علم الأبوة.. كيف يُعاد تشكيل الرجال؟
- من أجسادهم وبنية أدمغتهم إلى هرموناتهم وشعورهم بالهدف.. كيف تُغيّر الأبوة الرجال؟
- كتب تقدم نظرة متعاطفة وعقلانية إلى الأبوة المعاصرة
- كيف يمكن للأبوة أن تصبح بوابة لأسلوب حياة جديد كليًا؟
- جولة فى خبايا حياة الأبوة.. من الهرمونات إلى ديناميكيات الزواج
بينما تحظى تجربة الأمومة باهتمام مستحق، ظلت الأبوة مهملة، وغالبًا ما يساء فهمها، فى حين يقدم الآباء فى حياتنا الكثير بقوتهم وحكمتهم وحبهم الذى لا يتزعزع.
على مدى العقد الماضى، تعمق فهمنا لقوة الأبوة التحويلية- بيولوجيًا ونفسيًا واجتماعيًا- أكثر من أى وقت مضى.
وتستعرض «حرف» فى السطور المقبلة، أهم الأفكار التى جاءت فى أحدث الإصدارات العالمية التى تحتفى بمعنى الأبوة فى عصرنا الحالى، ووجهات النظر المتنوعة لها.


فى كتاب «عقل الأب: العلم الجديد للأبوة وكيف يؤثر على حياة الرجال»، تشرح عالمة النفس داربى ساكسبى، الحاصلة على درجة الدكتوراه، كيف تغير الأبوة الرجال، بدءًا من أجسادهم وبنية أدمغتهم، وصولًا إلى هرموناتهم وشعورهم بالهدف.

انطلاقًا من علاقتها بوالدها، درست ساكسبى الآباء والأسر لأكثر من عشرين عامًا. فى كتابها الأول، تأخذ القراء فى جولة خلف كواليس بحثها الجديد، وتأخذهم فى رحلة حول العالم، من مجتمعات الصيد وجمع الثمار فى الكونغو إلى آباء الضواحى المعاصرين، وتطلعهم على دراساتها الرائدة حول كيفية تأثير الأبوة على أدمغة الرجال وحياتهم.
قد يتفاجأ القراء عندما يعلمون أنه بالإضافة إلى تأثير الأبوة على هرموناتهم وصحتهم «نعم، يعانى الرجال من اكتئاب ما بعد الولادة، و(كرش الأب) حقيقة واقعة»، فإنها تفيد الرجال أيضًا.

فالآباء الذين يقضون وقتًا مع أطفالهم ينمون غريزتهم الأبوية، بل ويظهرون ذكاء أكثر شبابًا فى مراحل لاحقة من حياتهم. كما أن أسلوب الأب الفريد فى اللعب يجعل الأطفال أكثر مرونة، ويضفى الآباء رؤى جديدة على أماكن العمل، ويسهمون فى بناء مجتمعات أفضل. فى نهاية المطاف، تساعد الأبوة الرجال على اكتشاف حياة أكثر ثراء وتواصلًا ومعنى.
الكتاب الذى يقع فى ٣٠٤ صفحات، صدر فى ٩ يونيو الماضى، عن دار نشر «فلاتيرون» التابعة لماكميلان للنشر، ويأتى فى المرتبة الأولى للكتب الأكثر مبيعًا فى علم النفس التطورى وعلم الأحياء ودراسات النوع الاجتماعى للرجال.

داربى ساكسبى، إخصائية نفسية سريرية وأستاذة علم النفس فى جامعة جنوب كاليفورنيا. نشرت أكثر من ثمانين مقالة علمية فى مجلات محكمة، وحصلت على تمويل بحثى يزيد على ثلاثة ملايين دولار. نالت جوائز من الجمعية الأمريكية لعلم النفس وجمعية أبحاث نمو الطفل، وكانت زميلة فى برنامج فولبرايت.
كتبت فى صحف ومجلات مرموقة مثل نيويورك تايمز، ومجلة أوبرا، وساينتفك أمريكان، وقدمت استشارات لمؤلفين حققا أعلى المبيعات. حصلت على درجة الدكتوراه فى علم النفس السريرى من جامعة كاليفورنيا فى لوس أنجلوس، ودرجة البكالوريوس فى اللغة الإنجليزية وعلم النفس من جامعة ييل.
تطرح ساكسبى نظرية فى كتابها مفادها أن الآباء المشاركين فى رعاية صغارهم يشكلون جزءًا أساسيًا من نجاح البشرية. قد يعانى الآباء الجدد من تغيرات هرمونية تؤدى إلى اكتئاب ما حول الولادة، وهى ظاهرة، وإن كانت أقل شيوعًا من اكتئاب ما بعد الولادة لدى النساء، إلا أنها لا تقل أهمية فى العلاج.

ترى المؤلفة أنه إلى جانب تأثيرها على جودة حياة الرجال، يمكن أن يؤثر الاكتئاب والقلق خلال الأيام الأولى من عمر الرضيع سلبًا على الترابط بين الأم والطفل وعلى صحة الطفل على المدى الطويل. كما تؤثر الأبوة على الصحة البدنية أيضًا: فـ«جسم الأب» قد يعزى إلى اضطرابات النوم، وتقلبات المزاج.
تؤكد الكاتبة أن الأبوة تُحدث فرقًا أكبر، إيجابيًا وسلبيًا أحيانًا، فى حياة الرجل مما كان يعتقد. وقد حظيت التغيرات الجسدية الناتجة عن الأبوة بدراسة أقل بكثير من تلك التى تحدثها الأمومة، وغالبًا ما ركزت تلك الدراسات على أفراد من «الغربيين» «أى المشاركين المتعلمين من الدول الصناعية الغنية والديمقراطية».
تتعلق بعض النتائج الأكثر إثارة للاهتمام التى تقدمها بالتغيرات التى تطرأ على أدمغة ووظائف أعضاء أخرى لدى الرجال الذين يصبحون آباء، قبل وبعد ولادة شريكاتهم، والتى تشابه فى بعض جوانبها التغيرات التى تمر بها الأمهات، لكنها تختلف عنها فى جوانب أخرى.
بالنسبة للآباء، حيث تحدث معظم التغيرات بعد ولادة الطفل وليس قبلها كما هو الحال عند الأمهات، فإن مزيجًا من التغيرات الهرمونية، بما فى ذلك انخفاض متوسط هرمون التستوستيرون بنسبة ٢٥٪ لدى الرجال بعد أن يصبحوا آباء، يؤدى إلى «موازنة تكيفية تفضى إلى رعاية الطفل بدلًا من التزاوج» و«زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب».
توضح ساكسبى ما يعرف بـ«كرش الأب»، أو بروز منطقة الخصر، أو تراكم الدهون حول الخصر، وهى ظاهرة تصيب الآباء أكثر من غيرهم، وقد تكون مرتبطة ببعض التغيرات الهرمونية المصاحبة للأبوة.
من التغييرات الأخرى التى ترصدها هو تقلص حجم المادة الرمادية فى الدماغ لجعل الآباء الجدد أكثر فعالية، مما يتيح تنشيطًا مؤقتًا لأجزاء القشرة الدماغية المسئولة عن التواصل مع مشاعر الآخرين.
كما تتناول المؤلفة التحديات الأوسع التى يواجهها الآباء، سواء كان ذلك يعنى التعامل مع إجازة أبوة غير كافية، أو تبنى أطفال، أو التعامل مع الانفصال عن الأطفال لأسباب متنوعة.
تشير إلى أنه لا يحصل سوى نصف الآباء الأمريكيين تقريبًا على إجازة أبوة مدفوعة الأجر بعد ولادة طفل جديد، لأن العديد من أصحاب العمل لا يقدمونها.

وهو أمر لا ينطبق على الشركات الصغيرة أو العديد من وظائف العمل بدوام جزئى أو العمل الحر، ولذا فإن حوالى ٤٤٪ من العاملين غير مؤهلين له. كما أن الآباء ذوى الأجور المنخفضة غالبًا ما يترددون فى أخذ إجازة، لأنهم لا يستطيعون تحمل خسارة الدخل.
وتؤكد الكاتبة أن مشاركة الأبوة الفعالة تحقق فوائد جمة. يحتاج الأطفال إلى اللعب الحركى والتفاعل الاستكشافى الذى يجيده الآباء. ويكتسب الآباء أنفسهم شعورًا بالهدف، مما قد يفضى إلى خيارات شخصية صحية، مثل تقليل المخاطر والتخلى عن العادات السيئة كالتدخين.
فى المختبر، وجدت ساكسبى وفريقها أن الرجال الذين شعروا بأهمية أكبر لحياتهم فى بداية الأبوة لديهم روابط دماغية متزايدة بين الفص الصدغى والحصين، وهو الجزء المسئول عن تكوين الذاكرة والتعلم.


فى كتاب «الأبوة الجديدة: لماذا كل ما قيل لك عن كونك أبًا خاطئ وكيف سيغير تقبلك لهذا الأمر حياتك»، يقدم المدرب التنفيذى كيفن ماجواير، دليلًا يخاطب مباشرة معنى الأبوة فى عصرنا الحالى، محفزًا حركة تستكشف التفسيرات الحديثة ووجهات النظر المتنوعة للأبوة.

يقول: الأبوة ستغيرك، هذا أمر لا شك فيه. ورغم أنها لا تخضع لسيطرتك الكاملة، إلا أن تأثيرك فيها سيكون ملموسًا.
لم تعد قواعد الأبوة التقليدية ملائمة للواقع. كان الأمر بسيطًا فى الماضى: عليك حماية عائلتك، وتوفير احتياجاتها، ورعاية شئونها. لكن العالم تغير، وأصبح آباء اليوم يعيدون النظر فى دورهم فى المجتمع، وفى العمل، وفى منازلهم، إذ يشعرون بأن أسس الأبوة الراسخة تتهاوى من حولهم.
هذا التغيير الجذرى فى تعريف دور كان محددًا لأجيال طويلة دفع الآباء للبحث عن إجابات. وقد وجدها الآلاف فى بريدهم الإلكترونى، عبر «الأبوة الجديدة»، النشرة الإخبارية الأولى للأبوة على منصة Substack من كيفن ماجواير.

على مدى خمس سنوات، أجرى مقابلات مع نخبة من أبرز المفكرين فى العالم، ودرس نتاج عقولنا الأكثر إبداعًا، وتعمق فى أرشيفات كتب التربية التى خضعت لمراجعة الأقران.
الكتاب الذى يقع فى ٣٠٤ صفحات، صدر فى ١٢ مايو الماضى، عن دار نشر «بالانس» التابعة لهاشيت للنشر، تأتى أهميته فى أنه يحول هذه المصادر إلى نظام تشغيل محدث للآباء المعاصرين: يقدم من خلال قصص شخصية مؤثرة، ورؤى ملهمة حول النجاح والشعور بالهدف، وأطر عمل موجزة، وعادات راسخة، وتقنيات يمكن تطبيقها حتى فى أصعب اللحظات.
كيفن ماجواير هو الأب المؤسس لموقع «الأبوة الجديدة». وقد ظهر فى حلقات بودكاست مع دانيال بينك، وأوليفر بوركمان، وبراد ستولبيرج، وجون كلاسين، ونشرت كتاباته فى مجلة إسكواير وموقع «بيانات الوالدين» لإيميلى أوستر.

يعمل كمدرب تنفيذى مع الرؤساء التنفيذيين، ومديرى التسويق، ونواب الرؤساء فى شركات مدرجة ضمن قائمة فورتشن ٥٠٠، مثل أمازون، ونتفليكس، وجوجل، لمساعدتهم على التوفيق بين حياتهم المهنية والعائلية. يعيش فى برشلونة مع زوجته وطفليه.
يقلب ماجواير، فى كتابه، المفاهيم التقليدية للأبوة باعتبارها «مهمة جانبية» فى «مسار الحياة الرئيسى»، مقدمًا فلسفة ترى فى الأبوة فرصة «لنكون أفضل: من أجل أطفالنا، ومن أجل أحبائنا، ومن أجل أنفسنا»، مقترحًا، على سبيل المثال أن يركز الآباء على إدارة مشاعرهم، بدلًا من السيطرة على سلوك أطفالهم.
ويكتب أن القيام بذلك يسهل عليهم التعامل مع الأزمات اليومية مع تقديم نموذجٍ للاستجابات العاطفية المناسبة لأطفالهم. وتناقش فصول أخرى تقبل نقاط الضعف الشخصية، والتأقلم مع عدم امتلاك جميع الإجابات، وفصل الهوية المهنية عن تقدير الذات، بل وحتى التفكير فى استخدام مواد مهلوسة كعلاجات محتملة لمشاكل الصحة النفسية.
يقول: «كانت الأبوة فى الماضى بسيطة- كل ما عليك فعله هو تقليد والدك تمامًا. لقد اتبعنا النموذج الذى ورثناه عن الآباء الذين سبقونا- الخروج للعمل وجلب شىء إلى المنزل، أولًا اللحم، ثم المال. التأكد من سلامة عائلتك، وتوفير سقف فوق رءوسهم، وأن تكون أنت رب المنزل، تطبق القانون وتعاقب».

«هذا ما كان يفعله الآباء دائمًا: حماية أسرهم، وتوفير احتياجاتها، والقيادة فيها. ولكن مع مرور الوقت، بدأت الأسس المتينة للأبوة فى التغير».
يعتقد المؤلف إنه لا يوجد سبب واحد لهذا التحول، بل هو «مزيج من العوامل» التى أثرت على المفهوم القديم للأبوة. «هناك حاجة لإعادة نظر جذرية. لقد تغيرت القواعد، والقواعد الجديدة لم ترسخ بعد».
ويضيف أنه قبل تأليف كتاب «الأبوة الجديدة»، بحث فى أعمال أعظم مفكرى التاريخ، وتحدث إلى كتّاب وأكاديميين، و«بعض من أذكى الآباء الذين استطعت الوصول إليهم» حول التغيرات الجوهرية التى طرأت على الأبوة.
ويقول: «تحدثنا عن مكانتنا فى سلسلة الآباء الذين سبقونا، وعن العمل الأساسى لرسم مسار مستقبلى للأبناء والبنات الذين سيأتون بعدنا».
وبعد بحثه الدقيق، يرصد الكاتب بعض التحولات الرئيسية التى يعتقد أن الآباء المعاصرين يتبنونها، وعلى رأسها حضور ولادة الطفل، والتى كانت تعتبر «سرًا» حتى ستينيات القرن الماضى، مشيرًا إلى أنه حتى ذلك الحين، لم يكن الآباء يرون مولودهم الجديد إلا عندما يدعون إلى غرفة الولادة بعد الولادة.
ويضيف: «كان التغيير الأهم فى الأبوة، والذى فتح آفاقًا واسعة، هو حضور الرجال لحظة ولادة أطفالهم. إن مجرد التواجد لمشاهدة لحظة ولادة الحياة، وقطع الحبل السرى، وحمل الطفل بين ذراعيك فورًا، بدلًا من استلامه مغسولًا وملفوفًا ببطانية- هذا ما افتقده الكثير من الآباء».
يشير إلى أن حضور لحظة الولادة يعزز الرابطة بين الأب وطفله، ويرسخ مقولة «لم تعرف الحب مثله قط، عندما تحمل طفلك بين ذراعيك لأول مرة». ويضيف: «يفتح ذلك آفاقًا جديدة من المشاعر ومستويات التعاطف. لذا، نعم، ستجد نفسك تبكى أثناء مشاهدة أفلام بيكسار أكثر من ذى قبل».

أما التحول الثانى فهو عدم الخوف من طلب المساعدة، ففى الأجيال السابقة من الآباء، والرجال عمومًا، كانوا يواصلون حياتهم رغم الصراعات الداخلية، معتقدين أن الاعتراف بصعوبة الأبوة، أو الحياة بشكل عام، يعد علامة ضعف.
لكن ماجواير يقول إن هذا الوضع يتغير، ويشير إلى أن بحثًا أجرته الجمعية البريطانية للاستشارة والعلاج النفسى «BACP» وجد أن نسبة الرجال البريطانيين الذين لجأوا إلى العلاج النفسى ارتفعت من ١٨٪ عام ٢٠١٠ إلى ٢٩٪ عام ٢٠٢٥.
يقول: «نحن أول جيل من الآباء يدرك أنه إما أن تواجه مخاوفك، أو أن تكتفى بمشاهدتها وهى تربى أطفالك»، مع أنه يقر بأن المجتمع لا يزال يهيئ الرجال للنظر إلى الضعف على أنه عيب.
ويضيف: «تؤكد البيانات هذا، حيث يعتقد ما يقرب من نصف الرجال أن هناك وصمة اجتماعية لا تزال تحيط بطلب المساعدة من المعالج النفسى».
ويشير إلى ظهور منظمات تساعد على إزالة الخجل من طلب المساعدة. يقول: «توفر مجموعات دعم الأقران هذه مساحة آمنة للرجال للتحدث بصراحة عن معاناتهم، وهى تقنية أكد الباحثون مرارًا وتكرارًا أنها تقلل من احتمالية معاناة الرجال من مشاكل فى صحتهم العقلية».

يوضح المؤلف أن انخراط الآباء فى حياة أطفالهم ليس ظاهرة جديدة، وإنما ازداد عددهم بشكل ملحوظ.
يقول جيريمى ديفيز، نائب الرئيس التنفيذى لمعهد الأبوة: «لطالما كان هناك آباء يطعمون أطفالهم ويغيرون لهم الحفاضات ويشاركون بفعالية فى رعايتهم اليومية. ما تغير هو الأعداد، فاليوم يصعب إيجاد أب لا يشارك بانتظام فى هذه الأمور، إذ يشارك حوالى ٩٥٪ منهم بشكل كبير فى الحمل أيضًا، من خلال حضور فحوصات الموجات فوق الصوتية والولادة بالطبع».
ويضيف: «يطمح الآباء إلى أن يكونوا أقرب إلى أطفالهم مما كانوا عليه فى نظر آبائهم، وتشير الدلائل إلى أنهم يحققون ذلك. لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لتكون أبًا».


فى كتاب «الأبوة: تاريخ من الحب والسلطة»، يرصد أوغسطين سيدجويك تاريخًا جريئًا وأصيلًا للأبوة، يستكشف نشأتها وتحولها من العصر البرونزى إلى يومنا هذا، من خلال صورة جماعية لآباء رمزيين أسهموا فى تحديد كيفية حكم العالم ومعنى الرجولة.

تعد الأبوة من أهم جوانب الثقافة الإنسانية، لكننا لا نعرف الكثير عن متى أو أين ظهرت الأبوة لأول مرة، أو حتى كيف ولماذا؟. على الرغم من بداياتها الغامضة، فقد شكلت الأبوة، على مر القرون، أفكارًا عن العالم، وحددت التجارب الإنسانية، ووفرت أساس النظام الأبوى.
تاريخ الأبوة ليس مجرد قصة لإحدى أعظم قيم الإنسانية: رعاية من لا يستطيعون رعاية أنفسهم. وهو ليس مجرد قصة للنظام الأبوى- «سلطة الآباء»- الذى يعتبر، بلا شك، أقدم أشكال التسلسل الهرمى الاجتماعى والقمع السياسى وأكثرها انتشارًا. إنها قصة كيف تشابكت خيوط التاريخ هذه لدرجة يصعب معها التمييز بينها.
فى كتابه يشرح سيدجويك كيف نشأ هذا النمط من التربية، ولماذا تغير عبر الزمن، وهل سيستمر على ما هو عليه اليوم، رغم تكلفته الباهظة.

يروى الكتاب، من خلال حياة آباء بارزين مثل أرسطو، والقديس أوغسطين، وهنرى الثامن، وتوماس جيفرسون، وتشارلز داروين، وسيجموند فرويد، نظرة طموحة وعميقة فى آن واحد على تطور مفهوم الرجولة، وكيف استطاع الرجال امتلاك سلطة غير متناسبة من خلال توسيع وتعزيز دور الآباء فى أوقات الأزمات.

الكتاب الذى يقع فى ٣٢٠ صفحة، صدر فى ٢٧ مايو ٢٠٢٥، عن دار نشر «سكربنر» التابعة لسيمون وشوستر، وتأتى أهميته فى أنه يأخذنا فى رحلة من العصر البرونزى إلى يومنا هذا ليُحدث ثورة فى فهمنا للأبوة، ويتحدى المفاهيم الخاطئة التى أحاطت بها لقرون، مما يسمح لنا بمعرفة ماضينا بشكل أفضل وإعادة تصور مستقبلنا المشترك.
أوغسطين سيدجويك هو مؤلف كتاب «كوفيلاند: إمبراطورية رجل مظلمة وصناعة مخدرنا المفضل»، الذى اختارته صحيفة نيويورك تايمز كأحد أفضل الكتب، وفاز بجائزة شيراسكو الدولية.

حصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد، ونشرت كتاباته فى مجلات رولينج ستون، وتايم، ونيويورك تايمز، وول ستريت جورنال، وغيرها الكثير. يعيش سيدجويك فى مدينة نيويورك مع ابنه.
يستكشف الكتاب، الذى يتناول النظام الأبوى، دور الآباء فى الحفاظ على النظام الاجتماعى ومعاناتهم مع الأبناء المتمردين. يقدم سيدجويك نبذات تعريفية عن آباء مشهورين وأبنائهم، بدءًا من سومرى قديم يدعى شوروباج، الذى كتب لوحًا مليئًا بالشكاوى والندم لابنه: «إن نصائح الرجل العجوز ثمينة، فعليك اتباعها!»، وصولًا إلى بوب ديلان، الذى أشعل روح التمرد فى نفوس الشباب، ولكنه أصبح، كما يشير المؤلف، رب أسرة حنونًا غير مسيس، يشبه إلى حد كبير والده المنتمى للطبقة المتوسطة.
ويتطرق الكاتب فى سياق ذلك إلى اعتقاد أرسطو بأن الدولة تقوم على أساس حكم الآباء للأسر، ورغبة ثورو فى الهروب من مصنع أقلام الرصاص الذى يملكه والده فى ماساتشوستس، ودراسة تشارلز داروين المتعمقة لأبنائه العشرة بحثًا عن رؤى حول كيفية وراثتهم صفاته.
يبرز سيدجويك التناقضات بين النظام الأبوى كعقيدة للسيطرة الحميدة وواقعه كشكل من أشكال التقييد والهيمنة التى غالبًا ما تولد المقاومة.

تتناول الفقرات التمهيدية للكتاب أقدم الكتابات المعروفة عن الأبوة، وأبرزها مقتطفات من كتاب «تعليمات شوروباك»- ربما يكون المكافئ القديم لكتاب «الأبوة للمبتدئين»- والذى يعود تاريخه إلى سومر، حوالى ٢٥٠٠ قبل الميلاد، والذى يقدم نصائح حول كيفية معاملة أطفالك، إلى جانب تعليمات حول مكان إنشاء مزرعة، والمبلغ الذى يجب أن تدفعه مقابل الماشية، والتحذيرات من الاختلاط بالنساء المتزوجات.
يتناول أزمات الأبوة فى كل لحظة فارقة من التحولات الاجتماعية الكبرى وعلى رأسها الثورة الصناعية، إذ اندثرت معها الأساليب التقليدية فى العمل، من تجارة مستقرة إلى زراعة الأرض نفسها.
واضطر الرجال إلى التوجه نحو المدن والمصانع، ولم يعودوا يمارسون الرجولة بالطريقة التى كان عليها آباؤهم وأجدادهم. ساد قلق كبير حول معنى الرجولة.
وأيضًا وصول المسيحية إلى أوروبا، وحتى، فى الماضى البعيد، هزيمة أثينا القديمة أمام إسبرطة.
يشير المؤلف إلى أن أول نقاش حول معنى الأبوة: ذلك الحوار النصى «فى اليونان القديمة» بين أفلاطون وتلميذه أرسطو. فقد طرح كتاب «الجمهورية» لأفلاطون رؤية تقوم على فكرة تقاسم الرجال للزوجات، وتربية الأطفال على يد مربيات، بحيث لا يفرق أحد بين أبنائه وأبنائه الآخرين.
وقد طرح هذا كنوع من التجربة الفكرية فى أعقاب أزمة حقيقية فى أثينا بعد هزيمتها فى الحرب أمام إسبرطة.
يتناول باقى الكتاب آباء مشهورين وتجاربهم الشخصية وتصريحاتهم العلنية حول الأبوة. لكنه يتجاوز ذلك بكثير، إذ ينتقل برشاقة بين آلاف السنين من الأنثروبولوجيا والفلسفة والقانون الكنسى والسلوك البشرى، بأسلوب سلس.
فى الفصل الخاص بتوماس جيفرسون، نتعلم أن مصطلح «تربية» الأطفال مصطلح أمريكى، مقتبس من استخدامه الإنجليزى للإشارة إلى المحاصيل والحيوانات، وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بممارسة العبودية فى الولايات المتحدة.

من خلال القسم المتعلق بهنرى الثامن، نتلقى شرحًا وافيًا للوظيفة الاجتماعية للأبناء غير الشرعيين، وتأسيس نظام البكورة كخطة خلافة محكمة.
يكشف الكاتب: «كما نعرفه، فإن يوم الأب هو نتيجة غير مقصودة للسياسات الأمريكية المتناحرة حول العرق والجنس والطبقة».
ففى عام ١٩٦٦، أعلن الرئيس ليندون جونسون عن أن يوم الأحد الثالث من شهر يونيو سيحتفل به من الآن فصاعدًا كيوم الأب. كانت هذه لفتة رمزية تهدف إلى تعزيز الروابط الأبوية، ورفضًا ضمنيًا للسياسات التى أوصى بها دانيال باتريك موينيهان، الذى غادر إدارة جونسون بعد تسريب تقريره المثير للجدل حول حياة الأسر السوداء والفقر.
يعتقد سيدجويك أن تاريخ الأبوة، هو «أزمة هوية متوارثة تمتد لآلاف السنين»، موضحًا أننا بحاجة إلى قصص مشتركة أفضل عن الأبوة، لأنه بدون فهم أعمق وأكثر إنسانية لدور الرجل فى العالم، سنظل نكافح لمعرفة أنفسنا، ومعرفة بعضنا البعض، واكتشاف أغنى جوانب حياتنا.
أما مفهوم الأب فيعود أصل الكلمة إلى القرن الثانى عشر على الأقل، واستخدم المصطلح بدءًا من القرنين الخامس عشر والسادس عشر. بعد الحرب، تحول هذا المصطلح إلى هوية متفق عليها، ودور محدد.
كان الهدف منه تعزيز الروابط بين الرجال وعائلاتهم، حتى لا يشعر الرجال بالإرهاق بعد يوم عمل طويل فى المكتب، وحتى لا يشعر أبناؤهم بالإهمال وينحرفوا.
لقد كان هذا المفهوم رمزًا بارزًا للحرب الباردة: شخصية فعالة وودودة فى آن واحد؛ شخصية يمكن للمجتمع أن يتماسك حولها، وتجسد تفوق الحضارة الغربية.


فى كتاب «الطبيعة الأبوية: علم الإمكانات الأبوية»، يستكشف جيمس ك. ريلينج، كيفية تطور البشر ليمنحوا الآباء المعاصرين إمكانية أن يكونوا فاعلين ومتفاعلين، ويتناول أسباب تطور هذه القدرة لديهم.

تعد رعاية الأب أبناءه مفيدة للأطفال، وبالتالى للمجتمع ككل، إلا أنها تختلف بين المجتمعات البشرية وداخلها. ويتناول ريلينج كيفية تفسير هذا التباين، وما هى التغييرات الاجتماعية والسياسية التى يمكن تطبيقها لزيادة مشاركة الأب الإيجابية.
الكتاب الذى يقع فى ٣٩٢ صفحة، صدر فى أكتوبر ٢٠٢٤، عن دار نشر «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، وتأتى أهميته فى أنه يتناول تأثير الآباء على نمو أطفالهم، وتطور رعاية الأب، وكيف طور الانتقاء الطبيعى فسيولوجيًا الذكور لرعاية الأطفال، وأخيرًا، الدروس التى يمكن للأب المنتظر استخلاصها من الكتاب، فضلًا عن الفوائد التى يجنيها هو نفسه من تربية الأطفال.
جيمس ك. ريلينج أستاذ علم النفس وأستاذ الطب النفسى والعلوم السلوكية فى جامعة إيمورى، ومدير مختبر علم الأعصاب الداروينى. يركز بحثه على دراسة التأثيرات البيولوجية والتطورية على السلوك الاجتماعى البشرى، مع التركيز حاليًا على بيولوجيا الأبوة وأنواع أخرى من مقدمى الرعاية. وهو متزوج وأب لطفلين.
يؤكد ريلينج، فى كتابه، أنه «على الرغم من أن معظم آباء الثدييات لا يشاركون فى تربية صغارهم، إلا أن شيئًا مميزًا حدث خلال التطور البشرى منح الرجال الميل والقدرة على القيام بذلك».

ويشير إلى أن ذكور الشمبانزى والبونوبو، وهما أقرب أقرباء الإنسان العاقل، عدوانيون ولا يقدمون سوى القليل من الرعاية لصغارهم، ويقترح أن غريزة الأبوة لدى البشر تطورت على الأرجح بعد انفصال هذا النوع عن سلفه المشترك الأخير من القردة العليا.
يوضح المؤلف أن إحدى النظريات البارزة لتفسير ذلك تقترح أنه مع ظهور الصيد قبل مليونى عام، تمكن الرجال من تعزيز فرص نقل جيناتهم من خلال توفير البروتين لعدد قليل نسبيًا من النسل، بدلًا من إنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال.
يؤكد الكاتب أن رعاية الأب تعد عاملًا هامًا فى نمو الطفل. حيث تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يحظون بآباء متفاعلين إيجابيًا يميلون إلى تحقيق نتائج نمائية أفضل.
يزدهر الأطفال عندما يكون آباؤهم حنونين، عطوفين، حساسين، ومتجاوبين، وعندما يضعون حدودًا مناسبة ويطبقونها. ويميل الأطفال الذين يحظون بمثل هؤلاء الآباء إلى التمتع بصحة نفسية أفضل، ومشاكل سلوكية أقل، وتفوق دراسى، وتكوين صداقات أكثر.
لكن كيف ولماذا تفيد مشاركة الأب الأطفال؟ بداية، يبدو أن الآباء الجيدين يساعدون الأطفال على تعلم كيفية تنظيم المشاعر السلبية. قد يكون ذلك من خلال تقديم نموذج للسلوك، أو التعليم المباشر، أو اللعب الحركى، الذى له فوائد جمة على النمو النفسى والاجتماعى للأطفال.
يميل العديد من الآباء إلى القيام بدور وصفه عالم النفس التنموى دانيال باكيت بـ«تنشيط» أطفالهم. أى أنهم يميلون إلى الإشراف على استكشاف أطفالهم للعالم خارج المنزل وتشجيعهم عليه.
ويساعدونهم على إدراك أن ما يواجهونه من جديد، وعدم القدرة على التنبؤ، والمنافسة، ليست أمورًا مخيفة، بل فرصًا سانحة للنمو والنجاح.
يشير ريلينج إلى أن الدوائر العصبية المسئولة عن السلوك الأبوى تبدو مشابهة لتلك المسئولة عن السلوك الأمومى. يشمل ذلك نظامًا تحفيزيًا قديمًا تحت القشرة الدماغية يعتمد على الدوبامين، ويساعدنا على الشعور بالرضا تجاه أبنائنا والرغبة فى رعايتهم.
كما توجد سلسلة من الأنظمة القشرية المسئولة عن التعاطف، والتى تساعدنا على فهم مشاعر أبنائنا ونواياهم وأفكارهم واحتياجاتهم.
وأخيرًا، تساعدنا قشرة الفص الجبهى على كبح جماح مشاعرنا السلبية، كالإحباط والقلق، لنكون آباء أفضل. فى النماذج الحيوانية، يمر الآباء الجدد بتغيرات عصبية بيولوجية تهيئ أدمغتهم لسلوك الأبوة.
يلفت المؤلف إلى أن سلوك الأبوة يتفاوت بشكل كبير. حيث تؤثر مجموعة من العوامل، بما فى ذلك التأثيرات التنموية منذ صغر الآباء، «مثل القدوة الأبوية وأمان بيئتهم؛ والتأثيرات الأسرية الحالية، مثل عمل الأم، وتشجيعها لمشاركة الأب؛ والتأثيرات الاجتماعية الهيكلية، مثل توفر إجازة الأبوة المدفوعة، وإصلاح السجون؛ وأخيرًا، التأثيرات السياسية والثقافية».
يوضح الكاتب أن الأطفال والآباء يستفيدون من المشاركة الأبوية الإيجابية، حيث يرتبط إنجاب الأطفال بزيادة متوسط العمر المتوقع وإبطاء شيخوخة الدماغ والقدرات الإدراكية.
يقول: فى مقابلات أجريتها مع آباء من منطقة أتلانتا، ذكروا العديد من مكافآت الأبوة. مثل أن يستمتع الكثير من الآباء بتعليم أطفالهم المهارات والقيم، ونقل المعرفة إليهم.
كما يستمتع الكثيرون بمشاهدة معجزة نمو الطفل: كيف يمكن للبويضة المخصبة أن تتطور فى النهاية إلى إنسان قادر على المشى والكلام والتفكير والحب.
يحصل الآباء أيضًا على العديد من المكافآت الذاتية المهمة، والتى تشمل الشعور بالحب، ورؤية العالم من خلال عيون أطفالهم، ومشاركة فرحتهم، ورؤية أطفالهم كجزء لا يتجزأ منهم، بل وحتى كفرصة للبدء من جديد فى الحياة وتصحيح أخطاء ارتكبوها.
يضيف: أخبرنى العديد من الآباء كم كان من المريح لهم أن يستمع إليهم أحدهم وهم يتحدثون عن تجربتهم كآباء. حتى إن بعض الرجال بكوا، وهذه هى المقابلات التى لا تزال عالقة فى ذاكرتى. كان القاسم المشترك هو أن الأبوة أضافت معنى وهدفًا عظيمين لحياتهم.







