داخل الصندوق.. كيف تجعلنا القيود أفضل؟
- الحدود تساعد فى أن تصبح النسخة الأكثر رضا من نفسك
- الفنانون والعلماء والمخترعون يميلون إلى استخدام القيود المزدوجة
- القيود مفتاح لتحفيز الإبداع والابتكار والتعاون والرضا الشخصى
- القيود تدفع الدماغ إلى ما وراء ميوله المعتادة وتجبره على الانخراط فى حل المشكلات بشكل أعمق
- القيود تغلق العديد من الاحتمالات لكنها تحفّز استكشافًا أكثر تنوعًا وابتكارًا لما تبقى منها
نعيش فى عالم يمنحنا خيارات لا حصر لها ظاهريًا، ويعلى من شأن الحرية فوق كل شىء. لدينا عدد غير مسبوق من الخيارات فيما يتعلق بما نفعله، ومن نكون، وكيف نقضى وقتنا.
كل هذه الخيارات رائعة، لكنها مربكة أيضًا. المفارقة هى أن الحرية المطلقة قد تشل الحركة، وأن الموارد غير المحدودة لا تؤدى بالضرورة إلى أعظم الإنجازات. فى الواقع، قد تكون المبالغة فى تقدير الحرية المطلقة كارثية على كل شىء، بدءًا من تأسيس شركة، وصولًا إلى تسخير الإبداع وتحقيق الرضا الشخصى.
فى كتابه: «داخل الصندوق: كيف تجعلنا القيود أفضل؟»، يجادل ديفيد إبستين بأننا جميعًا- أفرادًا وشركات ومؤسسات، بل وحتى مجتمعات- يمكننا الاستفادة من تضييق نطاق خياراتنا.
يتعمق فى علم القيود وتطبيقاتها العملية، مستكشفًا بدقة متى وكيف يمكن أن تكون الضوابط مفيدة، سواء كنا نعمل بموارد محدودة أو نستخدم حدودًا، نفرضها على أنفسنا، لاستغلال ينابيع غير متوقعة من التركيز والابتكار.
الكتاب، الذى يقع فى 304 صفحات، صدر فى 5 مايو الماضى، عن دار نشر «ريفرهيد بوكس» التابعة لبنجوين رندوم هاوس، ويأتى فى المرتبة الثانية للكتب الأكثر مبيعًا فى عمليات الأعمال والبنية التحتية، والمرتبة السادسة فى علم النفس الاجتماعى والتفاعلات.
ويقدم قصصًا آسرة لمنظمات وأفراد تبنّوا القيود لتغيير أنفسهم والعالم، بالإضافة إلى قصص أخرى عانت من غياب القيود. ويكشف كيف تسهم الحدود فى تحقيق إنجازات عظيمة، وكيف يمكن لوضع القيود المناسبة أن يساعدك على أن تصبح النسخة الأكثر إبداعًا وإنتاجية ورضا من نفسك.
ديفيد إبستين هو مؤلف كتاب «المدى» الذى تصدّر قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعًا، وكتاب «جين الرياضة» الذى تصدّر أيضًا قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعًا.
يحمل شهادتى ماجستير فى العلوم البيئية والصحافة، وعمل ككاتب رئيسى فى مجلة «سبورتس إليستريتد» ومراسلًا استقصائيًا فى «بروبابليكا»، ويقيم فى واشنطن.


يقال إن الجدول الدورى قد ظهر لديمترى مندليف فى حلم. ففى أوائل عام ١٨٦٩، وبينما كان الكيميائى الروسى يغط فى نوم عميق، تحرر من قيود العالم الواعى، ودخل عالمًا خياليًا، حيث رقصت العناصر من حوله حتى تجمعت فى الترتيب المنظم الذى نعرفه اليوم. إنها قصة رائعة. ولكن كما يكتب إبستين فى كتابه فإنها «تغفل تمامًا السر الحقيقى وراء نجاح مندليف».
فى الواقع، كان مندليف متعاقدًا على تأليف كتاب مدرسى فى الكيمياء. وكان فى عجلة من أمره للوفاء بالموعد النهائى، وكان عليه تنظيم المادة بطريقة تلبى متطلبات صارمة. هذه القيود هى التى قادته إلى اكتشافه الرائد.
يعلّق المؤلف: «لم يكن بحاجة إلى التفكير خارج الصندوق، بقدر ما كان بحاجة إلى الإطار المناسب للعمل فيه».
ولذا تكمن فكرة الكتاب الكبيرة والرئيسية فى عنوانه، فبينما قد يعتقد الكثيرون أن الحرية هى أفضل سبيل للانطلاق فى الإبداع أو حتى ريادة الأعمال، يجادل الكاتب بأن القيود غالبًا ما تسهل التميز.
ومن أبرز الأمثلة التى يطرحها فى الفصل الأول، شركة ربما لم تسمع بها من قبل، ولكنك على الأرجح ستستثمر فيها اليوم لو أتيحت لك الفرصة.
فى تسعينيات القرن الماضى شكلت شركة «جنرال ماجيك» فريقًا متميزًا من خبراء التكنولوجيا، ونجحت فى طرح أسهمها للاكتتاب العام والحصول على ملايين الدولارات من الاستثمارات، دون أى منتج.
لكن لا أحد يملك أسهمًا فى «جنرال ماجيك» اليوم، لأنه على الرغم من وجود عباقرة يعملون على مشاريع عظيمة- مثل منفذ USB وشاشات اللمس وكل ما أصبح فيما بعد هاتف آيفون- إلا أنهم تركوا هؤلاء العباقرة يعملون بحرية تامة، ولم يكملوا معظم مشاريعهم، ولم يطرحوا منتجاتهم فى السوق فى الوقت المناسب.
هناك فيلم وثائقى رائع يتناول هذه القصة. كانت «جنرال ماجيك» تمتلك كل المقومات، لكنها كانت بحاجة إلى مديرين ومواعيد نهائية وميزانيات محدودة.
يقدم «إبستين» حجة لصالح القيود، ويعد كتابه بمثابة دليل لأمثلة داعمة. فقد حصلنا على كتاب الأطفال «البيض الأخضر ولحم الخنزير» للدكتور سوس، لأنه كان يعمل ضمن قيود تحده عند تأليفه «إذ لم يكن مسموحًا له باستخدام أكثر من ٥٠ كلمة».
وحصلنا على تسجيل كيث جاريت الأسطورى لحفل كولن الموسيقى، لأن البيانو الذى كان يعزف عليه لم يكن مثاليًا، ما فرض قيودًا عليه. اتضح أن التصميم الشامل فعال، لأنه يراعى المستخدمين الأكثر تقييدًا أولًا.
«إن التحديات التى يواجهها (المستخدمون المتطرفون) غالبًا ما تمثل نسخًا أكثر حدة من التحديات التى يواجهها العديد من المستخدمين الآخرين». يقدم كتاب إيلى جولدراث الشهير فى عالم الأعمال، «الهدف»، نظرية القيود الخاصة به، والتى تعرف بأنها «فكرة أن عنق الزجاجة الواحد يحدد مصير النظام».


يعتمد «إبستين» بشكل كبير على أعمال عالمة النفس باتريشيا ستوكس، التى درست الإنجازات الإبداعية ولاحظت نمطًا متكررًا، فقد كان الفنانون والعلماء والمخترعون الذين حققوا إنجازات بارزة يميلون إلى استخدام القيود المزدوجة: قاعدة تمنع أسلوبهم المألوف، وقاعدة أخرى تشجع على أسلوب جديد ومحدد.
على سبيل المثال، منع «مونيه» استخدام اللون الأسود وشجّع على استخدام ضربات فرشاة غير منتظمة. كما استبعدت «وولف» الحبكة التقليدية وشجّعت على استخدام المونولوج الداخلى.
قد يكون الكتاب على دراية خاصة بفوائد القيود، فقد أشاد العديد من الشعراء بقيود أشكال أدبية كالسونيت «قصيدة غنائية غربية تتكون من١٤ بيتًا شعريًا، نشأت فى إيطاليا خلال عصر النهضة وانتشرت فى جميع أنحاء أوروبا. تعالج غالبًا موضوعات الحب العفيف، وتتطلب وزنًا وقافية»، التى تحفز الإبداع.
ولدينا أمثلة لكثير من الكتاب الذين حرموا أنفسهم من الأحاسيس والانطباعات، وقلّصوا أنشطتهم للكتابة. استأجرت «مايا أنجيلو» غرفة فى فندق وأبقتها خالية قدر الإمكان. وعمل «بروست» فى غرفته المبطنة بالفلين. ويصف المؤلف أساليب الكاتبة غزيرة الإنتاج «إيزابيل الليندى»، التى تتضمن العزلة والحد الشديد من النشاط خلال موسم الكتابة من كل عام.
هذه الطقوس التى تمارسها «الليندى» فى الثامن من يناير هى شكل مما يسميه علماء الاجتماع «آلية الالتزام»: وهى تقييد ذاتى للحرية فى سبيل تحقيق هدف أسمى.
وقد أظهرت الدراسات أن آليات الالتزام تساعد الناس على توفير المزيد من المال، من خلال امتلاك حساب مصرفى بفترات سحب محدودة، وعلى ممارسة الرياضة بشكل أكبر، من خلال توقيع عقد لدفع غرامة فى حال تغيبهم عن النادى الرياضى لأيام كثيرة.
يوضح الكاتب أن ميل الدماغ البشرى إلى العودة إلى الأنماط المألوفة بدلًا من بذل جهد فكرى كبير يجعل الحرية المطلقة تؤدى إلى أفكار غير مبتكرة. أما القيود، «فتدفع الدماغ إلى ما وراء ميوله المعتادة، وتجبره على الانخراط فى حل المشكلات بشكل أعمق».
من الأمثلة التاريخية الأخرى فى هذا السياق، قصة انطلاقة الروائى اليابانى هاروكى موراكامى. فبعد أن شعر «موراكامى» بالإحباط من محاولاته المبكرة غير المبتكرة فى الكتابة، فرض على نفسه قيدًا وكتب بلغته الإنجليزية المحدودة، ثم ترجمها إلى اليابانية. وكانت النتيجة أسلوبًا بسيطًا وفعالًا وصفه موراكامى بأنه «إيقاع إبداعى خاص بى».
وفى موضع آخر، يشير «إبستين» إلى أن فكرة الإبداع مرادف للأصالة هى نتاج العصر الرومانسى. قبل ذلك، كان الإبداع مرتبطًا بتحسين شىء موجود بالفعل. شكسبير، على سبيل المثال، استند فى روائعه مثل: روميو وجولييت والملك لير، إلى أعمال سابقة لكتاب آخرين.


يقول المؤلف إن أفضل محفز للإبداع هو عندما تمنع الحل الذى اعتدت اختياره، فإنك تجبر على التفكير بطرق جديدة. يطلق علماء النفس أحيانًا على هذا «قيد الاستبعاد»، حيث تمنع المسار المألوف لتجبر نفسك على فعل شىء آخر.
وكما قال عالم الإدراك دانيال ويلينجهام، قد تعتقد أن دماغك مصمم للتفكير، ولكنه فى الواقع مصمم لمنعك من التفكير كلما أمكن. التفكير مكلف من الناحية الطاقية، لذا يرغب دماغك فى فعل ما هو سهل. عندما تواجه مشكلة أو مهمة سيلجأ دماغك إلى ما يسميه علماء الإدراك «مسار المقاومة الأقل»، أى ما هو مريح أو معتاد.
لكن إذا أردت أن تكون مبدعًا فعليك أن تمنع هذا الخيار التلقائى. أحيانًا تمنعه الضرورة، ولهذا السبب لدينا المثل القائل بأن الحاجة أم الاختراع. عندما لا يكون الخيار السهل متاحًا، تجبر على فعل شىء مبتكر. لكن إن كنت تسعى فقط إلى مزيد من الإبداع فكّر مليًا فيما تفعله، ثم حدد مسارك.
يشارك الكاتب مثالًا على كيفية تطبيقه هذا المبدأ فى بعض أعماله. أثناء تأليف هذا الكتاب، كان يبدأ الفصول الجديدة بتدوين أول ما يخطر بباله، ثم يقول: «انس هذا.. لا يمكننى استخدامه كبداية.. علىّ أن أجد شيئًا آخر».
كان الأمر مزعجًا وغير مريح، لكنه أجبره على التفكير مليًا فى أفضل نقطة بداية للفصل، وليس مجرد أول فكرة تخطر على البال.
مهما كانت مهمتك الإبداعية، لا تتسرع إلى الحل المألوف. ربما، فى العمل، فكّر فى أن تسأل: «إذا لم نتمكن من التوصية بالحل المعتاد فى اجتماعنا المقبل مع العميل، فماذا سنفعل بدلًا منه؟» حتى لو اخترت الحل المألوف فى النهاية، قد يكون من المفيد استكشاف نتائج هذا المحفز الإبداعى قبل اتخاذ القرار.


يتحدث المؤلف عن القواعد التى وُضعت لتأليف الموسيقى فى أوائل القرن الثامن عشر. «إحدى هذه القواعد تنص على أن كل لحن، أو سطر موسيقى، يجب أن يحتوى على نغمة ذروة واحدة عالية الحدة تظهر مرة واحدة فقط. قاعدة أخرى تمنع لحنين متداخلين من تجاوز نفس المسافة فى نفس الوقت، خشية أن يمتزج اللحنان المميزان ويفقدا استقلاليتهما».
وكما يشير الكاتب «القائمة الكاملة مذهلة» ولكن اتضح أن هذه القواعد أنتجت بعضًا من أكثر الموسيقى أصالة وتعقيدًا وجمالًا التى سمعناها على الإطلاق. لم يكتفِ «باخ» باتباع هذه القواعد، بل ابتكر المزيد منها.
يقتبس «إبستين» عن ملحن ألمانى بارز كتب أن «باخ» كان «ربما أعظم مثال فى أى شكل فنى على قدرة الفنان على التحرك بحرية وثقة، حتى فى ظل القيود»، ويضيف أن هذا قد يكون فى الواقع «بسبب القيود».

يروى المؤلف أنه فى عام ١٧٩٨ نشر الاقتصادى والقس توماس مالتوس مقالًا بعنوان «مقال فى مبدأ السكان»، زعم فيه أن النمو السكانى سيتجاوز حتمًا الإمدادات الغذائية، ما سيؤدى إلى غرق الحضارة الإنسانية فى دوامات من الفقر والموت الجماعى.
كانت هذه التوقعات، على أقل تقدير، محض هراء. فعندما نُشر مقال «مالتوس» كان عدد سكان العالم يبلغ حوالى مليار نسمة، وكان الكثير منهم يعانون من الجوع بشكل متكرر. أما اليوم، فيتجاوز عدد سكان العالم ثمانى مليارات نسمة، ويتمتع الفرد العادى اليوم بمستوى معيشى أفضل بكثير من حيث الغذاء والملبس والأجر.
لكن مقال «مالتوس» لم يكن خاطئًا فحسب، بل كان خطأ مفيدًا. فبعد عقود، حفّز اكتشافًا علميًا لم يكن «مالتوس» ليتوقعه أبدًا.
كتب تشارلز داروين فى سيرته الذاتية، التى نشرت عام ١٨٧٦: «فى أكتوبر ١٨٣٨، أى بعد خمسة عشر شهرًا من بدء بحثى المنهجى، قرأت بالصدفة كتاب مالتوس عن السكان، من باب التسلية». وكما أوضح، فإن نظرة الاقتصادى القاتمة إلى التنافس بين الثدييات ألهمت جزئيًا نظريته حول كيفية تطور الأنواع: «بعد أن أدركت جيدًا الصراع من أجل البقاء الذى يدور فى كل مكان، نتيجة للملاحظة المستمرة لعادات الحيوانات والنباتات، خطر لى على الفور أنه فى ظل هذه الظروف تميل الاختلافات المواتية إلى البقاء، بينما تباد الاختلافات غير المواتية. وستكون نتيجة ذلك نشوء أنواع جديدة. وهكذا، حصلت أخيرًا على نظرية أستطيع العمل بها».
إن أكثر ما يثير الدهشة فى إنجاز «داروين» هو أنه لم يكن الإنجليزى الوحيد الذى قرأ «مالتوس» وطبّق أفكاره على أصل الأنواع. فقد توصل زميله عالم الطبيعة ألفريد راسل والاس إلى نظرية مماثلة حول تنافس الأنواع من أجل البقاء فى منافسة أدت إلى بقاء جينات معينة، ونسب «والاس» أيضًا لحظة إلهامه بشأن التطور إلى «مالتوس» نفسه. يقول «والاس»: «دفعنى شىء ما للتفكير فى مقال مالتوس عن السكان.. ثم خطر لى أن هذه الضوابط لا بد أن تؤثر أيضًا على الحيوانات، وتبقى أعدادها منخفضة.. وبينما كنت أفكر بشكل مبهم فى كيفية تأثير ذلك على أى نوع، خطرت لى فجأة فكرة البقاء للأصلح».
كانت الصدفة مذهلة لدرجة أن «داروين» نفسه لم يصدقها. فى رسالة إلى أحد أساتذته، كتب: «لم أرَ قط مصادفة أغرب من هذه» ابتكر رجلان إنجليزيان معًا واحدة من أكثر النظريات جذرية وأهمية فى تاريخ العلم من خلال تكييف دروس من نفس المقال الاقتصادى. أليس هذا غريبًا؟ لكن اتضح أنه ليس غريبًا على الإطلاق.


ينتقل الكاتب إلى عام ٢٠١٢، عندما بدأت ولاية تكساس بعرض إحصاءات وفيات حوادث المرور السنوية على لوحاتها الإلكترونية على الطرق السريعة. كان الهدف واضحًا: تذكير السائقين بعدد الضحايا على طرق الولاية، ما سيجعلهم أكثر حذرًا.
لكن بدلًا من ذلك، تسببت هذه اللافتات فى وقوع حوادث.
طبّقت تكساس البرنامج لمدة أسبوع واحد فقط كل شهر، ما أتاح لباحثين فرصة لإجراء تجربة طبيعية مثالية تقريبًا. نفس الطرق، نفس الفصل، نفس الوقت من اليوم، نفس اليوم من الأسبوع، الفرق الوحيد كان فى ارتفاع عدد الوفيات من عدمه.
درس الباحثان بيانات ثمانى سنوات، ووجدا أن اللافتات مرتبطة بزيادة ملحوظة فى الحوادث؛ بضعة آلاف من الحوادث الإضافية سنويًا، مع أسوأ الآثار على أكثر أجزاء الطريق ازدحامًا. عملت اللافتات تمامًا كما صممت؛ جذبت انتباه السائقين، وهذا ما تسبب فى وقوع الضحايا.
الذاكرة العاملة هى عنق الزجاجة فى الإدراك البشرى. لديك كمية محدودة منها، وعندما تمتلئ لا بد من التضحية بشىء ما. جميعنا ندرك هذا ضمنيًا، لهذا السبب نخفّض صوت الموسيقى فى السيارة عندما نبحث عن عنوان.
فالموسيقى لا تعوق رؤيتنا، بل تشغل ذاكرتنا العاملة. كانت لافتات تكساس تتطلب من السائقين التركيز اللازم لاتخاذ القرارات. لم يكن السائقون متهورين، بل كانوا منشغلين. يقول «إبستين»: عندما اطّلعت على هذه الدراسة أثناء بحثى لكتابى، لم أكن متفاجئاً، لأن هذا النوع من إخفاقات التصميم أصبح مألوفًا جدًا.
نفعل هذا طوال الوقت؛ نبنى مؤسساتنا وسياساتنا ومنتجاتنا وحياتنا الشخصية لمستخدم مثالى: شخص يتمتع بانتباه لا محدود وتحكّم كامل فى النفس، ثم نتفاجأ عندما لا يتصرف البشر الحقيقيون كما يتصرف هذا الشخص المثالى المتخيل.
وقد صاغ فريق من الباحثين فى البرازيل والولايات المتحدة مصطلحين مفيدين لوصف هذه الظاهرة. يفرّقون بين «المواطن المثالى»- الذى يوازن بين التكاليف والفوائد بدقة ويتصرف بناء على النتيجة- و«المواطن الواقعى»، الذى لديه انتباه محدود، وتفضيلات متضاربة، واعتقاد خاطئ، وإن كان متفائلًا، بأن ذاته المستقبلية ستقدم تضحيات يرفضها حاضره.
المواطن المثالى غير موجود، المواطن الواقعى هو من تصمم له، سواء أدركت ذلك أم لا. وأفضل ما يمكنك تقديمه للمواطن الواقعى ليس بالضرورة المزيد من المعلومات أو الخيارات أو التحفيز، بل هو القيد الصحيح، الحد الذى يجعل القرار الصائب سهلًا.
يلفت المؤلف هنا إلى مثال مثير للاهتمام من شركة شاى فى ملاوى. قدمت الشركة لموظفيها برنامج «ادفع لى لاحقًا»: حيث يمكن للعمال اختيار اقتطاع جزء من كل راتب ودفعه دفعة واحدة بعد موسم الحصاد. ثم تم توزيع الموظفين الذين أبدوا رغبتهم فى المشاركة عشوائيًا إما للتسجيل فى برنامج «ادفع لى لاحقًا» أو للبقاء على جدول عملهم المعتاد.
بعد أشهر من انتهاء التجربة، امتلك العمال الذين كانوا مشتركين فى برنامج الدفع المؤجل أصولًا تزيد بنحو ١٠٪ عن المجموعة الضابطة، وكانوا أكثر ميلًا لإجراء تحسينات على منازلهم.
بالنسبة للمواطن المثالى، لا ينبغى أن يكون للبرنامج أى تأثير، كان بإمكانه تحويل المبلغ نفسه إلى مدخراته بنفسه، لكن المواطنين المثاليين غير موجودين. المواطنون الحقيقيون كانوا بحاجة إلى هذا القيد. معظم السياسات والعادات الناجحة تبدو على هذا النحو، فهى لا تطلب من المستخدم أن يكون نسخة أفضل من نفسه، بل تتقبله كما هو وتضع السلوك المرغوب فيه على مساره الأسهل.
مثلًا، خطة تقاعد مع اشتراك تلقائى. قائمة مشتريات تُكتب قبل الشعور بالجوع. ترك الهاتف فى غرفة أخرى أثناء الكتابة. تجهيز حذاء الجرى فى الليلة السابقة. أو كما رأيت عمليًا مع فرق رياضية محترفة خلال عملية اختيار اللاعبين، مطالبة كل عضو فى الفريق بكتابة اختياره قبل أن يتحدث أى شخص فى الغرفة.
عندما لا تسير الأمور على ما يرام، يميل المرء غريزيًا إلى المطالبة بمزيد من الانضباط، من الموظفين، ومن المواطنين، وحتى من أنفسنا. لكن الأدلة تشير دائمًا إلى عكس ذلك، فالمشكلة ليست فى ضعف البشر أمام النظام، بل فى أن النظام صُمم لشخص غير موجود.
إذا أردت قرارات أفضل من مواطنين حقيقيين، فابنِ الطريق للسائقين الموجودين لديك فعلًا، لا لمن هم فى الصورة النمطية.

يشير الكاتب إلى مصطلح «الاكتفاء» الذى صاغه هربرت سيمون، الحائز على جائزة نوبل فى الاقتصاد وأحد مؤسسى الذكاء الاصطناعى وعلم النفس المعرفى، وهو مزيج من كلمتى «الرضا» و«الاكتفاء».
اكتشف «سيمون» أن البشر لا يستطيعون تحسين قراراتهم بالطريقة التى تقترحها النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، لأن قدرتنا على تقييم الخيارات المختلفة والتنبؤ بالمستقبل محدودة. لذا، علينا أن نكتفى باختيار خيارات جيدة بما يكفى.
اقترح «سيمون» أن نضع قواعد «الاكتفاء» لقراراتنا بشكل استباقى، وبمجرد تجاوز هذه القواعد، نختار الخيار ولا نتراجع. قد يتجاوز أى قرار تتخذه أو عملية شراء تقوم بها حدود «الاكتفاء»، ولكن بمجرد تجاوزها نمضى قدمًا. عند الشراء، حدد ما تحتاجه من المنتج، وبمجرد إيجاد الخيار المناسب، اختره وانتقل إلى غيره.
عكس الاكتفاء هو ما يسمى «التعظيم»، هنا تحاول حقًا تقييم كل خيار واتخاذ القرار الأمثل. يشبه هذا الأمر عندما تجد شيئًا ترغب بمشاهدته على «نتفليكس»، ولكنك تستمر بالبحث لاحتمال وجود ما هو أفضل. تطبيقات المواعدة مثال واضح: تجد شخصًا يعجبك، لكنك تختار التمرير أكثر، فمن يدرى ما يخبئه المستقبل؟
تظهر الأبحاث النفسية أن السعى إلى الكمال غالبًا ما يكون أمرًا سيئًا. فالأشخاص الذين يسعون إلى الكمال أقل رضا عن قراراتهم، وأقل رضا عن حياتهم، وأكثر عُرضة للندم. يفضلون القرارات القابلة للتراجع، حتى وإن انتهى بهم الأمر أكثر سعادة بقرارات غير قابلة للتراجع. مجرد خيار إبقاء خياراتهم مفتوحة دائمًا يدخلهم فى مستوى معين من التعاسة.
جميعنا بحاجة إلى قدر أكبر من الرضا فى هذا العالم، حيث أصبح من السهل أكثر من أى وقت مضى مقارنة كل قرار وجانب من جوانب الحياة بعدد لا حصر له تقريبًا من الأشخاص والخيارات الأخرى. من المهم لرفاهيتنا أن نفكر فى وضع قواعد جيدة بما يكفى.







