جريمة القرن.. أستاذ علم النفس الاجتماعى جوناثان هايدت: اختراق وسائل التواصل الاجتماعى حطم انتباهنا
- وسائل التواصل الاجتماعى تستخدم حيلًا متنوعة لدفع الأطفال للإدمان
- ما منطقية أن يكون أصحاب شركات التواصل الاجتماعى بكل ما يسببونه من أذى للأطفال بمنأى عن المحاسبة؟
- أسوأ طريقة للتواصل هى نشر شىء للعامة وتلقى تعليقات الناس عليه فهذا يسبب القلق ولا يجعل الناس يشعرون بالتواصل الحقيقى
حقق كتاب «الجيل القلِق: كيف تتسبب إعادة تشكيل الطفولة فى وباء من الأمراض النفسية» أعلى المبيعات منذ نشره قبل عامين، ولم يتراجع تأثيره حتى اليوم. وبصفته باحثًا ومؤلفًا يحظى بشعبية واسعة، يرى أستاذ علم النفس الاجتماعى جوناثان هايدت أن شركات وسائل التواصل الاجتماعى قد أطلقت العنان لما هو فى الأساس خطر «مغير للعقل» فى حياة الأطفال.
فى البداية، قابل النقاد عمل هايدت بنوع من التشكيك والازدراء، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتقاد البعض فى هذا المجال بأنه لم يوفق تمامًا فى إثبات بعض ادعاءاته، ولكن السبب الأكثر شيوعًا هو أنه بدا للبعض كشخص يثير الذعر، أو «عدو للتقنية» يتذمر من «أطفال هذه الأيام وأجهزتهم». ولكن مع تراكم الأدلة على الأضرار؛ من العزلة الاجتماعية إلى التدهور الحاد فى الصحة النفسية، أصبح كتاب هايدت، بالنسبة للكثيرين، مرجعًا لا غنى عنه.
جاء هذا الحوار، الذى أجرته صحيفة «النيويوركر» والذى تترجم «حرف» أجزاء منه، لمراجعة أفكار الكتاب والتداعيات السياسية والاجتماعية له، والتى امتد أثرها عبر العالم.

■ لقد وضعت اسمًا لهذه الفترة بين ٢٠١٠ و٢٠١٥، وأطلقت عليها «إعادة الصياغة الكبرى» للطفولة. ما الذى يحدث إذن، بالمعنى التفصيلى؟
- ما أقصده بـ«إعادة الصياغة الكبرى» هو التالى: اليوم الذى تستبدل فيه بهاتفك التقليدى الهاتف الذكى، ويكون لديك كاميرا أمامية، وإنستجرام، هذا هو اليوم الذى يمكن فيه لهذا الجهاز أن يصبح سيدك. الكثير من الأطفال أكثر عرضة لهذه الفكرة: «عندما يصبح التفكير صعبًا، أبدأ فى البحث عن الترفيه». أنا شخصيًا أفعل ذلك؛ عندما أحاول كتابة شىء ما ويكون الأمر صعبًا، أقول: «دعنى ألقى نظرة على الطقس. ما الموجود فى بريدى الإلكترونى؟». إننى أبحث عن أى شىء أكثر إثارة وأسهل من الشىء الذى أحاول القيام به. لكننى أمتلك قشرة مخية جبهية مكتملة التكوين، بينما المراهقون لا يملكون ذلك؛ فقشرتهم لا تزال فى طور الطفولة، وليست جيدة جدًا فى التحكم، لذا، طالما أن لديك كل هذه الألعاب والأشياء المثيرة التى تحدث على هاتفك، فسوف يستدرجك بعيدًا.
وبمجرد حصولنا على وسائل تواصل اجتماعى «فائقة الانتشار» فى عامى ٢٠٠٩ و٢٠١٠، تغيرت أمور كثيرة. الآن لم يعد الأمر مجرد «أنا أشعر بالملل، دعنى ألعب لعبة فيديو»، بل أصبح «هاتفى يرسل لى إشعارًا يقول: شخص ما ذكرك فى صورة، شخص ما أشار إليك فى صورة، شخص ما قال شيئًا عنك، شخص ما أعجب بمنشورك». لقد أعطينا هذه الشركات مدخلًا للتحكم فى أطفالنا والتلاعب بهم، وإرسال إشعارات إليهم وقتما شاءوا. ويبدو أن الأطفال لا يغلقون الإشعارات، بل يتركونها مفعلة.

■ ما تصفه هو تغيير فى الوعى البشرى؟
- صحيح، وهناك تاريخ طويل من الدراسات الممتعة حول كيفية تغيير الأدوات لوعينا؛ فالأدوات تغير وعينا بكيفية ارتباطنا بالعالم. تحدث منظرو الإعلام فى القرن العشرين عن كيف أن التلفاز يجعلك أكثر سلبية؛ تجلس، وتشاهد، وتستمتع، ويصبح كل شىء متمحورًا حول الترفيه. لذا، عندما تحصل على تغيير فى التكنولوجيا، سواء كان تغييرًا فيما نفعله أو كيف نتواصل أو كيف يمكننا التأثير فى العالم، فإن ذلك يغير وعينا.

■ يُستشهد بكتابك باعتباره أحد مصادر الإلهام لبعض القوانين الجديدة التى تحاول حماية الأطفال من وسائل التواصل الاجتماعى. فهناك قانون كبير أُقرّ فى أستراليا، كما بدأت مؤخرًا محاكمة فى ولاية كاليفورنيا ضد شركات التواصل الاجتماعى. هل تشرح لى ما الذى يجرى؟
- هذا صحيح. لقد مُنحت هذه الشركات حصانة شبه شاملة من المسئولية عن أفعالها منذ تسعينيات القرن الماضى. فالمادة ٢٣٠ من «قانون آداب الاتصالات» تنص على أنه لا يمكننا مقاضاة «ميتا» أو «تيك توك» بسبب ما ينشره شخص آخر على منصاتهما.
فى الواقع، كان الهدف هو تحفيز الشركات على ممارسة الرقابة. كانت هذه الشركات تخشى أنه إذا قامت بحذف أى محتوى، فستصبح مسئولة عن كل قطعة محتوى على منصاتها. لذلك قال الكونجرس: «احذفوا المواد الإباحية ولا تقلقوا، لن يتمكن أحد من مقاضاتكم إذا أبقيتم شيئًا آخر». كانوا يريدون منحها حرية أكبر فى التصرف.

كانت الفكرة جيدة فى الأصل، لكن المحاكم فسّرتها بشكل واسع جدًا. وهكذا أصبح لديك كل هؤلاء الآباء الذين فقدوا أبناءهم، وفى كثير من الحالات يكون الأمر واضحًا تمامًا. أعنى، طفل تعرّض للابتزاز الجنسى عبر «سناب شات»، وتوفى فى الليلة نفسها. لم يكن ذلك مجرد ترابط، بل علاقة سببية مباشرة. أو فتاة سعيدة فى الحادية عشرة من عمرها، تنضم إلى إنستجرام، وبعد أسابيع قليلة تبدأ فى الإصابة باضطراب فى الأكل.
لذلك، لديك كل هؤلاء الآباء الذين قُتل أبناؤهم أو تضرروا، ولم يحصل أىٌّ منهم على العدالة. لم يتمكن أىٌّ منهم حتى من مواجهة شركة «ميتا» فى المحكمة. لم تمثُل «ميتا» يومًا أمام هيئة محلفين. ولا أى من هذه الشركات واجهت هيئة محلفين، لأنهم يواصلون القول: «المادة ٢٣٠، لا يمكنكم المساس بنا». فما منطقية أن يكون صانع أحد أكبر المنتجات الاستهلاكية فى العالم، وهو المنتج الذى يستخدمه معظم الأطفال، والذى يبدو أنه يسبب الأذى بل والموت لكثير منهم، بمنأى عن المحاسبة؟

■ هل لديك أى أرقام بهذا الخصوص؟
- نعلم من شركة «سناب» أنهم تلقوا عشرة آلاف بلاغ عن ابتزاز جنسى من مستخدميهم فى عام ٢٠٢٢. ولم يكن ذلك عشرة آلاف فى السنة، بل عشرة آلاف فى الشهر. وكما قالوا هم أنفسهم، ربما يكون هذا مجرد قمة جبل الجليد، لأن معظم الناس لا يبلّغون. والفتيان الذين ينتحرون لا يبلغون أيضًا. ومع دخول الذكاء الاصطناعى فى أتمتة الابتزاز الجنسى، فإن هذه الأرقام من المتوقع أن ترتفع بشكل هائل.
وعندما ننظر إلى الأضرار المتعلقة بالصحة النفسية، نجد عادة أن ما بين ٢٠ و٣٠ فى المئة من الفتيات يقلن: «لقد أضرّ ذلك بصحتى النفسية». إن حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة كبير إلى درجة يمكن معها افتراض أنه أسهم فى الارتفاع الكبير فى معدلات الأمراض النفسية الذى بدأ فى عام ٢٠١٢.

صُممت وسائل التواصل الاجتماعى لتسبب الإدمان، ولزيادة التفاعل إلى أقصى حد. إنهم يستخدمون حيلًا متنوعة تهدف أساسًا إلى دفع الأطفال للإدمان.
على سبيل المثال، على هاتف آيفون، عندما نسحب الشاشة إلى أسفل، فى تفقد البريد الإلكترونى، فإنها ترتدّ قليلًا إلى أعلى وتظهر رسائل جديدة. هذا السلوك مُقتبس حرفيًا من آلات القمار، مصمم ليعطى المستخدم شعورً ا بالمقامرة.

■ أعمل مع كثير من الأشخاص فى العشرينات والثلاثينات من أعمارهم، وعندما طرحت كتابك بدا لبعضهم أنه كتاب يوجّه اللوم أو يتخذ موقفًا متشددًا؛ مجرد نسخة أخرى من فكرة «هذه هى مشكلة الأطفال هذه الأيام مع موسيقاهم الصاخبة» أو «كل شىء كان أفضل فى الماضى». وهو نفس النوع من النقد الذى كان يمكن أن يوجَّه للتليفزيون من جيل نشأ على الراديو؟
- نعم، الحجة الأساسية التى أسمعها دائمًا هى: «هذا مجرد ذعر أخلاقى جديد حول أى تقنية يستخدمها الأطفال»، وهى حجة مشروعة تمامًا. لكن علىّ أن أُثبت لماذا هذه المرة مختلفة.
الفرق الأساسى الذى أراه الآن هو الآتى: الشاشات موجودة منذ فترة طويلة، وهى وسيلة جيدة لعرض القصص، ولها دور فى التعليم. إذا شاهدت فيلمًا مع طفلك، فهذا أمر جيد. قصة طويلة على شاشة، تُشاهد من مسافة، شىء رائع.
لكن هذا ليس ما نتحدث عنه هنا. الفرق هو «التكييف السلوكى» القائم على التعزيز. مع التليفزيون، لا توجد حلقة تعزيز قائمة على المنبه والاستجابة. أنت تشاهد، تستمتع، وربما تنغمس فى القصة. إنها حالة ممتعة جدًا أن تنغمس فى قصة خيالية جيدة، هذا ما يفعله الفن، فهو يخرجنا من ذواتنا إلى عالم متخيل، وهذا شىء رائع.

لكن عندما تعطى طفلك جهازًا بشاشة تعمل باللمس، يكتشف الطفل بسرعة أنه كلما لمس شيئًا يحصل على شىء آخر، ثم يبدأ فى التعلم كيف يلمس ليُحسّن ما يحصل عليه. وهذا «الحصول» هو دوبامين سريع.
لذلك، عندما يقول البعض: «هذا مجرد ذعر أخلاقى مثل ما حدث مع الكتب المصوّرة (الكوميكس)» فالأمر مختلف تمامًا. أنا عرضت نتائج استطلاعات تقول إن الأطفال أنفسهم يقولون: هذا يضرّنا، ويقولون: نتمنى لو لم يكن موجودًا. نصفهم تقريبًا يتمنى لو لم يكن «تيك توك» قد وُجد أصلًا. لم يكن أحد يقول ذلك عن الكتب المصوّرة.
لذا أنا أفهم لماذا يظن البعض أن هذا مجرد رجل عجوز يلوّح بقبضته فى الهواء، لكن هذه المرة مختلفة فعلًا، وبشكل كبير جدًا.

■ موضوعك مرتبط بأمر يقلقنى كثيرًا، وهو تراجع القراءة؟ نحن نرى كل هذه المعلومات والإحصائيات حول عدد الأشخاص الذين لم يقرأوا كتابًا واحدًا طوال العام الماضى؟
- نعم، فى الواقع، أعتقد الآن أن هذا هو الضرر الأكبر. عندما كنت أؤلف كتاب «الجيل القلِق»، ركزت على ضرر الصحة العقلية والنفسية لأن الأدلة هناك كانت هى الأقوى. وقد ذكرتُ تشتت الانتباه والإدمان، لكننى لم أسهب فيهما. وعندما صدر الكتاب، بدأ الجميع يتحدثون عن عدم قدرتهم على التركيز. والأمر لا يقتصر على الأطفال؛ حتى البالغون بدأوا يقولون إنهم لا يستطيعون التركيز.
الناقل العصبى الرئيسى هنا هو الدوبامين. ونحن نريد لأطفالنا أن يختبروا الكثير من «الدوبامين البطىء»، وهو مثلًا أن يحاول الطفل بناء بيت فوق شجرة، فيفشل فى البداية، ثم يحرز بعض التقدم، فيشعر بشعور جيد، مما يحفزه للعمل بجد أكبر، ثم يفشل مجددًا. وبمرور الوقت، ينهى العمل فى النهاية، ويشعر بالسعادة والرضا أخيرًا، هكذا تربى شخصًا ناضجًا، تمنحه الكثير من تجارب الدوبامين البطىء، فيتعلم كيف يضع الأهداف ويسعى لتحقيقها.

وإليك كيف تقوض ذلك: اجعل «الآيباد» متاحًا لكل طفل منذ سن الثانية. ما سيتعلمه الطفل لا شعوريًا وبسرعة هو أنه ينظر إلى شىء ما، وفى غضون ثمانى ثوانٍ سيعرف ثم ينتقل إلى شىء آخر، هذا مثير للاهتمام نوعًا ما، لكنه دوبامين سريع.
وهذه هى التجربة التى عاشها شباب اليوم منذ ولادتهم. الأطفال يُعطون أجهزة الآيباد بشكل روتينى وهم لا يزالون فى عربات الأطفال.

■ كيف نحافظ على بعض التواصل الحقيقى والمجتمعى الذى يجده الشباب عبر الإنترنت بالفعل؟
- شكرًا لسؤالك هذا، لأن هذه واحدة من الحجج الرئيسية التى أواجهها، وهى: «الحمد لله على وجود وسائل التواصل الاجتماعى! كيف كان بإمكانهم التواصل لولاها؟ كيف كان بإمكانهم العثور على المعلومات؟». وردى على ذلك هو: نعم، يحتاج الأطفال والشباب إلى التواصل، وأفضل طريقة للتواصل هى التواصل وجهًا لوجه. وثانى أفضل طريقة هى عبر الهاتف أو «زووم» أو «فيستايم». أما أسوأ طريقة للتواصل فهى نشر شىء ما وجعله متاحًا للعامة وتلقى تعليقات الناس عليه؛ فهذا يأتى بنتائج عكسية، ويسبب القلق، ولا يجعل الناس يشعرون بالتواصل الحقيقى.

ما وجدته من خلال حديثى مع طلابى ومع الشباب هو أنهم يخشون أن يُنظر إليهم كأشخاص «غريبى أطوار» إذا لم يمتلكوا حسابًا على «إنستجرام»، لأن الجميع لديهم «إنستجرام» و«سناب شات»، ولكن فى الواقع، أولئك الذين استغنوا عنها، عندما يتحدث معهم أقرانهم، غالبًا ما يقولون لهم: «واو، أتمنى لو كان بإمكانى فعل ذلك.. أخبرنى، كيف تشعر؟».

■ كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعى علينا جميعًا، فى سياق ما كنا نتحدث عنه؟
- اخترقت وسائل التواصل الاجتماعى انتباهنا واستحوذت على معظمه. يقول ما يقرب من نصف الشباب إنهم متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم. إذن وسائل التواصل أخذت معظم انتباه البشر، ليس فقط الأطفال بل البالغين أيضًا، وإن كان بدرجة أقل. وهذا ينبغى أن يكون «جريمة القرن»، لأنه مُنهِك للغاية.
لكن الذكاء الاصطناعى سيكون أسوأ بكثير، لأنه سيخترق «التعلّقات» لدينا. لدينا نظام تعلّق بين الوالد والطفل، ويحتاج الرضيع من خلال تبادل متكرر، أخذ وردّ، إلى تفاعلات متبادلة. أنت تفعل شيئًا، والطفل يرد، ثم ترد عليه أنت. هذا ما يُطوّر الدماغ. وهذا ما يُشكّل النماذج الداخلية للعلاقات. إذا نشأ الطفل على تعلق آمن، فإنه يصبح مهيأً لعلاقات عاطفية مستقرة فى مرحلة البلوغ.

لدينا اليوم روبوتات محادثة تسببت فى وفيات. نعرف بالفعل حالات لأطفال تم دفعهم إلى الانتحار أو على الأقل تم تشجيعهم على ذلك وإخفاء الأمر. ونحن الآن سنربّى أطفالنا مع هذه التكنولوجيا. ستكون جيدة جدًا فى الترفيه عنهم، بينما نحن جميعًا منشغلون لأن لدينا الكثير من الأشياء على هواتفنا.







