المحرر العام
محمد الباز

حروب الشاشات.. أسامة السعيد: منصات التواصل تمثل «جماعة الحشاشين» فى العصر الحديث

د. أسامة السعيد
د. أسامة السعيد

- الجمهور يخضع لسلطة الخوارزميات ويرفض الاعتراف بذلك

- الثقافة الغربية لا تعيش بلا خصوم والإعلام أداة لصناعة الأعداء

- الإنسان ابن ماضيه والتاريخ يصنع الحاضر والمستقبل بعمق أكبر مما نتخيل

- «ثقافة القطيع» أخطر ما تفرضه المنصات الرقمية على الأجيال الجديدة

- اللوبى الداعم لإسرائيل فى الإعلام الغربى يمارس لعبة الإيهام بالمهنية والحياد فى المعالجة الإعلامية

- الذكاء الاصطناعى سيتحول مستقبلًا إلى صانع للسرديات والواقع

انطلاقًا من عمله الإعلامى وخبرته الأكاديمية، يقدم الإعلامى أسامة السعيد، فى كتابه الصادر حديثًا بعنوان «حروب الشاشات: استراتيجيات الإعلام الدولى فى زمن الصراعات»، قراءة نقدية لدور الإعلام العالمى فى تشكيل الوعى وصناعة السرديات فى ظل الصراعات المعاصرة، بالتركيز على نماذج من بينها: تغطيات الحروب فى غزة وأوكرانيا، وصورة طالبان، وخطابات الإسلاموفوبيا، محللًا آليات بناء الرواية الإعلامية فى الإعلام الغربى خصوصًا، وما يرتبط بها من مصالح سياسية وثقافية واستراتيجية. 

ينطلق الكتاب من فرضية أن الشاشات لم تعد مجرد وسيط لنقل الأخبار، فقد تحولت إلى فاعل رئيسى فى إدارة المعارك الرمزية وصناعة «العدو» وتوجيه الإدراك العام، عبر الانحيازات الإعلامية وبناء الصور الذهنية، لتقف فصول الكتاب الأخيرة عند التحولات التكنولوجية، خاصة صعود الذكاء الاصطناعى ووسائل التواصل الاجتماعى، باعتبارها عوامل تعيد تشكيل الإعلام، وتفتح الباب أمام مستقبل ملتبس تتداخل فيه الحقيقة بالسردية بصورة أكثر تعقيدًا من أى وقت مضى.

فى ضوء هذه الرؤى، يأتى هذا الحوار ليتوقف عند أسئلة الكتاب وإشكالاته، ويمتد إلى إنتاج المؤلف الروائى بوصفه مساحة موازية تشتبك مع الماضى وسردياته، وترسم أثره على الحاضر والمستقبل
 

■ ما المعايير التى على أساسها اخترت النماذج التى يناقشها كتاب «حروب الشاشات»؛ من غزة وأوكرانيا إلى طالبان والإسلاموفوبيا؟ ولماذا اخترت أن يكون الإعلام الغربى هو محور التحليل الأساسى؟

- هناك أكثر من معيار لاختيار الموضوعات أو القضايا لتكون محورًا لدراسات الكتاب. المعيار الأول هو الأهمية، فقد اخترت مجموعة من الأزمات أو الصراعات التى تمثل أهمية بالنسبة إلينا، سواء فى الشرق الأوسط أو بالنسبة للعالم، ومنها الدراسات عن الحرب على غزة، والحرب على أفغانستان، والحرب فى أوكرانيا، بالإضافة إلى قضايا صناعة العدو فى الإعلام الغربى، وصناعة الإسلاموفوبيا. 

المعيار الثانى هو معيار التناقض، فقد اخترت مجموعة من القضايا التى تكشف حجم التناقض والازدواجية فى معالجة الإعلام الغربى للقضايا. فكثيرًا ما كان الإعلام الغربى يحاول تصدير صورة مثالية عن مراعاته المعايير المهنية وأخلاقيات التغطية الإعلامية، ولكن عندما نستعين بأدوات التحليل النقدى فى دراسة الكثير من القضايا التى تُثار فى الإعلام الغربى، سنجد أنه فى كثير من الأحيان يُوظَّف لأهداف لا علاقة لها بالأخلاقيات أو المعايير المهنية.

على سبيل المثال، كشفت مقارنتى للتغطية الإعلامية الغربية للعدوان على غزة والحرب فى أوكرانيا كيف يُصوَّر الاعتداء الإسرائيلى، الذى لا يمكن تبريره أخلاقيًا ولا قانونيًا بأى شكل من الأشكال، فى مقابل الهجوم الشديد على روسيا، رغم أنها لم ترتكب من الجرائم والفظائع ما يمكن مقارنته بأى حال من الأحوال مع ما ارتكبته إسرائيل. ثمة فجوة واسعة بين الموقفين، وغياب واضح للأخلاقية فى التعامل.

المسألة الأخرى تتصل بصناعة صورة العدو، وهى من النقاط التى تناولتها بعمق فى الكتاب. فالإعلام الغربى دائمًا يجيد صناعة أعدائه، ويجيد تشكيل صورة ذهنية لمن يرى أنهم فى موقع الخصوم أو الأعداء، مستخدمًا تكنيكات مركزة ومكثفة تعتمد على قواعد علمية مستمدة من علم النفس وعلوم الإعلام. فالثقافة الغربية، بشكل عام، لا تستطيع أن تعيش فى حالة غياب الخصوم أو الأعداء، لأنها ثقافة تنافسية بطبعها، وبالتالى تلجأ إلى صناعة عدو، حتى إذا لم يكن هذا العدو يمثل خطرًا حقيقيًا، فهى تعمل على صناعة هذا الخطر أو تضخيمه.

■ تشير فى الكتاب إلى أن البنية الفكرية والسياسية للإعلام الغربى الداعم لإسرائيل «ما زالت متماسكة» رغم كل التحولات.. ما هى حلقات القوة الأساسية التى تمنحها هذا التماسك فى رأيك؟ 

- نعم، ما زالت متماسكة رغم ما اعتراها فى السنوات الأخيرة من شروخ، ورغم التركيز المتزايد على مخالفاتها، وفضح كثير من ثغراتها وفجواتها.

المعيار أو الأساس الأهم هنا هو المصلحة. فما زالت هذه المنظومة الإعلامية تعبّر عن مصالح لوبيات اقتصادية وسياسية ودينية تدعم إسرائيل بقوة، وما زال المشروع الإسرائيلى بالنسبة إليها يحقق مصالح استراتيجية فى منطقة الشرق الأوسط، وفى العالم كله. وبالتالى، طالما بقيت هذه المصالح قائمة، ستظل الأدوات الداعمة لها قائمة أيضًا.

لذلك، فإن اللوبى الداعم لإسرائيل فى الإعلام ما زال متماسكًا وقويًا، رغم كل ما أشرت إليه من تراجع نسبى فى قدرة هذا الإعلام على الانفراد بصناعة الحقيقة أو احتكار السردية. لكنه، فى النهاية، لا يزال يمارس لعبة الإيهام بالمهنية والاحترافية والحياد فى المعالجة الإعلامية.

وللأسف، فإن الأخطر هنا أن الاختراق الإسرائيلى للإعلام لا يتجسد فقط فى وجود وسائل إعلام منحازة بشكل مباشر أو صريح للسردية الإسرائيلية، وإنما أيضًا فى استخدام شبكات إعلامية كبرى تدّعى المهنية والحياد، بينما تبدو- بدرجات متفاوتة- مخترقة أو متأثرة بالرواية الإسرائيلية.

وهذا الانحياز قد يظهر على مستويات متعددة؛ إما على مستوى الإدارة، باعتبار أن هذه المؤسسات تعبّر فى النهاية عن دول أو قوى لها مصالح استراتيجية مرتبطة بإسرائيل، أو من خلال وجود كوادر إعلامية مهيمنة تمتلك نفوذًا وتأثيرًا داخل هذه المؤسسات، أو حتى عبر قدرة إسرائيل نفسها على تسويق روايتها إعلاميًا بصورة أكثر فاعلية وسهولة مقارنة بالسرديات الأخرى.

■ تقول إن «تطويع الخوارزميات» بات أسلوبًا معتادًا لتمرير وجهة نظر وحجب أخرى.. فكيف يمكن للجمهور العادى أن يرصد هذا الانحياز الخوارزمى وهو غير مرئى ومصمم خصيصًا ليناسب اهتماماته المسبقة؟

- من الصعب على المواطن العادى أن يرصد هذا الانحياز أو يكتشف آلياته المعقدة. وأنا دائمًا أحب أن أشبّه محاولة السيطرة والهيمنة على العقول عبر هذه المنصات بما كانت تفعله جماعة «الحشاشين» قديمًا. فهذه المنصات، فى تقديرى، تمثل «جماعة الحشاشين الجديدة» فى العصر الحديث، لأنها تستخدم التكنيك نفسه الذى ارتبط تاريخيًا بفكرة حسن الصباح؛ أى خلق واقع بديل يتوهم الإنسان أنه الواقع الحقيقى.

يتصور المستخدم أنه يمارس حريته الكاملة، ويتحرك بإرادته الحرة داخل الفضاء الرقمى، بينما الحقيقة أنه يتحرك داخل عالم مصنوع بعناية شديدة. يظن أنه يمتلك حرية الاختيار والتعبير والوصول، لكنه فى الواقع لا يتحرك إلا داخل المساحة التى تسمح بها هذه المنصات، ولا يصل صوته إلا بالقدر الذى تتيحه له الخوارزميات وآليات التحكم.

وبالتالى، فهو يتحرك داخل ما يشبه «الجنة الزائفة»؛ فضاء يمنحه شعورًا دائمًا بالحرية والانفتاح، بينما هو فى حقيقته مجرد أداة لهذه المنصات كى تحقق أهدافها المختلفة.

تمثل الخوارزميات هنا أداة شديدة الخطورة للسيطرة والتوجيه. وأعتقد أن العالم بدأ يكتشف ذلك بصورة واسعة خلال الحرب على غزة، حين ظهرت بوضوح آليات حجب أو تقييد السرديات الداعمة للفلسطينيين، أو المحتويات التى تفضح الرواية الإسرائيلية، فى مقابل الترويج الواسع للرواية الإسرائيلية ومنحها قدرة أكبر على الانتشار والوصول. وفى تقديرى، كان هذا نموذجًا صارخًا وفجًا لحجم التضليل الذى يمكن أن تمارسه الخوارزميات فى عالمنا المعاصر.

لكن إدراك المواطن العادى هذه المسألة يظل أمرًا شديد التعقيد، لأنه يحتاج إلى قدر من الوعى والخبرة والمعرفة بطبيعة عمل هذه المنصات. وللأسف، فإن الإقبال الهائل على وسائل التواصل الاجتماعى، خصوصًا من الأجيال الشابة، والاندفاع وراء فكرة ممارسة الحرية بلا قيود أو مسئوليات أو عقلية نقدية، يجعل من الصعب ليس فقط فهم خطورة هذه الخوارزميات، بل حتى تقبّل فكرة أنها تمارس هذا النوع من التلاعب.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة؛ فالجمهور يخضع لسلطة الخوارزميات، وفى الوقت نفسه لا يريد أن يصدق أنه خاضع لها. لأن الاعتراف بهذه الحقيقة يفرض عليه مسئولية أخلاقية وفكرية فى طريقة تعامله مع هذه المنصات، بينما كثيرون لا يريدون التوقف أو المراجعة، لأن هذه المنصات تحولت بالفعل إلى شكل من أشكال الإدمان.

■ تتحدث عن «إعلام المواطن» بوصفه قوة صاعدة أحدثت ثقبًا فى جدار الانحياز الإعلامى.. لكن ألا ترى أن «إعلام المواطن» نفسه أصبح عُرضة لتضليل جهات فاعلة، وأنه قد يخلق فوضى سرديات؟ 

- مسألة «إعلام المواطن» أو «صحافة المواطن» تظل ملتبسة وإشكالية. ورغم استخدامى المصطلح لكونه شائعًا، فإننى أتحفظ عليه نقديًا، لأننا نستورد مع صناعة الإعلام الغربية مفاهيمها أيضًا.

علينا أن نسأل: من هو المواطن المقصود؟ وهل هذا الإعلام موجّه له فعلًا أم أنه يُستخدم كوسيلة لتحقيق أهداف أخرى؟ وإذا كان إعلام المنصات الرقمية هو «إعلام المواطن»، فهل الإعلام الاحترافى لا يخاطب المواطن أيضًا؟ بالتأكيد يخاطبه، وبالتالى فالتسمية تنطوى على قدر من التضليل.

فى الوقت نفسه، هذا النوع من الإعلام سلاح ذو حدين؛ فقد ساهم فى كشف حقائق غابت عن الإعلام الدولى، كما حدث فى الحرب على غزة، إذ لعب دورًا مهمًا فى توثيق الانتهاكات وخَلْق وعيًا عالميًا جديدًا، خصوصًا لدى الشباب فى الغرب.

لكن فى المقابل، يمكن أن يستخدم أيضًا فى التضليل، وأن تتحكم فيه الخوارزميات فى توجيه المحتوى. لذلك فهو ليس قيمة أخلاقية فى ذاته، بل أداة يمكن توظيفها للخير أو الشر. إذن فالمهم ليس الحكم على الأداة، ولكن على كيفية استخدامها والغاية منها. 

■ إذا كانت «حروب الشاشات» قد قامت أساسًا على التلاعب بالسرديات وتوجيه الإدراك عبر الصورة والخبر، فكيف ترى مستقبل هذه الحروب مع صعود الذكاء الاصطناعى القادر على إنتاج واقع كامل بالصوت والصورة والمعلومة؟ وإلى أى درجة يمكن أن يؤدى إلى إنهاء فكرة «الوسيط الإعلامى» التقليدى لصالح شكل أكثر خطورة وخفاءً من السيطرة على الوعى؟ 

- الذكاء الاصطناعى، فى النهاية، هو أيضًا مجرد أداة. يمكن أن يُستخدم ضمن إطار أخلاقى يحقق فوائد هائلة للبشرية، ويمكن فى المقابل أن يُستخدم فى التضليل والتزييف وصناعة الوهم.

لكن التحدى الأكبر فى الذكاء الاصطناعى أنه يتجاوز فكرة «الوسيط الإعلامى» أو «الأداة» بالمعنى التقليدى، فلا يمكننا حتى الآن أن نتصور إلى أى مدى قد يصل تأثيره إذا استمر تطوره لعشرات السنين، أو كيف سيعيد تشكيل العالم خلال السنوات المقبلة.

المؤكد أنه سيكون أداة فائقة القدرة على التأثير فى صناعة واقع مختلف. وفى المجال الإعلامى، تحديدًا، أتصور أنه سيكون مؤثرًا بصورة غير مسبوقة، ليس فقط باعتباره وسيلة لإنتاج الصور والفيديوهات أو تسهيل التغطيات التى يصعب على الإنسان تنفيذها، أو توفير الوقت والموارد التى كانت تُستهلك لأيام وربما لشهور لإنتاج مشاهد معينة تُصنع الآن فى ثوانٍ معدودة. هذه، فى رأيى، تبقى مسائل تقنية.

أما الأخطر، فهو احتمال أن ينفلت الذكاء الاصطناعى من السيطرة البشرية. حتى هذه اللحظة، لا يزال الذكاء الاصطناعى يتبع أوامر الإنسان وتعليماته. لكن الخطر الحقيقى يبدأ عندما تتحول هذه الأنظمة إلى كيانات قادرة على اتخاذ قرارات بمعزل عن الإرادة البشرية.

لذلك أعتقد أن هناك خطرًا حقيقيًا وكبيرًا، ولهذا كان إصرارى واضحًا على تخصيص الفصل الأخير من الكتاب للذكاء الاصطناعى. حاولت فيه أن أشير بوضوح إلى أن كل القواعد التى تحدثنا عنها فى «حروب الشاشات»، أو فى استراتيجيات الإعلام الدولى، أو فى صناعة الصورة والسردية والتضليل، قد تصبح مختلفة تمامًا فى عصر الذكاء الاصطناعى، لأن الأمر قد لا يحتاج مستقبلًا سوى إلى توجيه بشرى بسيط، وربما- فى مراحل أكثر تطورًا- من دون أى تدخل بشرى مباشر، لصناعة صورة زائفة متكاملة، أو سردية كاملة ومقنعة، أو واقع بديل شديد الإحكام. ولهذا أرى أننا يجب أن نتعامل بحذر بالغ مع ما ينتجه الذكاء الاصطناعى، ليس فقط على مستوى الصور والفيديوهات، وإنما- وهذا هو الأخطر- على مستوى الأفكار نفسها.

فالخطر ليس فقط أن يصبح الذكاء الاصطناعى بديلًا عن الإنسان فى بعض الوظائف، بل أن يتحول إلى المصدر الأهم للحقيقة، والقارئ الأهم للعالم. هناك أجيال كاملة بدأت تُسلّم ثقتها بالكامل لما يقوله الذكاء الاصطناعى، وتلجأ إليه فى كل تفاصيل حياتها، بما يؤدى تدريجيًا إلى تعطيل أدواتها النقدية وقدراتها الذهنية.

وأنا أتمسك كثيرًا بفكرة «العقل النقدى» باعتبارها وسيلة أساسية للحفاظ على الوعى البشرى. لكن ما يحدث الآن أن كثيرًا من العقول بدأت تتنازل طواعية عن مهاراتها ومواهبها وقدرتها على التفكير والتحليل لصالح الذكاء الاصطناعى؛ يفكر بدلًا منها، ويقترح بدلًا منها، بل ويتخذ عنها قرارات فى أمور معقدة. وأعتقد أن هذا هو الخطر الحقيقى على الحقيقة الإنسانية ذاتها. أتوقع أن يتحول الذكاء الاصطناعى مستقبلًا إلى صانعٍ للسرديات، وصانعٍ لواقع متكامل وشامل، واقع قد يصبح من الصعب على العقل البشرى نفسه أن يميز فيه بين الحقيقى والمصطنع، أو بين ما جرى بالفعل وما تمت صناعته رقميًا بإحكام شديد.

■ بعد كل ما يطرحه الكتاب عن الانحيازات وصناعة الإدراك والتلاعب بالسرديات، كيف يمكن للمتلقى اليوم أن يتحقق مما يراه ويقرأه فعلًا، وسط هذا الكم الهائل من الروايات المتصارعة والمحتوى المصنوع باحتراف؟

- أتصور أن هذه المسألة ترتبط بما يُعرف فى علوم الإعلام بـ«التربية الإعلامية» أو «محو الأمية الإعلامية». بمعنى أنه يجب تعليم وتوضيح كيفية عمل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى للجمهور العادى، حتى يدرك الناس كيف تعمل هذه الأدوات، وما هى التقنيات والأساليب التى تستخدمها فى التأثير والتوجيه، وربما فى التلاعب والتضليل أحيانًا.

بناء الوعى هنا مسألة شديدة الأهمية، لأن إدراك خطورة هذه المنصات وآليات عملها أصبح ضرورة، وليس رفاهية ثقافية أو فكرية. لكن المشكلة، كما أشرت سابقًا، أن هناك مقاومة أحيانًا لفكرة الاعتراف أصلًا بأن هذه المنصات قد تمارس التضليل أو التزييف، وهذه فى حد ذاتها مسألة خطيرة للغاية.

ثم إن المشكلة لا تتوقف عند حدود الاعتراف بالخطر، بل تمتد إلى غياب الأدوات المعرفية والنقدية التى تمكن المواطن العادى من التعامل مع هذا الكم الهائل من المحتوى. فهناك افتقار واضح لدى قطاعات واسعة من الجمهور إلى المعرفة الكافية التى تساعدهم على التمييز بين المعلومات، وعلى تحليل ما يُقدَّم لهم.

ولهذا، فإننى دائمًا- فى محاضراتى ولقاءاتى مع الطلاب والمتدربين وفى الندوات العامة- أنصح بتنويع مصادر المعرفة. بمعنى ألا يقع الإنسان فى فخ الاعتماد على مصدر واحد لتلقى كل المعلومات والآراء، لأن الاعتماد على مصدر واحد يجعل الإنسان أسيرًا لرؤية واحدة وزاوية واحدة للحقيقة، وكذلك بضرورة امتلاك القدرة على الفرز والتحليل، أى الاستخدام الواعى والجيد لوسائل الإعلام، لا التعامل معها بوصفها مصدرًا نهائيًا ومطلقًا للحقيقة، فضلًا عن ضرورة العودة إلى الاعتماد على وسائل الإعلام الاحترافية والمنصات المهنية. صحيح أن الإعلام الاحترافى ليس معصومًا من الأخطاء أو حتى من محاولات التوجيه أحيانًا، لكنه يظل أكثر التزامًا بالمعايير المهنية والأخلاقية، كما أن مساحة التضليل فيه تظل- فى الغالب- أضيق بكثير من المنصات المفتوحة التى لا تخضع لأى ضوابط حقيقية.

وأخيرًا، وهو الأهم فى تقديرى، التمسك بالعقلية النقدية، أى قدرة الإنسان على التساؤل، والمراجعة، وعدم التسليم بكل ما يُقدَّم إليه باعتباره حقيقة مطلقة ونهائية. يجب أن يكون لدى المتلقى إدراك بأن الحقيقة الإعلامية غالبًا ما تكون متعددة الزوايا، وليست صورة واحدة جامدة.

■ صدرت لك مؤخرًا رواية «جلوكوما» وهى الثالثة فى أعمالك الروائية.. فما هو المختلف فى هذه الرواية ؟ وإلى أى مدى يمثل عنوان «الجلوكوما»؛ المرض الذى يصيب العين ويؤثر على الرؤية، مفتاحًا لفهم مضمون الرواية؟ 

- أعتبر رواية «جلوكوما» مغامرة حقيقية على أكثر من مستوى، لأنها تختلف تمامًا، سواء فى أجوائها أو فى طبيعة عالمها السردى، عن الروايتين السابقتين؛ «رواق البغدادية»، و«آرنكا».

فى الروايتين السابقتين كانت أزمة الأبطال مرتبطة- بدرجات متفاوتة- بالتفاعل مع الواقع الخارجى والعالم المحيط. أما فى «جلوكوما» فنحن أمام أزمة داخلية بالأساس. بطل الرواية شخص معروف وناجح اجتماعيًا، يعتمد بدرجة كبيرة على حضوره الشخصى والاجتماعى، لكنه يكتشف فجأة أنه مصاب بحالة نادرة ومتقدمة من «الجلوكوما»، أى ما قد يقوده تدريجيًا إلى فقدان البصر.

وهنا تبدأ رحلته الحقيقية؛ رحلة الارتداد إلى الداخل، إلى الذات. يكتشف أن العمى لم يكن يقترب منه فقط من الخارج، بل كان يسكنه من الداخل منذ زمن طويل. وأن المشكلة لم تكن فى فقدان البصر وحده، وإنما فى غشاوة الرؤية تجاه حياته وماضيه وعلاقاته ومحطات عمره المختلفة.

ومن هنا تنطلق الفكرة الإنسانية الأساسية فى الرواية: أن العمى الحقيقى ليس بالضرورة عمى الأبصار، وإنما عمى البصيرة. 

وأعتقد أن هذا المعنى الإنسانى كان حاضرًا بقوة أثناء كتابة الرواية.

كذلك، تمثل «جلوكوما» مغامرة على مستوى السرد نفسه. فأنا أؤمن بأن الكاتب يجب، من وقت إلى آخر، أن يتمرد على ذاته وعلى أدواته المعتادة. بدأت فى «رواق البغدادية» بمساحة تمزج بين التاريخى والواقعى، ثم جاءت «آرنكا» مختلفة نسبيًا من حيث تعدد الأصوات وتقنيات السرد، لكن فى «جلوكوما» نحن أمام تغيير كامل تقريبًا: منهج مختلف، وبناء مختلف، وتقنيات سردية مختلفة.

لهذا أستطيع القول إننى تمردت على نفسى فى هذه الرواية، وغامرت كثيرًا، حتى على مستوى طريقة الإعداد والاشتغال على النص. وربما لهذا استغرقت وقتًا أطول مما توقعه بعض الأصدقاء أو القراء، لكننى لا أؤمن أصلًا بأن الرواية يجب أن تخضع لسلطة الزمن أو لفكرة الإنتاج المنتظم.

نحن هنا لا نتحدث عن عمل صحفى مرتبط بموعد مطبعة أو جدول نشر ثابت. فى تقديرى، الروائى لا تحكمه إلا سلطة اقتناعه بما يكتب، واستمتاعه به، وشعوره بأنه يقدم شيئًا مختلفًا وحقيقيًا.

ولهذا كنت، أثناء كتابة «جلوكوما»، أتعمد التمرد على الأدوات التى ربما اعتادها القارئ فى أعمالى السابقة. كنت أكتب وأنا مقتنع بأن على الكاتب ألا يتحول إلى نسخة مكررة من نفسه.

■ تشترك روايتاك «رواق البغدادية» و«آرنكا» فى ربط الماضى بالحاضر، فما الذى يدفعك للعودة الدائمة إلى التاريخ؟ وكيف ترى العلاقة بين العملين؟

- صحيح أن «رواق البغدادية» و«آرنكا» تشتركان فى فكرة أعتبرها شديدة الأهمية، وهى تأثير الماضى. والحقيقة أننى ما زلت مقتنعًا، حتى فى «جلوكوما»، بأن الماضى يظل حاضرًا، بطريقة أو بأخرى، فى تشكيل حياة الإنسان ومصيره. أنا مؤمن تمامًا بأن الإنسان هو ابن ماضيه، وأنه لا يستطيع الانفصال عنه. بل أعتقد أن الماضى يصنعنا أكثر بكثير مما نتخيل، ويتحكم فى مستقبلنا بعمق أكبر مما نتصور. فالتاريخ بالنسبة إلىّ ليس مجرد حكايات أو وقائع حدثت وانتهت، وليس مجرد سرد لأحداث مضت، وإنما هو أداة لفهم الواقع واستشراف المستقبل.

هناك دائمًا هذا الإحساس بأن ما نجهله فى حاضرنا ربما نجد تفسيره فيما لم نقرأه جيدًا من التاريخ. وكأن التاريخ يحمل، بصورة أو بأخرى، إجابات لما يجرى حولنا الآن، وربما أيضًا لما يمكن أن يحدث لاحقًا. ولهذا أنا مقتنع بأن القراءة الصحيحة للتاريخ تساعدنا على فهم واقعنا بصورة أفضل، وتمكننا كذلك من التعامل مع المستقبل بوعى أعمق.

ومن هنا يظل التاريخ حاضرًا بالنسبة لى، سواء على المستوى الفردى، أى فى تشكيل مصائر الأشخاص، أو على المستوى الجماعى المرتبط بالمجتمعات والشعوب والحضارات. وأنا متمسك دائمًا بفكرة تأثير الماضى وتأثير التاريخ، لأن كثيرًا مما يبدو غريبًا أو صادمًا فى واقعنا السياسى والاجتماعى والثقافى وحتى الحضارى المعاصر، أتصور أن له جذورًا وإجابات كامنة فى التاريخ.

لكننى، فى الوقت نفسه، أرى أن الرواية ليست وثيقة تاريخية، ولا ينبغى التعامل معها كذلك. هى قراءة فنية وإنسانية للتاريخ، وليست إعادة إنتاج حرفية له. ولذلك أرفض دائمًا الخلط بين الرواية التاريخية وبين الكتابة التاريخية الأكاديمية.

لكن رغم ذلك، يظل التاريخ بالنسبة لى مصدرًا شديد الأهمية، وأعتقد أننى سأعود إليه مرة بعد مرة، إذا امتد العمر واستمرت القدرة على الكتابة. لأن هناك مفاصل كثيرة فى التاريخ أشعر بأنها لا تزال قادرة على تفسير ما يحدث حولنا اليوم، بل وربما تمنحنا رؤية إنسانية أكثر اتساعًا وعمقًا مما نتصور.

كيف يمكن تربية هذا الجيل عمليًا على هذا الوعى المزدوج؛ استخدام الشاشات مع عدم الثقة بها؟

- أنا فى الحقيقة لا أدعو إلى فكرة «عدم الثقة» بالمطلق، وإنما أدعو إلى الحذر، وهناك فارق كبير بين الأمرين. أدعو إلى اتخاذ كل أدوات الحيطة فى التعامل مع منصات التواصل الاجتماعى وما تبثه الشاشات، خاصة الشاشات الذكية. لكن فى النهاية، هذه أدوات العصر؛ موجودة ومؤثرة وتنتشر بقوة، خصوصًا بين الأجيال الشابة، سواء جيل ألفا أو جيل «زد» وفق التصنيفات الغربية، مع تحفظى أصلًا على هذه التصنيفات لأنها لا تنتمى بالضرورة لثقافتنا.

المسألة تحتاج إلى عقل نقدى دائم وعدم تصديق مطلق لأى محتوى يُقدَّم باعتباره الحقيقة الكاملة. فمن الممكن أن يتحول الإنسان إلى أداة تُستخدم فى التوجيه والتسويق وصناعة القناعات، ولدينا أمثلة تاريخية ومعاصرة على ذلك فى أكثر من سياق.

ما يُقدم عبر وسائل التواصل أخطر مما يبدو؛ فليس مجرد ترفيه أو تواصل، بل اختراق مباشر للعقل عبر محتوى لم يعد يمتلك أدوات كافية لفرزه أو نقده. ورغم أن الإعلام التقليدى كان يمارس تأثيرًا أيضًا، فقد كان يخضع لمعايير مهنية ومساحات أوسع للتعدد، وكانت العقول أكثر قدرة على الفرز، بينما اليوم أصبحت المنصات الرقمية تمارس حصارًا شاملًا يجعل العقول مستهدفة وأقل نضجًا وأضعف فى التعامل مع هذا المحتوى الذى يحاصر الشخص بشكل أو بآخر. ومع تعدد مستويات الإعلام من الإخبار إلى التأثير فى السلوك، نصل اليوم إلى مرحلة تغيير القناعات وأنماط الحياة بشكل غير مسبوق، عبر ما يشبه «ثقافة القطيع» التى تخلق شعورًا زائفًا بالرضا والانتماء دون وعى بالوجهة أو الهدف.