عزت عامر.. شاعرٌ بمقام جيل
لوحات للفنان حامد ندا
النشيد الأول
ارتبطْ بخطوات الرقص تلك يا قلبى
فإنها تحطم سريعًا هذه الأتربة الكثيفة
تحملك إلى القبة حيث الصوت والصدى
الكرة البلورية فى وسط الخيمة
والفارس ذو الرداء الطائر فى الصحارى
إننى أرقص بلا مهارة لأنى وجدتُ الحب
من الخلف رأيت جمالَ الحفل ومن الأمام
وسمعتُ ضربات قدمى على الحلبة
بعد أن كف أمهرُ الراقصين
أهديكِ أيتها الجالسة فى صمت ووحدة
تلك الخطوات البرية
كالمهر الذى يتعلم كيف يقف
إن صهيلى غطى على أعتى الأفراس
لا تسجلوا تلك الرقصات التى أرتجلها
لن تقدروا على مجاراتى
ولن أندم على الصدى الذى ضاع
كالطائر البرى نشتهيه ولا نمسكه
يدور صوتى وشكلى أمام من أحب
لأنها اللحظة التى نثمل فيها
من أرمق الأبعاد تلاقت عيوننا
فعرفت أننا نرقص نفس الرقصة
على نفس الحلبة
فصرخت بكل عنف الرجولة وشبق التلاق:
ارتبط بخطوات الرقص تلك يا قلبى
النشيد الثانى
على قمة البركان فوهة الدهشة
كلٌّ يحرس نعشَه
لأنّ الأسرار كثيرة وهائلة
وأنا الحاصد الوحيد فى آخر الليل
صنعتُ لدارى سياجًا
ولمدينتى أبراجًا وصواعق
وقالت الأسطورةُ : تحجّر الباعةُ فى الأسواق
وقالت الجَدةُ : الأمير أصبح تمثالًا ذهبيًا
وقال فيلسوفُ العصر: تركونى متخشبًا
فكتبتُ أنا الحارس كل ما سمعت
وأنا الحارس احترست
إنها تأتى من أقرب الجحور، تلك الحية
إنها تقذف اللا وعى أمامها
وفجأة يسرى سُمّها
قبل أن نراها يسرى سُمّها
لا أريد أن أرى القناع
والعيونَ التى تتحرك ببطء مرعب
فصرختُ فى كل الأرجاء صرختى
ورأيت الوادى بلا زواحف
وقفلت فوهة الدهشة على نفسى
وأقفلت فوهة الدهشة على نفسى
لأعوم فى البحور الدفيئة ليلة شتائى
فى داخل البركان الصامت بحر لا يهدأ
النشيد السابع
صفية تزينتْ فى الظهيــرة ونـــزلت إلــــى النــــبع
أسفل لحن تساقط المياه والألوان اضجعت
تطل على غرائب البحيرة فى الظهيرة
تلك الجدائل التى تنتهى بفص متلألئ
والعيون التى لا تشبع من الرؤية
تحاول صفية أن تنزلق بقدمها الصغيرة
على رخام الأعماق حيث الورود والبراعم
لا اليخوت ولا السفن العابرة للمحيط
تتطلع لأن تحمل فى يوم ما
كل هذه العطور من الشرق
النبع، هذا الذى أبكى زوجات الصيادين بعنفه
يترنح برفق بين أصابع صفية
لأنها لا تقف على أفريز نافذتها تجادل الكسالى
بل تصنع من أيام فرحها أكاليل الغربة
فى الشمس التى تفضح ترانيم الغزل
تصنع للمحبين ملاحم جديدة
تحدد الظل الذى ينكره الجميع
تحيل رؤى صفية إلى لون واحد بكل درجاته
على قمة منحدرات المياه
وفى الأعماق التى تتلقى بحنان
شتى التساؤلات
النشيد الثامن عشر
أشجار الصفصاف تميل على شاطئ النهر
والمرأة ذات العين الواحدة تعمل حارسة
هل هى الوصية أم الأم الحاسدة؟
فى الصباح أعطتنى حبيبتى
لبنًا وقشدة
وفى الحديقة الخلفية غنت عن القمر والساقية
فحكيت لها عن أعماق النهر والأشرعة
عن الفلاحين والصيادين والأجراء
لم أطلب منها أن تحزن لكنها بكت
هناك خداع الكبار وأكاذيب المجلس
فجذبت حبيبتى إلى شجرة مائلة على النهر
وصنعت الفروع كوخًا وزينة
استمعنا قليلًا لموسيقى الأمواج والطيور
ثم حكينا عن أرض مفقودة وأخرى جديدة
فرأينا سحبًا زرقاء غريبة
أعطيت حبيبتى من العسل البرى الذى جمعته
وقلنا لن نفترق ولكننا افترقنا
أتى الصياد وامرأته فصنعا شايًا ورحلا
حكى لى عن الريح المعاكسة والبحر الخالى
وتركنى على الشاطئ الآخر
بلا وداع
فلعنت المرأة ذات العين الواحدة
وكتبت لحبيبتى : أريد أن نلتقى
حيث لا أحد
حيث لا كلمة لا أغانى
فرفضت
النشيد الثالث والعشرون
أغنيتى أرسمها خطوطًا فى الشوارع
أصنعها رقصة بدوية
وأغنيها لصبايا الخالة والعمة
ففى صدرى أرغول متعدد النغم
أنا القانع الغاضب طردت من مسكنى
على القرى دائمًا غمامة مثقلة بدمعى
على الطريق الثانى الذى رفضته
أشواك صدرى الرجولى
وبقايا أرغولى
لمن يتوقف أمام الصخرة حياة أخرى
فخلفها ثلاث ثمار لم تنضج بعد
علمنى حبيبى فك الخط فنسيت اسمى
أعطانى ما آكله فلعبت به
وجه نظرى للنقطة بلا تحديد
فرسمت المنظر باللون المسموح
فى كل لحظة راقب خطواتى
فتعثرت
وتشابهت أمامى كل صخور الجبل
لقد ضاعت الثمار إذ نسيت العلامة
وكان مساء وكان صباح يوم آخر
النشيد العاشر
أوراق العنب مزيج الأحمر والأصفر
فى الشتاء أطلب الدفء تحت شمسها
على أسطح الدور القروية وعرائش الحقل
أجلس فى انتظار القطرات الأولى
لأقطف ما طاب من العنب
لأن هذا موعد حبيبتى المحملة
بكل ما أرغب فيه
وحزن اليمام وحنينه يملأ الساحات
كما تكون العودة بعد الهزيمة
تسير الحيوانات إلى الخلف والناس
على دقات الوحيد الذى تبقى
طم طم ططم ططم
وترحل الطيور إلى الشواطئ البعيدة
وتملأ السلة بالعناقيد الثرية
وتعود حبيبتى فى المساء مرهقة
أصنع لها عصيرًا فتعطينى آهات
بعد الغروب والكل على موائد النور الشاحب
والأطفال بدءوا يتجمعون لألعاب الليل
أطلب من حبيبتى أن نكمل الحديث
ونبدأ بالتدريج فى رحلة مذهلة
تكوينات من النحت وصور زيتية
وحركات غريبة لمن يغوص فى الأغوار
لأن هناك شيئًا سريًا فى السفينة الغارقة
وتطفو على سطح بحيرتنا أوراق عريضة
مزيج من الأحمر والأخضر والأصفر
النشيد الخامس عشر
من الصباح ونحن نضرب أكواز الذرة بالعصى
نحملها إلى المخازن تاركين «القوالح» للنار
إنها تشجعنى أن أعدّ غذاء للجميع
وفى المساء هدايا للكادحين
لم أسألها عن الموتى أين يذهبون
ورفضت أن أبكى عندما بكت
إن النار تشتعل فى قمح الغرباء
وهناك دائمًا لصوص القطن
فهل نبكى على المآسى كما نضحك على الملهاة؟
إن النور والظل أتما رسم ما حدث
واستطالت الأجساد الممدة من الشرق والغرب
وقال الأجداد إنه القدر
ولكنى لا أعرف لهذه الكلمة معنى
وعندما اهتزت أذرعها سمعت رنين الأساور
إنها تريدنى معترفًا بالتشقق
لكن هذا الرعب فى الوجوه هزنى
على النار وضعت أصابعها لتغيظنى
فرأيت دموعها وعرفت أننا نموت
رغم العمل الكثير والحب والزمن
عرفت أننا نموت
ومرت إضاءات الربيع على النوافذ
لتعكس ظلال الأفرع والبراعم
داخل الحجرات
لكننا فى الصمت تعارفنا أكثر
ولم نغن للعمل ولا للحب
النشيد الثامن والأربعون
لى حافظة أوراق وشجرة سنط
وحق ينتهى ببوار
صادقت قاطعى الطريق والنجمة تلمع
وتركنى الجميع والشمس منطفئة
للزوجة أعطيت عشرة أطفال
وجلست صخرى الملامح أرد التحية
أبصق بعنف رجولتى الباقية
على الحقل الذى أنبت شوكى
فى الأسواق اشتغلت مهرجًا ثم تاجرًا
وفى منزلى اشتغلت شحاذًا
تلك الضريرة المتشحة بالسواد
وأنا الآن إذ أجلس وأقف وأبكى
أسجل على الصخر خطى
وألاعن يوم ولدت ويوم أموت ولا أكتفى
كما أى سيد ملأت بالذهب جيوبى
للمهرجان خرجت أبيع وأشترى
منعت أن آكل من خبزى
فجلست أفكر فيما مضى وفيما سوف يأتى
معلق النظر بتلك الضريرة.
النشيد السادس والخمسون
ودارت الأرض فوجدت دارى
فتاتى على حصير وهناك إناء فخارى
أشارت لمعزفى وقلدتنى
تلك الأوتار أتعزف.. أم تئن .. أم تنتشى؟
محاولة طفولية لعبور جسر الجنود
التصوير ممنوع وكل شىء مغلق
ودارت الأرض فوجدت أصل اللحن
إنه فى القنوات والنهر والبحر وكل منابع المياه
إنه فى النور والظلمة والألوان
إنه فى الأنين والتغريد وما بينهما
فابتسمت فتاتى وطلبت قبلة
وابتسمت الشمس واستحقت قبلة
الشوارع مليئة برائحة الحقول
الأناقة والفقر والخرافة والألفة
وحنين فى أقاصى البلاد يطلب اللقاء
وتدور الأرض لتعيد ألحان الحنين
إنها قصة لا تمل من سماعها لجدتها الدائمة
محاولة طفولية لعبور جسر الجنود
ولأنها طفولية فلن تعرف الهزيمة
أنطلق بحرية فى كل مغلق
ومهما تدور الأرض فإننى
أجد نفسى دائمًا أمام دارى.