تفصح عن أعداد ما اقتنته، ومصادره، وكيفية التعامل معه.

وقبل إتلاف أى كتاب، ينبغى للشركات مراجعة قواعد بيانات المكتبات والسجلات الأرشيفية للتأكد من ندرة الطبعة أو عدم وجود نسخ أخرى منها. كما يجب إيداع نسخة محفوظة من كل ملف رقمى لدى مكتبة عامة أو مؤسسة أرشيفية موثوقة، إلى جانب وضع آليات شفافة لترخيص المحتوى، وتعويض المؤلفين والناشرين، ومنح أصحاب الحقوق إمكانية استبعاد أعمالهم إذا رغبوا فى ذلك.

ومن دون مثل هذه الضمانات، قد يتحول الوعد الذى ترفعه صناعة الذكاء الاصطناعى بالحفظ الرقمى إلى عملية تحفظ النصوص التى تحتاج إليها النماذج، بينما تدمر الأثر المادى والتاريخى الذى تحتاج إليه البشرية.