كمال زاخر: الكنيسة تحتاج إلى عودة «الدور العلمانى».. ومراجعة التراث «ضرورة»
- الكتاب جاء تطورًا لرؤية شاغلتنى قبل 4 عقود مع انتشار كتابات تخاصم العقل وخفوت التعليم الأرثوذكسى
- كتبت وصيتى الأخيرة للأزمات المعاصرة للكنيسة والبابا تواضروس بدأ مشوار مراجعة التراث
كمال زاخر كاتب وباحث ومفكر مصرى من مواليد عام 1949، ينتمى لمحافظة أسيوط. أصدر عدة كتب وكتيبات ودراسات تناولت الشأن القبطى والكنسى وقضايا المواطنة والدولة المدنية، من بينها: «العلمانيون والكنيسة»، و«قراءة فى واقعنا الكنسى»، و«الكنيسة: صراع أم مخاض ميلاد؟».
كتب مقالات فى عدد من الصحف المصرية مثل الوطن والأهرام وروز اليوسف.
شارك فى تأسيس «التيار العلمانى القبطى» عام 2006، وأسهم فى مناقشة قضايا المواطنة والإصلاح الكنسى.
وشارك فى إعداد مشاريع قوانين قدمت للدولة مثل المحاكمات الكنسية، والأحوال الشخصية للمسيحيين، وتنظيم بناء وترميم الكنائس، وهو عضو بعدد من الجمعيات والحركات المعنية بحقوق الإنسان ومناهضة التمييز الدينى والتطرف.
عن أهم الأفكار التى جاءت فى كتابه: «كنيستنا القبطية إلى أين: المسارات، الطموحات، المخاطر»، كان لـ«حرف» هذا الحوار مع كمال زاخر.

■ ما الذى ألهمك أكثر لتأليف هذا الكتاب؟
- لم يكن هذا الكتاب ابن الأمس أو أمس الأول، لكنه جاء تطورًا لرؤية شاغلتنى قبل نحو أربعة عقود، مع إطلالة تسعينيات القرن العشرين، وقد شهد الفضاء العام والكنسى بالضرورة مع الألفية الثالثة تطورًا خطيرًا فى وسائل التواصل الاجتماعى، فيما عرف بالعالم الافتراضى، الأمر الذى أغرقنا فى طوفان من الأخبار والتحليلات والتقارير التى يختلط فيها الصحيح مع غير الصحيح.
وبالتوازى انتشرت الكتابات التى تخاصم العقل، والتى تتعلق بالغيبيات والخوارق مع خفوت التعليم الأرثوذكسى، وكان لهذا أسبابه، فحملت سطور الكتاب تحليلًا لما صرنا إليه، الجذور والملابسات والعلاجات والطموحات.
■ ما المصادر التى اعتمدت عليها فى إعداد الكتاب؟
- بالإضافة إلى اشتباكى المباشر مع وقائع وأحداث وإشكاليات المجتمع العام والكنسى، والذى يحمل تفاصيل الكثير منها، بعضها عن قرب بل وفى القلب منها، وبعضها من متابعاتى لحال الكنيسة، الكيان المؤسسى والشخوص، تأتى سلسلة من المراجع الوثائقية ما بين كتب ومجلات كنسية، أو أطروحات عديد من المفكرين الذين تعرضوا للأحداث والقضايا الكنسية والقبطية، ووثقوها فى تقارير وتوصيات نشروها مكتوبة ومتلفزة فى العديد من آليات الإعلام، وقد خصصت فصلًا فى الكتاب لأبرزها كان فى مقدمتها الكتاب المقدس بعهديه.
بجانب موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية شبكة التواصل الاجتماعى، وكتاب «وصف مصر» المجلد الأول تأليف علماء الحملة الفرنسية ترجمة زهير الشايب طبعة صندوق التنمية الثقافية ١٩٩٣ـ مصر.
وأيضًا كتاب قصة الكنيسة القبطية إيريس حبيب المصرى، الكتاب الخامس والكتاب السادس إصدار مكتبة المحبة القاهرة، وكتاب «الكهنوت» لقداسة البابا شنودة الثالث، وكتاب القداس الإلهى مكتبة المحبة.
علاوة على مجلة الكرازة إصدار الكلية الإكليريكية القاهرة، ومجلة مدارس الأحد عدد أبريل ١٩٤٧، إصدار بيت مدارس الأحد القاهرة، وكتاب خريف الغضب محمد حسنين هيكل، النسخة العربية ١٩٨٦ـ القاهرة، ومجلة الكرازة عدد أكتوبر ١٩٦٧ إصدار الكلية الإكليريكية القاهرة.

■ هل واجهت أى صعوبات أثناء إعداد الكتاب، وما هى؟
- حقيقة لم أواجه أى صعوبات أثناء إعداد الكتاب، وإن لم يخلُ الأمر من تحذيرات عديد من الأصدقاء من تداعيات، يتوقعونها جراء نشره، من حملات هجوم ورفض وتشويه من أصحاب المصالح الذين يرونه كاشفًا عن توجهاتهم، وقد كان، خاصة فى مواقع العالم الافتراضى.
وأذكر أن جماعة مناوئة للكنيسة يحركها بعض المنتسبين إليها، وأذكر أن أحدهم كتب بيانًا عنوانه «كارثة لقاء كمال زاخر مع قداسة البابا تواضروس» «هكذا!!»، عقب نشر خبر لقائى بقداسة البابا لتقديم نسخة من كتابى هذا لقداسته، وهو تقليد أتبعه مع كل كتاب أو فعالية ثقافية ذات صلة بالكنيسة، وقد حدث مثلها قبلًا مع قداسة البابا شنودة الثالث ثلاث مرات وربما أكثر، مع صدور كتابى «الأب دانيال: المصداقية، الاختراق، النكوص» عام ١٩٩١، وكتاب «العلمانيون والكنيسة» عام ٢٠٠٩، وتقارير وتوصيات مؤتمرات التيار العلمانى القبطى بشكل دورى سنوى من ٢٠٠٦ حتى ٢٠١٠.
ثم تكرر مع قداسة البابا تواضروس تباعًا، إذ قدمت لقداسته كتاب «العلمانيون والكنيسة» مرفقًا به تقريرًا مجمعًا لتوصيات مؤتمرات العلمانيين، فور إعلان نتيجة القرعة الهيكلية باختياره لموقع البابوية، عام ٢٠١٢، ثم كتاب «قراءة فى واقعنا الكنسى» عام ٢٠١٥، ثم كتاب «الكنيسة: صراع أم مخاض ميلاد؟» عام ٢٠١٩.
■ ما الفكرة أو الرسالة الرئيسية التى ترغب فى إيصالها من خلال الكتاب؟
- تتبلور فكرة الكتاب كحلقة أخيرة فى سلسلة ممتدة، حول كيفية تجاوز الكنيسة لأزماتها المعاصرة ودعم قدراتها على أداء رسالتها، وقد تجد سطورى من يترجم توصياتها إلى واقع معيش.
وفى تقديرى أن هذا الكتاب يحمل طرحًا عركته وكتبت سطوره خبرات وتراكمات كل هذه السنين، والتى انعكست على منهج الطرح وعلى توصيات الخروج بالكنيسة من مأزق المواجهات الحادة، وهى مواجهات وصدامات كثيرها غائم ومرتبك ومشخصن، إلى براح رسالتها ودورها وأدواتها، وحتمية مواجهتها لواقعها وضبطه على ما تمتلكه من زخم لاهوتى وفكرى وما تختزنه فى ليتورجيتها «صلواتها الرسمية» من قواعد مؤسسة لإيمان وحياة مستنيرة فى المسيح، لحياة أفضل، تمتد خارج أسوارها لعالم ينتظرها أن تأخذ بيده لحياة أفضل.

■ صدر لك عديد من الكتب والدراسات الفكرية التى تتناول قضايا الكنيسة.. ما الإضافة التى تقدمها فى هذا الكتاب؟
- ربما تكون الإضافة فى تناول القضايا الكنسية المعاصرة، ومسارات الخروج منها بحلول قابلة للتطبيق، فى عالم متغير محتشد بالتحديات، وقد انعكس هذا على التوصيات التى حملتها صفحاته، وعلى الاقتراب المحايد من الشخوص الذين شكلوا واقعها خلال القرن الماضى حتى لحظة الكتابة، إيجابًا وسلبًا، بعيدًا عن الشخصنة أو التعميم.
■ فى رأيك، ما أبرز الأحداث فى مسيرة الكنيسة المصرية التى أحدثت تحولات ضخمة؟
- فى التاريخ البعيد استطاعت الكنيسة أن تحافظ على وجودها وعلى هويتها المصرية، رغم التحولات العاصفة التى تعرضت لها مصر، عندما تحولت لأسباب تاريخية من اليونانية إلى القبطية فى القرن الخامس الميلادى، ثم من القبطية إلى العربية فى القرن العاشر، بل وتفاعلت مع المجتمع داخلها وحولها.
وفى التاريخ المنظور أسهمت فى نهضة المجتمع المصرى من خلال توظيف إمكاناتها فى إنشاء سلسلة مدارس فى القرن التاسع عشر عرفت بمدارس الأقباط، فى العديد من المدن والقرى، وسلسلة موازية من المستشفيات. وكلاهما يقدم خدماته لكل المصريين، وما زالت الكنائس تقدم خدماتها الاجتماعية من خلال مشاريعها الخدمية العديدة.
وقد شهدت الكنيسة موجات من الأعمال الإرهابية التى استهدفتها، فى سبعينيات القرن العشرين من قبل الجماعات المتطرفة، وقد انحسرت هذه الموجات الآن بفعل التحولات السياسية التى شهدتها مصر. وبقيت الكنيسة تحمل الحب لوطنها وتصلى من أجل سلامه وخيره.
■ كيف يمكن استعادة دور التيار العلمانى داخل الكنيسة المصرية؟
- يحتاج الأمر إلى قناعة مجمع الأساقفة بحاجة الكنيسة إلى عودة الدور العلمانى فى إدارة الكنيسة، بعد تجربة ممتدة لنحو ثلاثة أرباع القرن شهدت استبعادهم، أو تفريغ دورهم من الفاعلية، وحصره تنفيذ قرارات الإكليروس «القيادات الكنسية الكهنوتية».
وقد عانت الكنيسة والأقباط من هذا الاستبعاد، لافتقارها لجناح متعدد الخبرات بحكم تكوينه النوعى والعلمى وتخصصاتهم، وقدرة المدنيين على التواصل مع الجهات الرسمية والشعبية السياسية دون حواجز أو حساسية، وقد كان هذا المحور إحدى القضايا التى تناولها الكتاب.
وننتظر قرارًا بعودة المجلس الذى كان يمثلهم، والمسمى قبلًا بالمجلس الملى، والذى تم تجميده مع الألفية الثالثة، بقرار كنسى، ويحتاج إلى إعادة هيكلة، بدءًا من المسمى المفارق لبيعة الدولة المدنية التى تقوم على المواطنة، ووضع قواعد جديدة لنطاقات عمله داخل الكنيسة، إدارة مواردها وقنوات الصرف، وخارجها فيما يتعلق بعلاقتها مع الجهات الرسمية والغيرية، فضلًا عن آلية تشكيله، وفقًا لقواعد الديمقراطية والشفافية.

■ قلت إن كنيسة اليوم بحاجة جادة لمراجعة التراث.. وأن البابا تواضروس يحاول القيام بذلك.. ما الخطوات فى رأيك؟
- هذا مطلب ملح تفرضه عوامل عديدة، وكان من الأمنيات التى أعلنها قداسة البابا شنودة عقب اختياره وتجليسه بابا وبطريرك للكنيسة، وهو ما جاء مجددًا ضمن رؤية البابا تواضروس التى يؤكدها دومًا، ذلك أن التراث يحمل طيفًا من الأمور التى تشكلت فى مراحل التراجع التى عبرت على الكنيسة لأسباب تاريخية تناولتها عبر صفحات الكتاب.
وقد بدأ البابا تواضروس مشوار المراجعة بمحاولة «مأسسة» الكنيسة وتشكيل لجان داخل مجمع الأساقفة تتناول مراجعة التعليم والكتب التراثية، ولكنه عمل يحتاج إلى قدرات تتجاوز المجمع، وأعتقد أن على الكنيسة التعاون مع المراكز الثقافية القبطية ومثيلاتها فى الكنائس الأرثوذكسية المشرقية، والجامعات التى تضم أقسامًا أكاديمية ذات صلة بهذا الأمر.
■ ذكرت أكثر من مرة فى الكتاب «الإلحاد».. كيف يجب أن تتعامل الكنيسة مع تلك الإشكالية؟
- طالما كان الأمر متعلقًا ببناء الفكر فيكون مدخلنا فى التعامل معه «التعليم» وبناء الوعى، وهى مهمة منظومة التعليم الكنسى، خاصة فى الاجتماعات النوعية، اجتماعات الشباب، اجتماعات الأسرة، اجتماعات الخريجين وغيرها، ومعها وربما قبلها منظومة «مدارس الأحد» الموكل إليها تعليم وتنشئة الأطفال والصبية والشباب.
وهو أمر يوجب مراجعة مناهج الدراسة وعناصرها وإسناد هذه المهمة لدارسين وباحثين ومتخصصين فى هذه القضايا، وعلى المستوى المؤسسى تحتاج المؤسسات التعليمية الرسمية الكنسية «الكليات الإكليريكية والمعاهد اللاهوتية» إلى تطوير منهجى ونظامى بالتعاون مع الجامعات ذات الصلة داخل مصر وخارجها.
وفى هذا السياق نذكر تجربة «حركة الشبيبة الأرثوذكسية» وهى منظومة تأسست بكنيسة الروم الأرثوذكس فى منتصف القرن العشرين بلبنان، وعكفت على إعداد الشباب هناك إعدادًا روحيًا وفكريًا فى تكامل يجمع بين ما هو دينى وما هو مجتمعى مدنى تثقيفى، وقدمت للمجتمع كوادر تشتبك مع قضاياه العامة برؤية منفتحة وتحصن الشباب قى مواجهة التيارات الفكرية الفاشية والإلحادية، على أسس مسيحية واعية.

■ كيف ترى مستقبل الكنيسة القبطية خلال الفترة المقبلة؟
- الكنيسة القبطية تحمل داخلها عناصر قوتها، كونها كنيسة استطاعت أن تترجم خلال صلواتها وعباداتها هويتها المصرية، إذ تصلى من أجل كل المكونات المصرية؛ الأرض والنيل ونتاج الأرض من محاصيل، والإنسان بكل احتياجاته وسلام واستنارة الحكام والسلام مع الأقطار المحيطة، بل وسلام العالم.
والغالبية الكاسحة حولها مسالمة تقبل بها وتتفاعل معها، وتواجه معها دعوات العنف والفرقة والإرهاب، وفى سياق آخر تتفاعل الكنيسة من خلال كوادرها مع توترات الحياة حولها وداخلها، وإن كان ببطء لكونها كيانًا تقليديًا ممتدًا فى عمق التاريخ. لكنها نجحت فى أن تمد مظلتها الروحية إلى رعيتها فى أرجاء العالم استجابة لحنين المصريين أينما ذهبوا للوطن الأم.
■ ما رؤيتك لمشروع الحكومة لقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين؟
- هذا المشروع تمت صياغته وكتابته داخل أروقة الكنائس، وأحيط بسرية تامة، ولم يطرح لنقاش مجتمعى حتى للمخاطبين به، فضلًا عن المؤسسات الحقوقية، خاصة تلك المهتمة بشأن الأسرة المصرية.
ويستند مشروع القانون دستوريًا إلى المادة الثالثة من دستور ٢٠١٤، ونصها «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية».
ويحسب لهذا المشروع الانتقال فى تنظيم شئون الأسر المصرية المسيحية من مستوى اللائحة إلى مستوى القانون. ويحسب له أيضًا التعاطى مع هذا الشأن على أرضية المواطنة وإعطاء القضاء حق الفصل النهائى فيما ينشأ من منازعات، واستند فى بنوده إلى ما تقدمت به الكنائس المسيحية المصرية من نصوص، الأمر الذى يوفر مساحة أوفر من مدنية تنظيم الأحوال الشخصية للمخاطبين به.
لكنه يحمل فى بعض مواده العديد من الأمور التى يتوجب مراجعتها وضبطها لتحقيق الهدف منه، وهو حماية منظومة الزواج وحماية حقوق أطرافها حال وقوع الانفصال فيها، ويؤخذ عليه أنه أغفل تمامًا تقنين «التبنى» رغم أن شرائع المسيحيين تقره، وكانت الحجة أنه يخالف «النظام العام» وهى حجة غير دستورية.







