الثلاثاء 23 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

أصدقائى الكلاب.. فالح مهدى يجيب: لماذا يعيش المثقف فى خوف دائم؟

حرف

- الرواية تعتمد على الميتاسرد والتشظى الذى يتيح حرية الانتقال بين الأزمنة والأمكنة بما يقترب من طبيعة الذاكرة

فى أحيان كثيرة، يصعب إجراء فصل تام وصارم بين الروائى وعالمه المتخيّل، لا سيما حين يتقاطعان فى كثير من المواضع. وربما تنتمى رواية «أصدقائى الكلاب» للباحث والروائى العراقى فالح مهدى إلى هذا النوع من الأعمال التى يصعب فيها حسم المسافة بين المؤلف وبطله؛ فثمة جزء من هواجس الكاتب وأسئلته ورؤيته للعالم يبدو مودعًا فى شخصية المثقف العراقى، التى تعبر الانقلابات والحروب والسجون والمنافى، وهى تحاول أن تستوعب ما يفعله الخوف الطويل بالإنسان.

صدرت الرواية أولًا بالفرنسية عن دار هارمتان فى فرنسا، قبل أن تصدر حديثًا بالعربية فى طبعة ثانية عن دار «بيت الياسمين» فى القاهرة بترجمة أنجزها الكاتب نفسه. وفالح مهدى، المقيم فى فرنسا، روائى وباحث وأستاذ فى القانون وتاريخ الأديان، وهى خلفية معرفية تنعكس بوضوح على بطله المثقف المشبع بالإحالات الأدبية والموسيقية والفكرية، والمنشغل، فى الوقت نفسه، بتدوين سيرة جيل عراقى وجد نفسه عالقًا بين الاستبداد والحروب والمنفى.

تتتبع «أصدقائى الكلاب» سيرة مثقف عراقى يعبر محطات متباينة من تاريخ بلاده الحديث؛ من الانقلابات العسكرية والسجون إلى المنافى البعيدة والعلاقات الإنسانية الملتبسة. غير أن الرواية تنطلق من التداعى الحر للذكريات نحو تقصى ذلك الأثر البطىء الذى يتركه الخوف فى النفس البشرية، وكيف يتحول، مع الزمن، إلى طريقة فى رؤية العالم والتعامل معه. ومن ثم، فهى بصورة ما رواية عن السياسة حين تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، وتبدل صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين.

بدءًا من العنوان، يضع الكاتب القارئ أمام مفارقة قائمة على تضاد بين معنيين؛ الأول هو الثقة وما يتصل بها من الألفة والحميمية المعبر عنها بكلمة «أصدقائى»، فيما تحيل الثانية، لا سيما فى المخيال العربى، إلى العدوانية والنبذ والخوف. ينسحب هذا التضاد على عالم روائى متكامل يُفقد فيه اليقين، وتختلط الحدود فيه بين الأليف والمخيف، ويغدو الأقرب مصدرًا للتهديد، ويصير الخوف رفيقًا يوميًا لا يمكن التخلص منه.

تتجاوز دلالة الكلاب فى الرواية معناها المباشر، لتصير علامة رمزية متعددة الطبقات. فهى تحيل، فى أحد مستوياتها، إلى السلطة وأجهزتها الأمنية، كما تحيل أيضًا إلى الخوف نفسه بوصفه قوة خفية تلاحق الإنسان وتعيد تشكيل سلوكه وعلاقاته، حتى بدا أن الكلاب، بكل ما تحمله من دلالات الخوف والعدوان والملاحقة، قد تحولت إلى «أصدقاء» للبطل فرضتهم عليه سنوات القمع والمنفى، حتى غدت الألفة معه إحدى وسائل التكيف مع العالم. 

 

ترتبط سيرة البطل بتاريخ العراق الحديث، ولا سيما منذ انقلاب يوليو ١٩٦٨، الذى يحضر فى الرواية بوصفه نقطة تحول كبرى أسست لعلاقة جديدة بين المواطن والدولة، قوامها الشك والمراقبة والخوف. وباستعادة هذه المرحلة، يتشكل عالم تتحول فيه السلطة إلى قوة شاملة، تتدخل فى أدق تفاصيل الحياة الخاصة، ليغدو الوطن فضاءً طاردًا لأبنائه، والسجن احتمالًا قائمًا طوال الوقت، وهو ما يلخصه الراوى بقوله: «بعد انقلاب ١٩٦٨ ساد الجو رائحة غريبة الأطوار، فانطوت الزهور على ذاتها. ولج النهر أبواب الاغتراب ولم يزل (...) كان البلد يحث الخطى كى يتحول إلى سجن كبير، مركز للتعذيب، طاحونة للموت». 

يرى الراوى أن العراق، بعد انقلاب ١٩٦٨، أخذ يتجه تدريجيًا نحو بناء دولة تقوم على الخوف والقمع، تتحول فيها السجون والتعذيب والعنف إلى أدوات لإدارة المجتمع، ويرى فى تلك اللحظة السياسية نقطة البداية لانهيار العالم الذى عرفه الراوى، وتمهيدًا لذلك التشوه الإنسانى الذى ستتتبع الرواية آثاره فى الأفراد وحياتهم، فإن كانت قد انعكست على حياة البطل بمصادقة دائمة وقسرية للخوف والارتياب والترحال الأبدى بين المنافى، فإنها قد أودت بآخرين لموت اختيارى أو إجبارى، ولتيه أبدى.

يبدأ السرد بإبلاغ الراوى قارئه بأنه قضى خدمته العسكرية أربع مرات، الأولى فى بغداد، الثانية فى كردستان، الثالثة على حدود البصرة، والرابعة فى صحراء الكويت، لكنه يختار أن يستعيد تجربة الخدمة الثانية تحديدًا فى البداية، تلك التى تزامنت مع لحظة الانتفاضة الكردية. يكشف كيف تحوّل، خلال عام واحد، إلى كائن بليد فاقد للحيوية، بعد أن أُقصيت أوراقه وكتبه، أى بعد أن جُرِّد من عالمه الفكرى والوجدانى الذى كان يمنحه معنى لوجوده. وفى هذه التجربة القاسية برز صوته الداخلى المتشكك: «الليل قادنى لأسأل نفسى: ماذا أفعل هنا؟ الأكراد ليسوا أعدائى.. فى بغداد لى عدد ليس بالقليل من الأصدقاء الأكراد». يجد الراوى نفسه آنذاك منخرطًا فى صراع لا يؤمن به، مطالبًا بمواجهة أشخاص لا يراهم أعداء، وهو ما يفاقم شعوره بالاغتراب ويدفعه تدريجيًا إلى ذلك التحول الإنسانى المؤلم الذى تشكّل الرواية مسار الكشف عنه.

تقدم الرواية بطلها بوصفه مثقفًا، يُصاحب الكتب ويستمع إلى الموسيقى وتشغله أسئلة الفن والموسيقى لكنه بأثر من القمع المستمر والمتواصل يُثقل بالإحباط والاغتراب، ويفقد القدرة على الفعل والتأثير، ويصبح همه الوحيد ليس الانتصار على الواقع أو تغييره، وإنما النجاة من البطش.

وقد تكون بداية الرواية التى تشير إلى عبارة «خبزنا كفافنا»، ونهايتها بعبارة «لم يبق أمامى إلا البحث عن الخبز»، تعبيرًا عن هذا المعنى، فمع الواقع المأزوم الذى تصور الرواية ظلاله الملقاة على الأفراد يصير الاكتفاء والقناعة والرغبة فى العيش داخل حدود الممكن، بعيدًا عن الطموحات الجارفة أو النزعات التسلطية، رغبة، رغم بساطتها وبداهتها، غير يسيرة المنال، إذ تصطدم بعالم لا يسمح لأفراده بالبقاء على فطرتهم الأولى، بل يدفعهم لارتداء «جلد الكلاب» بحثًا عن وسيلة للبقاء.

تعتمد الرواية منذ بدايتها على بناء ميتاسردى، إذ يخاطب الراوى مرويًا له غير واضح المعالم، ويعلن عدم التزامه بمنطق الحكاية التقليدية، فيقول: «أخبارى التى تنتظرها منذ أمد بعيد لن تردك منتظمة كما يقتضى منطق الأشياء، إذ ليست لى الرغبة ولا العزيمة على سردها كما تتطلب أصول الفن، فابدأ من البدء كما يلح عليك التاريخ والعقل. بإمكانك أنت المولع بالحاسوب أن تطلب منه ذلك إذا شئت». 

فى موضع آخر يكتب الراوى بصيغة المتكلم مخاطبًا القارئ مباشرة، ومشاكسًا له، ومبينًا قصديته فى كسر أفق توقعه: «يبدو أن ما ذكرته لك كان مبتسرًا وشديد الاقتضاب ولن يعطيك فكرة واضحة عما جرى لى. لقد قمت بحرق المراحل وكأن عقلى الباطن يريد أن يلغى تلك الأيام الرهيبة من حياتى».

يتيح هذا الخيار الذى يترتب عليه تشظيًا فى السرد حرية فى الانتقال بين الأزمنة والأمكنة، بما يقترب من طبيعة الذاكرة الإنسانية، التى لا تخضع لترتيب صارم. غير أن هذا البناء يفضى، فى بعض المواضع، إلى تفاوت فى الإيقاع السردى. فتتجاور مشاهد شديدة الكثافة مع استطرادات وتأملات مطولة قد تؤثر فى درجة التوتر التى يبنيها النص، كما يبدو صوت المثقف الشارح حاضرًا أحيانًا على حساب الفعل الروائى، فتتقدم الرغبة فى تفسير الأفكار وتوضيحها على ترك الأحداث تكشف دلالاتها بنفسها.

يمكن الإشارة أيضًا إلى بعض المشكلات التحريرية والأسلوبية التى كان من الممكن تلافيها بمزيد من الصقل اللغوى، إذ ترد فى الرواية تراكيب مثقلة بالحشو أو متأثرة بالترجمة غير الخاضعة لتحرير كاف. من الأمثلة التى يمكن ذكرها هنا عبارات مثل: «قلت لى فى التليفون من إنك تكتب الشعر»، و«أُعلمت من قبل رجال الشرطة من أنهم لا يعرفون شيئًا عنى»، و«لم أتوقف فى التفكير بها». هذه العبارات وغيرها كان من الممكن أن تخضع لتحرير لغوى أدق يمنح السرد مزيدًا من السلاسة والاقتصاد التعبيرى.

تكشف الرواية من خلال سيرة بطلها ومآلات شخوصها كذلك عن الأثر الخفى الذى يتركه القمع على الأفراد والجماعات بتبيان الكيفية التى يتسلل بها إلى أكثر العلاقات الإنسانية خصوصية. ومن أكثر الشخصيات دلالة فى هذا السياق شخصية وليد، صديق الطفولة الذى يُعتقل بتهمة الانتماء إلى تنظيم يسارى متطرف. يفقد الرجل اتزانه العقلى تحت التعذيب، ويتحول إلى أداة لإدانة الآخرين، فيشى كذبًا بتورط صديق طفولته معه فى الجريمة التى لم يرتكبها، بما يكشف عما يفعله التسلط من إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، وإفساد علاقته بالحقيقة وبنفسه وبالآخرين.

يتضح ذلك أيضًا فى حضور العنف الرمزى فى العلاقات العاطفية، فكل طرف يحمل داخله آثار القهر الذى تعرض له، ويعيد إنتاجه بأشكال مختلفة تظهر فى السيطرة وسوء الفهم والعجز عن الثقة الكاملة، والخوف من الانكشاف أمام الآخر، ما يجعل العلاقات الحميمة امتدادًا للعالم الخارجى بكل مآزقه وتعقيداته. يقول الراوى: «الرغبة فى السيطرة على الآخر لا تمتلكها إلا النساء فى بلادنا. العلاقات المبنية على التغالب تحدث مع النساء أو بدونهن، فالرجل لا يختلف عن المرأة فى ذلك ما دمنا نعيش معًا فى نفس الغابة».

وفى هذا السياق، يكتسب مشهد الكلب الذى يهاجم الراوى فى منفاه الفرنسى دلالة خاصة، إذ يستدعى ذاكرة كاملة من المطاردة والعنف الذى يظل مرافقًا للبطل حتى فى المنفى. يخاطب الراوى الكلب قائلًا: «كم أنا على يقين أن حياتك ككلب هنا أفضل بمئات المرات من حياة الإنسان فى كثير من بلدان العالم الثالث». فيما تتجاوز رحلة البحث عن الأخ الغائب؛ إلياس، بلا جدوى، دلالتها المباشرة لتصير بحثًا عن أمل خافت فى خلاص لا سبيل لبلوغه. 

ومن أكثر مشاهد الرواية كثافة حلم الجنى الذى يعثر عليه الراوى داخل قنينة زجاجية فى السجن، وعندما يحرره، يطلب من الجنى أن يساعده فى الخروج من السجن، غير أن الجنى يعترف بعجزه عن تحقيق هذه الأمنية، لأن الخروج من الزنزانة الصغيرة لا يعنى النجاة الحقيقية؛ فخارجها ينتظر «السجن الكبير»، بما يعبر عن امتداد منظومة القهر لتغدو بنية اجتماعية ونفسية تحاصر الإنسان فى كل مكان.

من خلال إصغاء هادئ لما تفعله الوقائع الكبرى فى مصائر الأفراد والجماعات، تطرح «أصدقائى الكلاب» أسئلتها دون ادعاء امتلاك إجابات نهائية، تاركة للقارئ مساحة للتأمل فى الثمن الإنسانى الباهظ الذى تفرضه التحولات التاريخية على حياة البشر.