حسين منصور يكتب: مفتاح واحد وأبواب عدة
بعد أن قضى يومًا واحدًا خارج البيت، هكذا قدر مدة غيابه، عاد، صعد البناية دورًا فدورًا فآخر، أدخل المفتاح فى باب الشقة فانفتح، دخل، كان يرتدى ملابس بيضاء خفيفة عليها آثار تراب، عندما دخل لم يجد شيئًا مما عايشه فى المنزل، لا الأثاث، ولا الصور المعلقة على الجدران، ولا الراديو الموضوع على حامل بالقرب من المقعد المنزوى فى ركن الصالة، الموضع الذى يعرفه تمامًا، منه كان يستمع إلى إذاعة أم كلثوم فى الخامسة مساءً، والشرق الأوسط ليلًا، وفى الركن المقابل كان الهاتف الأسود معلقًا فى مكرمية اشترتها زوجته قبل توصيله.
بينما هو واقف خرج عليه طفل صغير بملابس منزلية مهملة، نظر إليه ورطن بلغة لم يفهمها، إنجليزية، يمنية، سودانية، لا يعرف، أربكه وجود الطفل، جعله يشك فى سلامة وعيه فنظر إلى المفتاح الذى ما زال فى يده، نظر فيه وأعاد إدخاله فى قفل الباب فعمل بشكل طبيعى، ماذا يحدث؟!
أوقفه التردد عن أى حركة داخل الشقة، فسأل الولد
- ماذا تفعل هنا أيها الصغير؟
فرد الولد بنظرة بدا منها أنه استغرب وجوده، ورطن بنفس اللغة التى لم يفهمها، فاقترب منه مداعبًا شعره
-ابن من أنت؟ قل لى من أبوك؟ حدثنى بالعربية، أو بالإنجليزية وسأحاول أن أفهمك.
كان يمازح الولد كى يبعد عن نفسه حالة الغربة التى استولت عليه، فنظر إليه الولد بريبة وصمت، وانطلق يهرول فى ردهات الشقة، دار مرة أخرى حول نفسه باحثًا عن بيته، هى نفس البناية، فى نفس الشارع، ونفس الباب، ولكن كيف؟ كيف دخل هذا الولد؟ اين اختفى الأثاث؟ أين الكتب؟ أين زوجته التى كانت تنتظر عودته بصحبة ابنهما الصغير ممسكة بكتاب فى يدها اليمنى، وعصا فى يدها اليسرى، طالبة منه أن ينجز واجبه المنزلى.
بينما تدور الأسئلة فى رأسه خرج عليه رجل يشبه الولد الصغير، لم يتحدث برطانة غير مفهومة بل قال
- مرحبًا بك يا أخى
«من أين جاءته هذه الثقة! ما له يحدثنى وكأننى ضيف أو عابر سبيل يستحق العطف عليه! قال فى نفسه ثم عاد إلى الرجل يسأله
- من أنت؟
فأجاب الرجل
- علىّ أنا أن أسألك من أنت، أنت فى بيتى
ثم أكمل بنفس نبرة الثقة
- أنا صاحب البيت، وهنا أسرتى، اجلس يا أخى كى أحضر لك شيئًا تشربه
تعجب من الثقة واستبدت به الحيرة من تصرف الرجل، بينما هما يتحدثان خرجت امرأة يبدو أنها سيدة البيت، امرأة هادئة بملابس محتشمة، قالت وكأنها اتفقت مع زوجها على نفس الكلام ونفس الثقة.
- مرحبًا، هل أعد لكما مشروبًا، سأحضر الشاى حالًا.
فقال وهو مازال لا يدرى ماذا يحدث
- لا أريد شايًا! لماذا أنتم هنا؟ هذا بيتى
ثم استدار ناحية اليمين على صوت فتح باب حجرة نومه، أو ما كانت قبل يوم واحد حجرة نومه، لم يلمح سريره أو مرآة التزين التى أصرت زوجته أن تضعها فى صدر الحجرة فى مواجهة الباب، فى داخل الحجرة، يجلس رجل وامرأة وشاب بملابس خروج عادية، وحقيبة صغيرة بجواره، يبدو أنه عائد من سفر، وفتاة شقراء بشعر أصفر جلست وقد انكشف أحد نهديها، ثبت نظره ناحيتها، كان النهد شهيًا بحلمة وردية ساحرة، لم تحترز الفتاة منه أو ترفع قميصها لتخفى ما ظهر منها، ذلك النهد الذى أخذه وأنساه لبعض لحظات ما هو فيه، منذ متى لم ير شيئًا جميلًا كالذى رآه لتوه؟ عاد إلى واقعه، ما زال الرجل الغريب محتفظًا بالهدوء والثقة، ومازال يسأل بنفس البرود، أو الثقة
- هل أحضر لك بعض الماء؟ أراك تحتاجه فى هذا الجو الحار، أو ربما لتزيل هذا التراب عن وجهك! فقال وقد أثارته أسئلة الرجل الغريب
- هذا بيتى، ولست ضيفًا فيه، كيف دخلتم هنا؟ وأين زوجتى والأثاث والكتب؟ متى سكنتم هنا؟
ظل الرجل محتفظًا بهدوئه المستفز
-سكنا هنا منذ سنوات، هنا تزوجت، وهنا أنجبت أولادى، الذى فى الحجرة هذا أخى، وزوجته، وتلك ابنتى، وهذا ابن أخى خطيبها.
كان الشاب والفتاة قريبين من مائدة صغيرة عليها طعام تشى أنواعه بأنه طعام عشاء: جبن وزيتون وبيض وخبز، واستمر الجميع ينظرون إليه بنفس نظرة الثقة والهدوء التى تعامل بها الرجل وزوجته منذ البداية، ثقة من عاش فى البيت منذ سنوات، زاده ذلك ارتباكًا وجعل رأسه يدور، كانت الفتاة الشقراء قد انكشف نهداها كلاهما انكشافًا كاملًا، نهدان شهيان بحلمات وردية ساحرة ؛ فعاد ينظر إلى الرجل متلعثمًا خوفًا من أن يكون لاحظ انشغاله بما انكشف من الفتاة، ولكنه لم يبد أى اهتمام كمن لا يعنيه الأمر بالمرة، أو كأن الفتاة غير موجودة أصلًا.
«ما الذى يحدث! منذ يوم واحد كنت أتجادل مع زوجتى هنا فى بيتنا، كانت جالسة على الكنبة هناك، وفى يدها جهاز التحكم تقلب فى قنوات التليفزيون وتكلمنى كلام من لا يبالى بغيابى : لا تأخذ الولد معك، فالولد لديه مدرسة ومذاكرة، أين هى؟ ولماذا سمحت لهؤلاء باحتلال الشقة بهذه الطريقة؟ أم تراها رتبت لذلك معهم واستغلت غيابى ونفذت خطتها تلك معهم فى يوم؟ أىغرابة تحدث بها الأمور! كيف ذلك والخلاف بيننا لم يكن يستدعى كل هذا، هى قالت لا تأخذ الولد معك، وأنا استجبت «ظل يحدث نفسه» لم يعد عقله يستوعب. أصابه دوار جعله يستسلم لواقعه فقال «ربما كنت أسكن فى طابق آخر غير هذا! سأنزل وأرى».
فى الدور الأسفل وفى نفس ترتيب الشقة كان الباب مغلقًا، وكرسى فارغ موضوع بجانب الباب، لم يكن ذلك معتادًا قبل غيابه، ما الذى تغير بين يوم وليلة! أدخل المفتاح فى الباب فانفتح، فى صالة الشقة مكاتب خشبية عتيقة عليها أوراق وملفات تخرج منها رائحة قديمة تعبئ المكان، لم يبق على المشهد غير موظفين يجلسون خلفها، منهمكين فى أعمال وكتابة، ومواطنين يقضون مصالحهم فى صالة وحجرات بيته، فى كل حجرة مكاتب وأوراق، هنا وهنا وهناك، لا يمكن أن يكون هذا محلًا لسكن أو كان قبل يوم واحد، أزعجه الضجيج الوهمى الذى شعر به يحدث منذ فتح الباب، لم يجد أحدًا ليسأله» هل علىّ أن أنزل طابقًا آخر؟ أم أعود من حيث أتيت؟” أغلق الباب كما كان ونزل طابقًا آخر.
فى الطابق الأسفل جميع الأبواب مغلقة، أدخل المفتاح فيها كلها فلم يفتح، فوقف حائرًا يسأل نفسه مرة ثانية، أو عاشرة «هل هذه بنايتنا التى أسكن فيها؟» ثم صعد عائدًا إلى الدور الأعلى إلى الشقة التى يقبع المقعد الخالى بجوار بابها.
لم يكن المقعد خاليًا هذه المرة، عاد الحارس وفى يده كوب شاى أحضره من المقهى القريب، وجلس فى موضع حراسته، لم يعره اهتمامًا وأدخل المفتاح فى باب الشقة مرة أخرى، تنبه الحارس له وهو يعبث فى الباب فقام مذعورًا وأمسكه من ملابسه، فانكشف ما كان مستورًا من جسده بعد تمزقها فى يده، شعر بحرج شديد وحاول ستر نفسه ولكن الحارس تشبث به، وطلب الدعم من جهازه اللاسلكى.
بأسرع مما يتوقع أحد كانت سيارات الشرطة يدوى صوت إنذارها فى الحى، ما جعل الناس يتجمعون حتى يقفوا على الخبر.
خرج الشرطيون يحيطون به، وضعوا يديه فى الأصفاد، وقد آلمته قسوة طريقة تعاملهم معه أكثر مما آلمته قسوة الحديد رغم أنه لم يبد مقاومة تذكر.
تهامس الناس، كل بما عنّ له أن يقوله، ولكن اجتمعت عيونهم على الرجل الغريب الذى يشبه غاندى فى ملابسه وهدوء ملامحه.
فى قسم الشرطة أصر، وقد هده الإعياء والجوع وآلمت عينه الأضواء، على أنه كان يبحث عن بيته الذى غادره منذ يوم واحد لا أكثر، وتوسل مرات للضابط الذى يتولى التحقيق معه أن يأخذ المفتاح ويذهب ليجربه بنفسه، وليفعل به ما يشاء إن لم يكن صادقًا، وبعد أن شعر الضابط بشيء من الصدق والجزع فى كلامه، أرسل جنديًا ليتأكد.
عاد الجندى ومعه المفتاح وبعد نظرة شفقة عليه قال لرئيسه «المفاتيح لا تفتح أى باب مما ادعى أنه قد يكون باب شقته، ثم أعطاه المفتاح وانصرف بعد أن أذن له، وودع صاحبنا ليس بنظرة الشفقة الأولى، ولكن بنظرة حزن على ما سيلقاه من مصير.







