الثلاثاء 21 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

دليل الهرمونــات.. كيف يتواصل الجسم مع نفسه؟

حرف

- كتاب يقدم دراسة للقوة الاستثنائية للهرمونات وإشارات الحياة التى تشكلنا

- الكتاب الضوء على النظام الهرمونى المعقد وتأثيره على الصحة الجسدية والعاطفية

- جولة إلى عالم الغدد الصماء عبر الهرمونات التى تتحكم فى أدمغتنا وأجسادنا

- الهرمونات تحمل الإشارات التى تتحكم فى كل جانب من جوانب الحياة

الهرمونات هى التى تخطط مسار الحياة. فهى تشكل إنسانًا جديدًا فى الرحم، وتحول المولود الجديد العاجز إلى طفل قوى، وتشعل شرارة البلوغ، وتجرى عملية الإخصاب، وتوجه الانتقال إلى سن اليأس وما بعده.

وفى كل ذلك، يومًا بعد يوم، بل دقيقة بدقيقة، تسيطر الهرمونات على مزاجنا ومستويات التوتر لدينا، وعلى شعورنا بالجوع ووزننا، وعلى تغيرات الرغبة الجنسية وسكر الدم، وعلى الإيقاع اليومى لتوازن طاقتنا ودورة النوم والاستيقاظ.

فى كتابها «الإشارات: القوة الخفية واللغة السرية للهرمونات - دليل علمى لفهم كيفية تواصل الجسم مع نفسه»، تأخذنا الدكتورة سايرة حميد فى رحلة عبر جهاز الغدد الصماء، شبكة التواصل المعجزة فى الجسم، والتى غالبًا ما يساء فهمها، والمكونة من غدد صماء وإشارات هرمونية. 

نادرًا ما نلحظ هذه الإشارات الداخلية التى تنقل الرسائل بكفاءة من خلية إلى أخرى، لأن تأثير الهرمونات على أدمغتنا وأجسادنا جوهرى، لدرجة أننا نشعر بسيطرتها المطلقة وكأنها الحياة نفسها. ولكن عندما يتعطل نظام الإشارات فى الجسم، ندرك لاحقًا أن كوننا «هرمونيين» هو فى الواقع جوهر إنسانيتنا.

الكتاب الذى يقع فى ٣٣٦ صفحة، صدر فى ١٩ مايو الماضى، عن دار نشر «هاربر كولينز» الأمريكية، وتأتى أهميته فى أنه يدعو القراء إلى مشاركة العالم الداخلى الغامض والساحر للجهاز الصماوى، متجاوزًا الحيل الهرمونية والضجيج الإعلامى، ليتجاهلوا الضوضاء وينصتوا بدلًا من ذلك إلى الإشارات- إلى قوة الحياة الصماوية الجبارة التى يتواصل بها الجسم مع نفسه.

الدكتورة سايرة حميد، استشارية فى طب الغدد الصماء فى مؤسسة إمبريال كوليدج للرعاية الصحية التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية، ومحاضرة أولى فى إمبريال كوليدج لندن، وحائزة على جوائز فى كلية الطب بإمبريال كوليدج.

درست الطب فى جامعة أكسفورد وجامعة كوليدج لندن، وكانت طالبة طب زائرة فى طب الغدد الصماء فى مايو كلينيك. حصلت على زمالة تدريب من مجلس البحوث الطبية، ومحاضرة سريرية فى المعهد الوطنى لأبحاث الصحة والرعاية، وفى عام ٢٠٢٤ انتخبت زميلة فى الكلية الملكية للأطباء. 

بحلول عام ١٩٠٥، أصبح من المفهوم أن القوى التى تحرك معظم وظائف أجسامنا هى إشارات واضحة المعالم، تتفاعل فى حلقات تغذية راجعة ملموسة مع منطقة ما تحت المهاد فى الدماغ (جزء صغير بحجم حبة اللوز): «هرموناتنا». 

ومنذ تسمية هذه القوى الغامضة، تبين أن الهرمونات هى المحرك لبعض أعظم إنجازاتنا الجسدية وأشد أمراضنا. فى الواقع، فإن منطقة ما تحت المهاد، المشتركة بين جميع الفقاريات، «تتحكم فى عدد لا يحصى من العمليات التى بالكاد نلاحظها عندما تعمل: الشهية، ووزن الجسم، والعطش، والتوتر، والنوم، والنمو، والتمثيل الغذائى، والبلوغ، والتكاثر، والرغبة الجنسية»، كما تكتب المؤلفة. 

إن عبارة «أنا مرهق هرمونيًا» المستخدمة بشكل مهين، وهى اختصار عامى للشعور بالتعب، أو تقلب المزاج، أو الانتفاخ، أو كليهما، تغفل حقيقة أننا جميعًا «مرهقون هرمونيًا» طوال الوقت.

يسلط الكتاب الضوء، من خلال دراسات حالة مميزة، على بعض هذه المشكلات والعلاجات المرتبطة بالهرمونات، بدءًا من داء السكرى والسمنة، مرورًا بانقطاع الطمث وتوقف النمو، وصولًا إلى العلاج بالهرمونات البديلة ومثبطات الشهية التى تحاكى الهرمونات. 

تقول الكاتبة إننا أشبه بـ«دُمى متحركة» نظن أننا نرقص من تلقاء أنفسنا، لكننا فى الواقع نخضع لـ«المفارقة الكبرى المتمثلة فى أن سيطرة هرموناتنا علينا هى التى تمنحنا حرية الحياة... فكوننا بشرًا يعنى أن نكون هرمونيين». 

تضيف: كنت أعتقد أننى أتحكم بحياتى، لكننى لم أعد أؤمن بذلك. لقد غيرت معرفتى بالهرمونات كل شىء. لكن وهم استقلاليتنا قد يكون مقنعًا، لأنه عندما تسير الأمور على ما يرام، بالكاد نلاحظ هرموناتنا، تلك الإشارات الكيميائية التى تحمل الرسائل داخل الجسم. 

نتوقع أن نستيقظ منتعشين، وأن نحافظ على وزن ثابت، وأن نكون فى حالة مزاجية جيدة، وربما نتجاهل أن هذه العمليات تحكمها هرمونات الجسم أكثر بكثير من سلوكنا أو قدرتنا على الفعل أو إرادتنا. ولكن عندما تنهار هذه الشبكة من الإشارات الهرمونية والغدد الصماء التى تنقلها، ندرك بأثر رجعى مدى هشاشة، ومدى قيمة ذلك التوقع لحياة طبيعية.

تشير «حميد» إلى أن الهرمونات تحدد «مفهومنا للحياة الطبيعية»، موضحة أن مستويات الطاقة والوزن والمزاج تخضع لسيطرة الهرمونات أكثر بكثير من سيطرة قوة الإرادة. 

وبمقارنة التشخيص بعمل المحققين، تأخذ «حميد» القراء فى رحلة عبر العديد من الاضطرابات الهرمونية. فعلى سبيل المثال، مريضة شخصتها «حميد» بداء جريفز- وهو اضطراب يحفز فيه الجهاز المناعى الغدة الدرقية على إنتاج كميات زائدة من الهرمونات، ما يسبب تسارع ضربات القلب- ظهرت عليها فى البداية أعراض القلق. 

مريضة أخرى طلبت المساعدة بسبب زيادة وزن غير مبررة، وتلقت العلاج فى النهاية من متلازمة كوشينج، وهو اضطراب ناتج عن التعرض المطول لمستويات عالية من الكورتيزول. 

تروى المؤلفة كيف تم اكتشاف العديد من الاضطرابات الهرمونية، موضحة، على سبيل المثال، أن مرض أديسون، الذى يحدث عندما لا تنتج الغدد الكظرية كمية كافية من الكورتيزول، وصف لأول مرة عام ١٨٥٥ على يد الطبيب البريطانى توماس أديسون، الذى لاحظ على المرضى أعراض التعب وتغير لون الجلد. 

توضح الكاتبة أن علم الغدد الصماء هو التخصص الطبى المعنى بأمراض هرمونات الجسم. عندما أخبر الناس أننى طبيبة غدد صماء، يسألنى معظمهم: «ما هذا؟».

أجيب: «الهرمونات».

يقولون: «أوه، مثل العلاج الهرمونى البديل. زوجتى تتناوله». وهم محقون: فنحن نتعامل مع العلاج الهرمونى البديل، لكن انقطاع الطمث ليس سوى مثال واحد على قوة هرموناتنا، التى تنظم كل مراحل الحياة.

تسهم الهرمونات فى بناء إنسان جديد داخل الرحم، قبل أن تغذى ثديى الأم بالحليب لإطعام الرضيع. تنمى الهرمونات هذا المولود العاجز ليصبح طفلًا نشيطًا، يكتسب طولًا بفضل الهرمونات التى تطيل العظام. 

وفى سن البلوغ، تعيد الهرمونات تشكيل جسم الطفل ليصبح بالغًا، موجهة المبايض لنضج البويضات أو الخصيتين لإنتاج الحيوانات المنوية، وكل من هذه الأمشاج يحمل فى طياته القدرة على خلق حياة جديدة.

وفى الوقت نفسه، وبغض النظر عن هذه الأحداث المهمة فى حياتنا، فإن هرموناتنا تسيطر يوميًا، بل فى كل لحظة، على نشاطنا وحيويتنا فى الصباح، ومستويات طاقتنا اليومية؛ وكيفية تعاملنا مع الضغوط، بدءًا من ازدحام المرور فى ساعة الذروة وصولًا إلى ألم الفراق؛ وما إذا كانت الرغبة الجنسية فى أوجها أم فى حالة فتور؛ ووزننا الذى يظهر على الميزان، وكمية الطعام التى نحتاجها للشعور بالشبع.

تضيف «حميد»: فى حياتى المهنية، لا أواجه عادة تقلبات الهرمونات عندما تعمل بشكل مثالى كهذا. بدلًا من ذلك، إذا جلست معى، على جانبى من المكتب، ستسمع قصصًا عن العيش فى جسد يشعر بعدم الارتياح، وعدم الاستقرار، وعدم التوازن بسبب عامل داخلى مجهول وخارج عن السيطرة.

تقول المريضة: «هناك خلل ما فى هرموناتى، أشعر بذلك». نجلس فى غرفة استشارة واسعة تبدو عليها علامات الإرهاق. تتجمع آخر خيوط ضوء النهار على نوافذ عالية تحجب الرؤية، وقد أُغلقت منذ سنوات. 

رويت قصص كثيرة فى هذه الغرفة، «هناك خلل ما فى هرموناتى...»، فأى قصة تروى الآن؟ هل زيادة الوزن السريعة هى سبب معاناة المريضة؟ ربما تعانى من ألم العقم؟ أو ربما تشعر بقلق شديد دفعها إلى استشارة طبيب نفسى؟

أى من هذه القصص، وغيرها الكثير، قد تكون قصة هذه المريضة. أى من هذه الروايات عن حياة انقلبت رأسًا على عقب قد تكون دفعتها إلى هذا المستشفى التعليمى فى لندن اليوم- هربًا من برد فبراير العاصف، عبر الباب الدوار الرئيسى، وصعودًا إلى الطابق الأول، ثم مباشرة إلى قسم العيادات الخارجية، متتبعة اللافتات والأسهم التى تقود إلى عيادة الغدد الصماء. بدأت غرفة انتظار العيادة بالتناقص تدريجيًا مع اقتراب نهاية اليوم.

فى تمام الساعة الثانية، امتلأت جميع الكراسى البلاستيكية المتشابكة باستثناء ثلاثة. الآن، بات هناك متسع للمرضى المتبقين للجلوس دون الشعور بالحرج من ثنى أذرعهم وأرجلهم كما يحدث عند الجلوس بالقرب من شخص غريب. 

وضع بعضهم معاطفهم وحقائبهم ومظلاتهم على الكرسى الفارغ المجاور. فى الصف الثالث، يجلس شاب طويل القامة بشكل استثنائى، لا يزال يرتدى زى ساعى البريد. 

قبل عشر دقائق، انحنى ليدخل من الباب إلى غرفة الانتظار، وكان طوله الملحوظ ناتجًا عن ورم فى الغدة النخامية أصيب به فى طفولته، ما أدى إلى إفرازه كمية زائدة من هرمون النمو. 

فى عيادة الأطفال، شُخّص بمرض «العملقة». أما الآن، فتشير سجلاته الطبية إلى حالته باسم «ضخامة الأطراف»، وهو مصطلح أقل إثارة للريبة. لكن المرضى الآخرين يبدون بصحة جيدة، ولا شىء فيهم يوحى بوجود خلل فى نظام الإشارات الداخلية لديهم.

توضح المؤلفة أن قبل ما يزيد قليلًا عن مئة عام، لم يكن بالإمكان تفسير حالات هؤلاء المرضى. كان يعتقد أنهم يعانون من أمراض جسدية غريبة أو ضعف عقلى، بل إن بعض المصابين بأمراض الغدد الصماء كانوا يوصفون بـ«المشوهين» ويسخر منهم فى السيرك أو يودعون فى المصحات. 

جاء الاكتشاف المهم عام ١٩٠٢، عندما اكتشف عالم وظائف الأعضاء إرنست ستارلينج، من جامعة لندن، وصهره ويليام بايليس، إحدى رسائل الجسم، وهى رسالة ترسل من الأمعاء إلى البنكرياس. 

ولكن ما الاسم المناسب لهذه الاتصالات الداخلية؟ كان ستارلينج يفكر فى الأمر عندما دُعى إلى كامبريدج لتناول العشاء فى كلية كايوس، وطرح السؤال أثناء العشاء. كان عالم الكلاسيكيات ويليام فيسى جالسًا بالقرب منه. اقترح فيسى اسم «أورماو»، وهى كلمة يونانية تعنى «إثارة أو تحفيز».

دوّن ستارلينج فى دفتر ملاحظاته كلمة «أورماو»، وفى تلك المحادثة العابرة، وصفت إشارات الجسم التى عرفت منذ ذلك الحين باسم «الهرمونات».

بعد ثلاث سنوات، أمام قاعة محاضرات مكتظة فى الكلية الملكية للأطباء، عرض ستارلينج اكتشافه لـ«الرُسل الكيميائية التى، بانتقالها السريع من خلية إلى أخرى عبر مجرى الدم، قد تنسق أنشطة... أجزاء مختلفة من الجسم». 

وقد أثبتت رؤيته أنها جوهر علم الغدد الصماء. إذ تنتقل إشارة هرمونية تنتجها غدة صماء عبر الدم لتوصل رسالة إلى خلايا بعيدة. قد يكون هذا انتقالًا بعد تناول الطعام لهرمون الببتيد الشبيه بالجلوكاجون-١ «GLP-١» من الأمعاء، والذى يرسل إشارة الشبع إلى الدماغ، أو هرمون الأستروجين من المبيضين، والذى يرسل إلى أنسجة الثدى فى سن البلوغ، محفزًا نموها.

تشرح الكاتبة أن تنوع وظائف الهرمونات، من إنتاج الحليب إلى تحسين المزاج، ومن الجوع إلى زيادة الطول، لا يحدث بفعل أى جزء منفرد من جسمنا. بل إن الإشارات الهرمونية والغدد المنتجة لها تشكل جزءًا من نظام تواصل ينظم كل خلية، محولًا مجموعات من الخلايا والأنسجة والأعضاء التى تعمل بشكل مستقل إلى جسم بشرى مترابط.

حتى الدماغ عضو غُدى، يستقبل إشارات هرمونية من باقى الجسم، ويرسل إشاراته الخاصة. تؤثر الهرمونات على مشاعرنا وشعورنا تجاه أنفسنا والعالم الخارجى.

نميل إلى الاعتقاد بأننا نتحكم بمشاعرنا وسلوكنا، إلا أن ارتفاع مستوى الكورتيزول المنشط فى الصباح، قبيل موعد استيقاظنا المعتاد، أو ارتفاع مستوى البروجسترون المهدئ فى بداية الحمل، يشيران إلى عكس ذلك.

كما تعدل الهرمونات وظائف الدماغ على المدى الطويل، فتشكل روابط عصبية جديدة ترسخ نمطًا سلوكيًا مدى الحياة. 

ففى المراحل الأولى من حياة حديثى الولادة، على سبيل المثال، ينظم هرمون اللبتين، الذى يفرز من دهون جسم الرضيع، مركز الشهية فى منطقة ما تحت المهاد، منشئًا روابط تحدد كمية الطعام التى نتناولها. 

وبالمثل، ترسخ التجارب السلبية فى المراحل المبكرة من الحياة آلية فرط اليقظة فى اللوزة الدماغية، مركز الخوف فى الدماغ، بتوجيه من هرمون الكورتيزول، هرمون التوتر الذى تفرزه الغدة الكظرية. 

فى مراحل لاحقة من الحياة، يمكن أن تزيد هذه البرمجة التكوينية من خطر الإصابة ليس فقط بالأمراض العقلية مثل الاكتئاب، ولكن أيضًا بالأمراض الجسدية، مثل السرطان والسمنة.

وبالتالى، يشكل هذا العلم ما يعرف بعلم الغدد الصماء العصبية: كيف يتحكم الدماغ بالهرمونات، وكيف تتحكم الهرمونات، فى حلقة تغذية راجعة مثالية، بالدماغ.

تلفت «حميد» إلى أن الهرمونات التى تشكل مزاجنا ومشاعرنا، وتؤثر فى أدمغتنا، وتوجه العديد من العمليات الحيوية المتنوعة فى جميع أنحاء الجسم، لذا فإن ممارسة طب الغدد الصماء لا ترتكز على عضو محدد. 

يهتم أطباء القلب بالقلب، وأطباء الجلد بالجلد، ولكن بما أن كل خلية فى الجسم تستجيب للهرمونات، فإن طب الغدد الصماء هو تخصص يعنى بالجسم ككل- بالعقل ككل- وبالإنسان ككل، وهو بذلك أقل عرضة للثنائية الديكارتية بين العقل والجسد التى كانت لا تزال تهيمن على التعليم الطبى عندما كنت طالبة فى التسعينيات.

قررت أن أصبح طبيبة بناء على نصيحة غير دقيقة مفادها أنه نظرًا لتفوقى فى العلوم، فمن المرجح أن يكون الطب مهنة مناسبة لى. لكن ما اكتشفته لاحقًا هو أن الممارسة الطبية اليومية لا تركز كثيرًا على العلوم المعقدة، بل تركز أكثر على فهم قصص مرضانا. وبمجرد أن نجمع عددًا كافيًا من هذه القصص، نحاول ربط كل حالة بأخرى.

قد أقول لزميل لى: «إنها تذكرنى بسيدتنا الإيرانية اللطيفة، تلك التى كانت تعانى من الصلع، وانتهى بها الأمر مصابة بسرطان الغدة الكظرية». تختلف التفاصيل، لكن فى جوهرها، غالبًا ما تتناول القصص التى تروى فى عيادة الغدد الصماء معاناة وتعقيدات التعامل مع العالم الخارجى بقدر ما تتناول خللًا فى الجهاز الهرمونى: معاناة زوجين رُئِيا خلال جائحة كوفيد-١٩، حيث تخزن أجنتهما المجمدة فى عيادة خصوبة مغلقة؛ ورجل يشعر بخجل شديد من تضخم أنسجة ثدييه لدرجة أنه لا يجرى اجتماعاته مع المرضى إلا عبر تطبيق زووم.

قبل بضع سنوات، سألنى طالب طب كان يراقب عيادتى عن سبب اختيارى لتخصص الغدد الصماء. فأجبته: «أحب التحدث مع الناس، والتعرف على حياتهم. أحب التحدى التشخيصى المتمثل فى ربط تاريخ المريض بالمرض الأساسى، ثم رعايته فى علاقة ثقة قد تدوم لسنوات». هز كتفيه وقال: «هذا ما أعتبره جحيمى. أريد أن أصبح طبيب تخدير».

لم ألومه على ذلك، وكان محقًا فى رأيه. هناك أطباء، كأطباء التخدير مثلًا، يرغبون فى إجراء عمليات جراحية للمرضى. لكن بعد ستة أشهر من التدريب العملى فى الجراحة، استنتجت أننى لا أملك المؤهلات الشخصية لإجراء العمليات الجراحية، فاخترت بدلًا من ذلك مهنة استشارية.

تقول المؤلفة: يشار إلى طب الغدد الصماء بأنه تخصص «غير حرفى»، لأننا لا نقوم بأى شىء بأيدينا، كالجراحات أو الإجراءات الطبية. غرفة الاستشارة أو جناح المستشفى هى مسرح عملنا. 

بالطبع، نستخدم تحاليل الدم والتصوير التشخيصى وغيرها من الوسائل التشخيصية، لكن ليس لدينا أى معدات خاصة ضرورية لممارسة طب الغدد الصماء، وأهم أدواتنا هى قدرتنا على الاستماع إلى قصة المريض، وجمع الأدلة التى تشير إلى اضطراب هرمونى. 

كل حالة غدد صماء تقريبًا أشبه بعمل محقق. علينا أن نبقى متيقظين خلال تطورات القصة وإلا قد نفوت الكشف الحاسم: التفاصيل الخفية وسط بحر من الأعراض الأخرى؛ العبارة التى توحى بالخيط الذى كنا ننتظره. 

فى عيادة الغدد الصماء، نجمع بين المعرفة المتخصصة وفن استخلاص المعلومات من المريض التى تكشف عن خلل فى نقل الهرمونات يتخفى وراء آثار الحياة اليومية.

بعض المرضى يعانون من أمراض واضحة لا لبس فيها، لكن جزءًا من معضلة التشخيص يكمن فى أن العديد من المرضى الآخرين تظهر عليهم أعراض تعد مجرد مبالغة فى تجربة الحياة اليومية لمعظم الناس: التعب، ومشاكل الوزن، وتقلبات الرغبة الجنسية. 

تاريخ المريض بطبيعته شخصى. ما هو تصورك عن الرغبة الجنسية «الطبيعية»؟ هل إرهاقك الشديد أمر أعتبره محتملًا؟ أحيانًا، تتداخل مسارات متوازية، فبينما كنت تلجأ إلى الأكل العاطفى منذ الطلاق، يتضح فى النهاية أن معظم زيادة الوزن كانت بسبب اضطراب فى الغدد الصماء.

ومؤخرًا، برزت قضية أخرى تستدعى التفكير: كيف يمكن لظاهرة الهرمونات الجديدة أن تفيدنا، ولكنها قد تبالغ فى وعودها أيضًا. إن التأثير الكبير لهرموناتنا على حياتنا اليومية هو ما يجعل فكرة قدرتنا على التحكم فى مستوياتها، كما لو كنا نخفض إضاءة المصباح، جذابة بشكل غريزى- مكمل غذائى إضافى، تغيير بسيط فى عاداتنا، وسنصبح أنحف وأكثر حيوية وسعادة.

بالتطبيق على الaمبادئ الأساسية، يمكننا عادة التمييز بين الحقيقة والخيال- فتناول المأكولات البحرية، على سبيل المثال، يزود الجسم باليود الغذائى اللازم لإنتاج هرمون الغدة الدرقية بكفاءة. 

مع ذلك، قد يساء فهم بعض المبادئ الأساسية، ففى محاولة لتنشيط عملية الأيض، نتناول كميات كبيرة من علكات اليود، ما قد يؤدى إلى إفراز هرمونات غير منتظمة أو إلى خلل فى وظائف الغدة الدرقية، وبالتالى قصور فى نشاطها.

وكما هو الحال فى كثير من الأمور، يكمن الحل عادة فى مكان ما بين هذين النقيضين: لا يمكننا التحكم بهرموناتنا، ولكن يمكننا التعايش معها بوعى. فعلى سبيل المثال، لن يقلل شاى «إعادة التوازن» من هرمون التوتر الكورتيزول، ولكن أخذ قسط من الراحة والجلوس مع صديق لشربه، سيفعل ذلك.

تضيف الكاتبة أنه قبل عقدين من الزمن، عندما أصبحت طبيبة غدد صماء، كان من المستحيل تخيل أن تصبح كلمة «هرمونات» هى الكلمة الرائجة. الآن، حتى بعض زملائى فى مجالات أخرى يسألوننى عن «حيل الهرمونات» التى تروج لها وسائل التواصل الاجتماعى. 

نحن نعيش فى «عصر المعلومات»، ومع ذلك، كما هو الحال عند محاولة العثور على صديق فى حفلة مكتظة، فإن روعة إشارات الجسم الاستثنائية تضيع بسهولة وسط الزحام الرقمى الهائل. 

يمكننا الاستمرار فى البحث فى أرجاء المكان، أو بدلًا من ذلك، التفكير فيما إذا كانت القوة الحقيقية لهرموناتنا تكمن فى مكان آخر: فى الإنجازات التى حققها رواد الغدد الصماء العظماء بشق الأنفس، فى حياة المرضى الذين ستقرأون عنهم، فى إصلاح خلل إشارات الجسم وإعادة ضبط الحياة- فى فهم أن كون الإنسان «هرمونيًا» هو فى الواقع الحالة الطبيعية له.

سايرة حميد
سايرة حميد

«ينبغى للطبيب أن يختم حياته كفيلسوف».. هكذا جاء فى نعى أحد كبار عمداء كليتنا الطبية فى مستشفى سانت مارى. كان طبيب تشرشل ومستشاره المقرب، لكن معظمنا، بعد أن نرتدى زى الطب ونؤدى دورنا لفترة كافية، سنحاول أيضًا أن ننظر إلى ما وراء روتين العمل اليومى، ونتساءل: «ما جدوى الطب؟».

تقول «حميد»: لعل الذكاء الاصطناعى، الذى يقال إنه على وشك أن يحل محلنا، سيجيب فى نهاية المطاف على هذا السؤال الجوهرى. عندما بدأت دراسة الطب، لم يكن لدىّ حتى بريد إلكترونى، لكن الآن، يتصاعد مد الذكاء الاصطناعى، وسيلقى بظلاله قريبًا على عيادات الطب. 

ومع ذلك، سيظل لنا مكان، لأن العديد من الإنجازات الهائلة فى تاريخ الهرمونات، كما سترون، تشير إلى شجاعة الإنسان ومثابرته بقدر ما تشير إلى تقدم العلم المذهل. 

بينما فى العيادة، وخلف سحر التشخيصات الحديثة والأدوية من الجيل التالى، تظل ممارسة طب الغدد الصماء متجذرة فى شخص يروى قصته والآخر يحاول تفسيرها.

ليس النظام مثاليًا دائمًا. قد تهمل أجزاء مهمة من تاريخ المريض على عَجَل باعتبارها معلومات مضللة؛ وقد تأتى نتائج الفحوصات لا تتوافق بسهولة مع القصة التى رُويت. 

قد تكون نسبة التشويش إلى الإشارة عالية. لكن عندما نكون فى أفضل حالاتنا، ولو للحظة، نستطيع تجاهل التشويش والتركيز بدلًا من ذلك على الإشارات- على قوة الهرمونات الحيوية وكيف يتواصل الجسم مع نفسه.

 

تروى المؤلفة قصة الطبيب الكندى فريدريك بانتينج وعمله الرائد فى مجال الإنسولين، فتشير إلى أنه حتى عشرينيات القرن الماضى، لم يكن هناك علاج لمرض السكرى من النوع الأول. فعندما يعجز الجسم عن تنظيم مستويات السكر فى الدم، كان يتدهور حاله بشكل خطير، متجاوزًا أى علاج دوائى.

ثم، فى إحدى ليالى عام ١٩٢٠، خطرت ببال بانتينج فكرة ستنقذ حياة الملايين، هذه الفكرة جاءت بعد أن ساءت الأمور بالنسبة له. فقد كان طالب طب عاديًا لا يُذكر، وبعد تعافيه من إصابته بشظية، عاد إلى تورنتو، وكان «طموحه الأكبر» هو التعيين فى الطاقم الجراحى فى مستشفى الأطفال المرضى. 

ولكن بعد فشله فى الحصول على مكان فى المستشفى التعليمى، انتقل إلى لندن، أونتاريو، حيث افتتح عيادته الخاصة. كان العمل بطيئًا، وفى بعض الأيام لم يكن لدى بانتينج أى مرضى على الإطلاق. 

وسرعان ما أصبح المال شحيحًا لدرجة أنه لجأ إلى الطهى على موقد بنسن فى عيادته، وأجّل خططه للزواج من حبيبته المعلمة، معتقدًا أنه من غير المعقول أن يعيش الرجل على راتب زوجته.

مع تضاؤل فرصه بشكل متزايد، اضطر بانتينج مؤخرًا إلى قبول وظيفة تدريس بدوام جزئى فى جامعة ويسترن أونتاريو لتغطية نفقاته، وقضى مساء ٣٠ أكتوبر ١٩٢٠ فى كتابة مسودة محاضرة عن البنكرياس واستقلاب الكربوهيدرات. 

وبينما كان يعانى من الأرق، بدأ يتصفح مجلة طبية، وبينما كانت تحضيرات التدريس السابقة لا تزال عالقة فى ذهنه، لفت انتباهه مقال عن البنكرياس.

كان يقرأ فقط ليهدئ نفسه وينام، ولكن بينما كان مستيقظًا، وعقله يغلى بالأفكار، بدأت فكرة تتشكل فى ذهنه. كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا. أخيرًا، نهض من فراشه، وكتب التاريخ فى دفتر ملاحظاته- ليلة عيد الهالوين، ١٩٢٠- ثم دوّن خطة ستنقذ عشرات الملايين من الأرواح.

كان العلماء يعلمون، قبل ثلاثة عقود من ليلة بانتينج التى لم ينم فيها، أن البنكرياس يتحكم فى مستوى السكر فى الدم من خلال مادة تنتجها خلايا تشبه جزر لانجرهانس، ولذلك سمى هذا الهرمون لاحقًا بالإنسولين، نسبة إلى كلمة «إنسولا» اللاتينية التى تعنى «جزيرة». 

ولأن الأطفال المصابين بالسكرى يفتقرون إلى الإنسولين، فقد ساد الاعتقاد بأن كل ما هو مطلوب هو استخلاص الإنسولين من بنكرياس الحيوانات، ثم إعطاؤه للأطفال المصابين بالسكرى لتعويض نقصهم، إلا أن الحصول على هذا الهرمون كان بالغ الصعوبة. 

وقد حاول العديد من الباحثين- ما يصل إلى أربعمائة باحث وفقًا لأحد التقديرات- دون جدوى. ودفع هذا الإشكال بعض العلماء إلى التساؤل عما إذا كان هذا الهرمون البنكرياسى المنشود موجودًا أصلًا، بينما اقترح آخرون أنه موجود، ولكنه ببساطة غير مستقر كيميائيًا لدرجة يصعب معها استخلاصه.

لكن فريدريك بانتينج رأى حلًا. فقد وصف المقال الذى قرأه فى تلك الليلة تشريحًا لجثة وجد فيها انسدادًا فى القناة التى ينقل من خلالها البنكرياس إنزيماته الهاضمة إلى الأمعاء. 

ومع انسداد التدفق، بقيت الإنزيمات عالقة فى البنكرياس، حيث أظهر التشريح أنها هضمت ودمرت الخلايا المنتجة لها. ولكن- وهذا ما اكتشفه بانتينج- نجت خلايا جزر لانجرهانس المنتجة للإنسولين سليمة.

تساءل بانتينج: ماذا لو أمكن تكرار هذه التجربة فى المختبر باستخدام كلاب التجارب؟ ربما يستطيع الجراح الشاب ربط قناة البنكرياس، فتقضى الإنزيمات الهاضمة المسدودة على الخلايا التى تحتويها. 

وهذا سيترك بنكرياسًًا لا يستطيع القيام إلا بوظيفة واحدة: إنتاج الإنسولين. عندها يمكن استئصال بنكرياس الكلاب، واستخلاص الإنسولين الثمين منها.

بعد أسبوع، كان بانتينج يعرض فكرته على جون ماكلويد، وهو أسكتلندى وأستاذ مرموق فى علم وظائف الأعضاء بجامعة تورنتو. وقد منحه الأستاذ الكبير مقابلة مجاملة لأحد خريجى تورنتو، وإن كان متوسط المستوى. 

 

الآن، وبصفته جراحًا مغمورًا فى إحدى المقاطعات، بلا سجل بحثى يذكر، كان بانتينج يرسم ملامح فكرته التى خطرت له ليلة عيد الهالوين أمام هذا الأكاديمى الجليل.

على الرغم من عدم اقتناع ماكلويد بنجاح بانتينج، إلا أن فكرته جذبت انتباهه. بعد أربعة أشهر، كتب رسالة إلى بانتينج يوافق فيها على الخطة، ومع هذه الموافقة من الأستاذ، حصل على مختبر مؤقت فى غرفة عمليات مهجورة، وبعض كلاب التجارب، ومساعد من طلاب الطب فى السنة الرابعة يدعى تشارلز بيست.

بحلول منتصف صيف تورنتو الحار والطويل عام ١٩٢١، وبعد أيام طويلة من العمليات الجراحية، مع ساعات قليلة من النوم أحيانًا، تمكن بانتينج وبيست من عزل مستخلص البنكرياس. 

حقنوه فى أحد كلابهم المصابة بالسكرى، فانخفض مستوى السكر فى دمه- وكانت هذه أول حالة تُعالج بنجاح باستخدام إفرازات جزر لانجرهانس التى طال البحث عنها.

فريدريك بانتينج
فريدريك بانتينج

بحلول العام الجديد، أصبح مستخلص البنكرياس جاهزًا للتجربة على البشر، واختير ليونارد طومسون، فتى يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا ويعانى من مرض السكرى، ليكون أول من يتلقى العلاج. 

كان ليونارد، قد أُدخل إلى مستشفى تورنتو العام فى المرحلة الأخيرة من مرضه، وكان ضعيفًا وهزيلًا لدرجة أن والده حمله إلى سريره فى المستشفى. وافق الطفل، الذى كان يدرك قرب أجله، على تجربة العلاج التجريبى.

فى الحادى عشر من يناير، حُقن ليونارد بمستخلص من صنع بانتينج وبيست. خفض المستخلص مستوى السكر فى دمه، لكن التأثير كان طفيفًا، وظل فى حالة ميئوس منها. 

بعد اثنى عشر يومًا، عُولج ليونارد بمستخلص ثانٍ، أنقى وأقوى. كانت النتيجة أشبه بالمعجزة: فى اليوم التالى، عاد مستوى السكر فى دم ليونارد إلى طبيعته وتم إنقاذ حياة الصبى.