الإثنين 17 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

مذكرات مجنون أبوالهول.. عالم بريطانى يعيد كتابة تاريخ التمثال الأعظم بعد 30 سنة من البحث

حرف

- نحت أبوالهول حدث فى الأسرة الثانية قبل عصر خفرع بقرون ولم يكن يحمل رأسًا بشريًا فى البداية

- المصريون هم من بنوا الأهرامات ولا وجود لـ«قارة أطلانتس» أو حضارة مجهولة سبقت الفراعنة

- إعادة تشكيل الرأس حدثت فى عهد خوفو وخفرع أعاد استخدامه ودمجه فى مجموعته الجنائزية

- التمثال كان أسدًا كاملًا ثم أُعيد تشكيل الرأس لاحقًا إلى رأس بشرى ملكى

منذ أن بدأ علماء الآثار دراسة هضبة الجيزة، وأبوالهول واحد من أكثر آثار مصر القديمة إثارة للأسئلة، وكان، ولا يزال، السؤال الأشهر هو: من الذى بناه؟ وحتى هذه اللحظة، الرأى الأثرى الأقوى هو أن الملك خفرع، صاحب الهرم الثانى، هو الذى أمر بنحت تمثال أبوالهول، خلال عصر الأسرة الرابعة، مستندًا فى ذلك إلى موقع أبوالهول وعلاقته المعمارية بمجموعة خفرع الجنائزية ومعبديه والطريق الصاعد، إذ يقع أبوالهول بجوار معبد الوادى الخاص بخفرع وعند الطرف السفلى من الطريق الصاعد المؤدى إلى هرمه، ومعبد أبوالهول ومعبد وادى خفرع مقامان على مصطبة واحدة، وتتقارب محاورهما وتصميماتهما المعمارية. لكن هذه الرواية، رغم قوتها وانتشارها، لا تستند إلى نقش صريح من زمن البناء يقول: «خفرع بنى أبوالهول». ومن هنا ظهرت نظريات أخرى تنسبه إلى خوفو، بانى الهرم الأكبر ووالد خفرع، استنادًا إلى أن ملامح الرأس وبعض التفاصيل الفنية، ومنها شكل غطاء الرأس الملكى، أقرب إلى تماثيل خوفو منها إلى تماثيل خفرع. أما النظرية الثالثة، الأقل انتشارًا، فتنسب التمثال إلى الملك جدف رع، ابن خوفو وأخو خفرع، وتقول إن جدف رع أمر بنحت أبوالهول فى صورة أبيه خوفو، بوصفه ملكًا ذا صلة بالإله الشمسى رع. لكن الجيولوجى البريطانى كولين دى. ريدر يبدأ كتابه الجديد Rewriting the History of the Great Sphinx، أو «إعادة كتابة تاريخ أبوالهول العظيم»، من فرضية أكثر جرأة: ماذا لو كان السؤال نفسه يبدأ من نقطة خاطئة؟.. ماذا لو لم يكن علينا الاختيار فقط بين خفرع أو خوفو أو جدف رع، وإنما إعادة النظر أصلًا فى المرحلة التاريخية التى نُحت فيها التمثال؟.. وماذا لو كان أبوالهول أقدم من عصر أهرامات الجيزة الكبرى وأن ما نراه اليوم قد لا يكون الشكل الأول للتمثال الذى نحته المصريون القدماء؟. والمؤلف جيولوجى لديه خبرة مهنية تمتد لعقود، وعمل جيولوجيًا فى مشروع المسح الجيوفيزيائى بسقارة، ونشر دراسات فى دوريات متخصصة فى المصريات، ويمثل الكتاب حصيلة ما يقرب من 30 عامًا من بحثه فى أبوالهول وجيولوجيا المواقع المصرية. 

 

يبدأ الجيولوجى البريطانى كولين دى. ريدر كتابه، الذى يضم عشرات الصور والرسوم التوضيحية، برفض ما يصفه بـ«النظريات الشعبية» التى تربط التمثال بحضارات مجهولة أو تدفع عمره إلى آلاف السنين قبل ظهور الدولة المصرية، ويتعامل معه كجزء من التاريخ المعروف للحضارة المصرية؛ فهو لا ينزع أبوالهول من المصريين القدماء، وإنما يرجح أن بدايته تعود إلى الأسرة الثانية، أى قبل عصر خوفو وخفرع بقرون. ومن الصفحات الأولى يعيد «ريدر» فتح واحدة من أقدم المشكلات المتعلقة بالتمثال، وهى عدم وجود نص معاصر لعصر خفرع ينسب إليه بناء أبوالهول بشكل مباشر، كما يقول الرأى الأكثر شيوعًا، ويستعيد كتابات عالم المصريات الأهم، سليم حسن، الذى أجرى حفائر واسعة فى منطقة أبوالهول خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وأشار إلى أن نسبة التمثال إلى خفرع تبدو منطقية فى ضوء موقعه والسياق المحيط به، لكنها تظل غير مدعومة بنقش صريح من عصر الملك يحسم المسألة. غير أن غياب هذا النقش لا يعنى أن علاقة خفرع بأبوالهول ضعيفة أو قائمة على التخمين وحده؛ فهناك مجموعة كبيرة من الأدلة الأثرية والمعمارية التى تفسر سبب تبنى معظم علماء المصريات لهذا الرأى؛ إذ يقع التمثال فى قلب المنطقة المرتبطة بمجموعة خفرع، وتوجد علاقات واضحة بين حوض أبوالهول والمعبد الموجود أمامه ومعبد الوادى والطريق الصاعد، كما كشفت الدراسات عن روابط بين الصخور التى أزيلت أثناء حفر الحوض والكتل الحجرية المستخدمة فى المنشآت المجاورة. لكن «ريدر» يقترح قراءة مختلفة لهذه العلاقات؛ فوجود أبوالهول وسط منشآت خفرع، فى رأيه، لا يثبت بالضرورة أن خفرع هو الذى بدأ المشروع كله، بل قد يعنى أن الملك أعاد استخدام منطقة موجودة من قبل وأدخلها فى مشروعه المعمارى، لا أنه بدأ كل شىء من الصفر. وبذلك ينتقل السؤال من: «هل يرتبط أبوالهول بخفرع؟» إلى سؤال أدق: «هل كان أبوالهول موجودًا قبل أن يبدأ خفرع بناء مجموعته؟».

من الأفكار المهمة التى يقدمها الكتاب أن هضبة الجيزة لم تكن منطقة خالية قبل عصر خوفو وخفرع، فالمؤلف لكى يدافع عن وجود أبوالهول فى عصر أقدم، كان عليه أولًا أن يثبت أن هضبة الجيزة نفسها لم تبدأ أهميتها مع ظهور الأهرامات الكبرى. ولهذا عاد إلى الأدلة التى تؤكد النشاط البشرى فى المنطقة قبل الأسرة الرابعة، ويشير إلى شواهد تعود إلى فترات أقدم، من بينها آثار مرتبطة بـ«ثقافة المعادى» فى الألف الرابع قبل الميلاد. و«ثقافة المعادى» هى ثقافة أثرية من عصور ما قبل الأسرات، ظهرت فى مصر السفلى خلال الألف الرابع قبل الميلاد، وسُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى موقع المعادى جنوب القاهرة، حيث كشفت الحفائر عن بقايا مستوطنة مهمة أصبحت أحد المواقع الرئيسية التى عُرفت من خلالها هذه الثقافة. ولا تعنى هذه الأدلة، بطبيعة الحال، أن أبوالهول كان موجودًا فى ذلك الزمن، وهى نقطة يحرص الجيولوجى البريطانى على الفصل بينها وبين فرضيته الأساسية؛ فوجود الإنسان فى الجيزة قبل عصر الأهرامات لا يثبت أن أبوالهول كان موجودًا آنذاك، لكنه يكشف عن أن الهضبة لم تكن أرضًا مهجورة اختارها خوفو فجأة لبناء هرمه، وأن للمكان تاريخًا بشريًا أقدم يمكن أن تكون بعض مراحله قد سبقت المشروعات الملكية الضخمة التى غيرت وجه المنطقة فى الدولة القديمة. ويذهب «ريدر» إلى أبعد من ذلك عندما يناقش احتمال وجود نشاط ذى طبيعة شعائرية «طقوس» فى بعض أجزاء الموقع منذ فترات مبكرة جدًا، قد تسبق حتى الملوك الأوائل، لكنه لا يستخدم هذا الاحتمال للقول إن أبوالهول نفسه يعود إلى عصور ما قبل الأسرات، بل لطرح فكرة أن اختيار الموقع قد تكون له جذور أقدم من التمثال الذى نعرفه. 

إذا كان غياب النصوص يترك الباب مفتوحًا للأسئلة حول بانى التمثال، فإن الجيولوجى البريطانى ريدر يتجه إلى مصدر آخر يراه أكثر قدرة على حفظ تاريخ الموقع وهى الصخور نفسها، وهنا ندخل قلب الكتاب. أبوالهول يختلف عن كثير من التماثيل المصرية الضخمة؛ إذ لم يُبنَ بجمع كتل حجرية فوق بعضها، وإنما نُحت مباشرة فى صخر هضبة الجيزة، فقد حفر المصريون الصخور المحيطة وتركوا كتلة ضخمة فى المنتصف، ثم شكلوها حتى أصبحت جسد التمثال. وبذلك أصبح جسم أبوالهول والجدران الصخرية المحيطة به جزءًا من السجل الطبيعى للمكان، يحتفظ بآثار الرياح والرمال والمياه والتغيرات المناخية التى مر بها الموقع. 

يدرس «ريدر»، بصفته جيولوجيًا، أنماط التآكل الموجودة على جدران الحوض، ولا ينسب كل ما أصاب الحجر إلى عامل واحد، فهو يعترف بتأثير الرياح والرمال والتغيرات الكيميائية واختلاف صلابة طبقات الحجر الجيرى، لكنه يركز بصفة خاصة على أجزاء من الجدران يرى أن شكلها يتفق مع تأثير مياه الأمطار التى كانت تتدفق فوق الهضبة ثم تنحدر باتجاه حوض أبوالهول. وهنا لا تكون أهمية المياه فى أنها «أمطار قديمة» فحسب، وإنما فى محاولة تحديد متى كانت تستطيع الوصول إلى أبوالهول بهذه الكمية. وعند هذه النقطة يبدأ انقلاب التسلسل الزمنى عنده. 

يقدم «ريدر» هنا واحدة من أهم حجج الكتاب وهى أن شكل هضبة الجيزة تغير كثيرًا عندما بدأت مشروعات الأهرامات؛ فقبل بناء الأهرامات الكبرى كانت مياه الأمطار التى تسقط على المناطق المرتفعة تتحرك فوق سطح الهضبة عبر مسارات طبيعية، لكن هذه التضاريس تعرضت لتغيير هائل عندما بدأ مشروع الهرم الأكبر. احتاج خوفو إلى كميات ضخمة من الحجر، ففُتحت المحاجر وقُطعت مساحات من الصخر وأعيد تشكيل أجزاء واسعة من الهضبة، ويرى «ريدر» أن هذه الأعمال قطعت أو غيرت بعض المسارات الطبيعية التى كانت المياه تتحرك من خلالها نحو المنطقة التى يوجد فيها أبوالهول. ومن هنا يبنى المؤلف حجته الرئيسية: إذا كانت بعض علامات التآكل الموجودة داخل حوض أبوالهول نتجت بالفعل عن تدفق مياه الأمطار من غرب الهضبة، وإذا كانت محاجر خوفو قد قطعت جزءًا مهمًا من هذه المسارات، فمن المنطقى أن يكون الحوض قد ظل مكشوفًا أمام هذه المياه فترة من الزمن قبل إنشاء محاجر خوفو. بوضوح: ربما كان الحوض موجودًا قبل إنشاء هذه المحاجر. وبذلك لا تصبح القضية مجرد وجود آثار للمياه على الصخور، وإنما ترتيبًا للأحداث. فى تصور الجيولوجى البريطانى، كان هناك حوض يتعرض للمياه، ثم جاءت أعمال ضخمة غيرت حركة المياه، وإذا كان هذا الترتيب صحيحًا، فإن نحت الحوض يجب أن يسبق تلك الأعمال، أى أن أبوالهول سيكون أقدم من خوفو، وبالتالى أقدم أيضًا من خفرع. وهذه النقطة هى الفارق الأساسى بين الكتاب وبين بعض النظريات المثيرة المنتشرة حول أبوالهول.. «ريدَر» لا يقول إن «المطر يثبت أن عمر التمثال عشرة آلاف عام»، وإنما يحاول استخدام تغير تضاريس الهضبة كوسيلة لمعرفة أى حدث وقع أولًا. ووفق التسلسل: تضاريس أصلية، ثم حفر حوض أبوالهول، ثم تعرضه لجريان مائى، ثم محاجر غيّرت شبكة التصريف، ثم مشروعات الأسرة الرابعة. 

البديهى الآن أن نقول: حتى لو قبلنا جدلًا أن أبوالهول يسبق خوفو، فإن ذلك لا يخبرنا وحده متى نُحت؟ ولهذا احتاج «ريدر»، بعد حجته الجيولوجية، إلى العودة إلى علم الآثار ليحدد المرحلة التى يعتقد أن التمثال ظهر فيها، وهنا يختار الأسرة الثانية. بالطبع الاقتراح مفاجئ؛ فحين يفكر القارئ فى العمارة الحجرية العملاقة فى مصر، يتجه ذهنه عادة إلى هرم زوسر المدرج فى الأسرة الثالثة ثم أهرامات الأسرة الرابعة، ولذلك يطرح الكتاب سؤالًا ضروريًا: هل امتلك المصريون فى الأسرة الثانية أصلًا المعرفة والخبرة التى تسمح لهم بنحت تمثال بهذا الحجم؟ وفى الفصل الثانى عشر يستعرض العالم البريطانى تطور استخدام الحجر فى بدايات الدولة المصرية، ويقارن بين أبوالهول والمنشآت الحجرية من الأسرتين الأولى والثانية ثم الأسرة الثالثة، بما فيها المنشآت الضخمة فى سقارة والمقابر الملكية المتأخرة من الأسرة الثانية والتطور الذى بلغ ذروته مع مجموعة زوسر. والسؤال الذى يريد الإجابة عنه: هل كان المصريون قبل عصر الأهرامات قادرين تقنيًا على تنفيذ مشروع صخرى بحجم أبوالهول؟ إجابته نعم. وبؤكد «ريدر» أن الخبرة المصرية فى قطع الصخور وتشكيلها لم تظهر فجأة مع إمحوتب ومجموعة زوسر فى سقارة، بل مرت بمراحل طويلة من التطور، ويرى أن أواخر الأسرة الثانية شهدت تقدمًا كافيًا فى التعامل مع الحجر يسمح، من الناحية التقنية على الأقل، بتنفيذ مشروع صخرى كبير. ويجمع المؤلف هذا العامل مع تاريخ المناخ، معتبرًا أن الأسرة الثانية وبدايات الثالثة شهدتا فترات كانت الأمطار خلالها أكثر حضورًا مما أصبحت عليه فى العصور اللاحقة، وهو ما يمكن- فى رأيه- أن يفسر مقدار التآكل الذى يرصده فى الحوض. ومن اجتماع هذه العناصر يصل إلى التاريخ الذى يفضله: نحت التمثال الأصلى خلال الأسرة الثانية التى سبقت عصر الأهرامات الكبرى بعدة قرون. وبذلك يصبح أبوالهول عند «ريدر» أقدم من هرم زوسر، وليس مجرد أقدم قليلًا من خفرع، بينما التأريخ إلى الأسرة الرابعة هو الأكثر قبولًا فى علم المصريات. 

سيسأل علماء المصريات بعد قراءة «اجتهاد» الجيولوجى البريطانى: إذا كان أبوالهول لا ينتمى إلى عصر خفرع.. كيف تفسر المنشآت الموجودة حوله؟ فأمام التمثال يقع معبد أبوالهول، وبجواره معبد الوادى المرتبط بخفرع، بينما يصل الطريق الصاعد بين منطقة الوادى ومجمع الهرم. ثم إن الدراسات الأثرية والجيولوجية للصخور أظهرت علاقة بين الحجر المستخرج من حوض التمثال وبعض الكتل المستخدمة فى المبانى المجاورة. وبالنسبة إلى الاتجاه الأثرى السائد، تشكل هذه العلاقات صورة متماسكة لمشروع كبير من الأسرة الرابعة. أما «ريدر» فيرى أن ما يبدو مشروعًا واحدًا قد يكون نتيجة عدة مراحل بناء متعاقبة. ويقترح أن حوض أبوالهول والتمثال نفسه كانا موجودين أولًا، ثم بدأت أعمال معمارية حولهما، قبل أن تأتى مشروعات الأسرة الرابعة وتعيد تشكيل المنطقة وتدمج المنشآت القديمة فى مجموعة خفرع. وهنا اختلاف جوهرى بين علماء المصريات والعالم البريطانى؛ لأن الطرفين ينظران إلى الصخور والمبانى نفسها تقريبًا، لكنهما يختلفان فى ترتيبها الزمنى؛ فالاتجاه التقليدى يرى أن التمثال والمعبد ومجموعة خفرع أجزاء مترابطة من مشروع متقارب زمنيًا، بينما يرى «ريدر» أن هذا الترابط نتيجة إضافة منشآت جديدة إلى موقع أقدم. 

ينتقل «ريدر» بعد ذلك إلى فرضية أكثر جرأة: ماذا كان الشكل الأصلى لهذا التمثال؟ وينطلق المؤلف من ملاحظة يعرفها كثير من زوار الجيزة، وهى أن رأس أبوالهول يبدو صغيرًا نسبيًا مقارنة بجسده الضخم، وبالطبع هذه النسبة غير المعتادة قتلت بحثًا من قبل باحثين مختلفين، لكن «ريدر» يعطيها تفسيرًا محددًا؛ فهو يرى أن الرأس الذى نراه اليوم نتيجة إعادة نحت كتلة أكبر كانت موجودة فى الأصل. أى أن الرأس الأصلية كانت أكبر، ثم أعيد نحتها فى وقت لاحق. وبحسب السيناريو الذى يقترحه، لم يبدأ التمثال بجسد أسد ورأس ملك كما نراه الآن، بل كان تمثالًا أسديًا كاملًا، ثم أُعيد تشكيل رأس الأسد لاحقًا إلى رأس بشرى ملكى. وإعادة النحت تفسر، فى رأيه، لماذا أصبح حجم الرأس أصغر من المتوقع بالنسبة إلى الجسد. ولا يتوقف عند هذا الحد، بل يرجح أن عملية إعادة النحت حدثت فى عهد خوفو، أى أن صاحب الهرم الأكبر لا يظهر فى رواية الكتاب بوصفه منشئ أبوالهول، وإنما بوصفه ملكًا أعاد تشكيل تمثال أقدم ومنحه هوية ملكية جديدة. ومن المهم الإشارة إلى عدم وجود نص معاصر يروى أن خوفو أعاد نحت رأس تمثال أقدم، ولذلك تبقى محاولة لتفسير الشكل والأدلة المتاحة، لا واقعة أثرية مثبتة. مفدت.. هوية محتملة للأسد الأول السؤال الآن: إذا كان التمثال الأصلى أسدًا، فمن كان يمثل؟ هنا يدخل «ريدر» إلى منطقة أكثر صعوبة، لأن الأدلة الدينية من بدايات التاريخ المصرى محدودة، ويصبح الاعتماد على المقارنة بين الرموز والصور والنصوص اللاحقة أكبر. يقترح المؤلف وجود صلة محتملة بالإلهة «مفدت»، وهى من المعبودات المصرية القديمة المرتبطة بالحيوانات المفترسة والحماية والقوة، وظهرت منذ الفترات المبكرة فى التاريخ المصرى، ويحاول تتبع رمزية الأسد والحيوانات المفترسة فى الفن والدين المبكر، وصولًا إلى نشوء الشكل الذى يجمع جسد الحيوان بالرأس البشرية الملكية. لكن أيضًا لا دليل يربط التمثال مباشرة بـ«مفدت»، ومن ثم لا ينبغى تقديم هذه الفرضية باعتبارها اكتشاف هوية أبوالهول الأولى، وإنما محاولة من الجيولوجى البريطانى للإجابة عن فراغ خلقته نظريته: إذا كان التمثال أقدم من الصورة الملكية المعروفة، فما الذى كان يمثله قبلها؟. 

يحاول «ريدر» بعد ذلك وضع التحول المقترح فى شكل التمثال داخل تطور أوسع فى الفكر الدينى المصرى؛ فإذا كان هناك تمثال أسدى فى الأسرة الثانية، ثم أعيد تشكيل رأسه فى عصر خوفو، فإن السؤال يصبح: لماذا احتاج الملك إلى تحويله إلى صورة ملكية؟ يبحث الكتاب فى تطور العلاقة بين الملك والشمس، وفى المكانة المتزايدة لعبادة رع وهليوبوليس خلال الدولة القديمة، ويقترح أن إعادة تشكيل التمثال ربما ارتبطت بصعود مفهوم جديد للملك بوصفه جزءًا من النظام الشمسى وظهور لقب «ابن رع». ويحاول «ريدر» تتبع جذور هذا الفكر إلى مرحلة أقدم، معتبرًا أن التحولات الدينية لا تبدأ عادة فى اللحظة التى يظهر فيها أول نص واضح عنها، بل تسبقها مراحل من التطور يصعب أحيانًا رصدها أثريًا. وفى نموذجه يصبح أبوالهول شاهدًا على هذا التحول: تمثال أسدى قديم اكتسب هوية ملكية ثم أصبح جزءًا من المشهد الشمسى للجيزة.

بعد كل ذلك يبدو أن الكتاب يسعى إلى إخراج خفرع تمامًا من تاريخ أبوالهول، لكن الصحيح أن «ريدر» لا ينكر الأهمية الهائلة لمشروعات خفرع فى المنطقة، وإنما يعيد تعريف دوره. فى السيناريو الذى يطرحه، وجد خفرع موقعًا له تاريخ سابق، ثم أعاد تنظيمه ودمجه فى مجموعته الجنائزية، وبهذا تصبح العلاقة الوثيقة بين أبوالهول ومعبد الوادى والطريق الصاعد ومجموعة الهرم حقيقية، لكنها لا تعنى بالضرورة- وفق رأيه- أن خفرع هو صاحب الفكرة الأولى أو النحت الأول. وإذا كانت الرواية التقليدية تقول: خوفو بنى الهرم الأكبر، ثم جاء خفرع بعده وبنى هرمه ونُحت أبوالهول فى عهده، فإن التسلسل مختلف فى رواية «ريدر»، إذ يعتقد أن أبوالهول أقدم من الاثنين، ثم جاء خوفو وربما أعاد نحت الرأس لتأخذ شكلًا ملكيًا، وبعد ذلك جاء خفرع وأدخل الموقع ضمن مجموعته المعمارية الكبيرة. وهكذا يصبح أبوالهول، فى رأيه، أثرًا مر بعدة مراحل ولم يُنشأ دفعة واحدة. وهذه الفكرة مهمة، لأنها تغير طريقة النظر إلى الموقع كله وتقدم قصة مختلفة تمامًا عن الرواية التقليدية. القصة تبدأ بالجيزة كمكان عرف نشاطًا بشريًا قبل الأهرامات بزمن طويل، ثم، فى الأسرة الثانية، ينحت المصريون تمثالًا أسديًا ضخمًا فى الصخر، وخلال السنوات التالية يتعرض حوضه لمياه الأمطار والجريان السطحى، وبعد ذلك يأتى عصر خوفو، فتغير المحاجر الكبرى شكل الهضبة ومسارات المياه، ويعاد – وفق فرضية المؤلف – نحت رأس الأسد لتصبح رأسًا ملكية. بعدها يأتى خفرع بمشروعه الضخم، فيعيد تنظيم الجزء الشرقى من الهضبة ويدمج التمثال القديم داخل مجموعة معمارية جديدة، ومع مرور القرون تتغير دلالة التمثال مرة أخرى، حتى يرتبط فى الدولة الحديثة بحور إم أخت، «حورس فى الأفق»، ويصبح موضع عبادة وترميم. وأخيرًا إذا كان الكتاب يحمل مصادر قوة عبر الجمع بين عدة أشياء معًا وهي: شكل الصخور، ومسارات المياه، والمحاجر، وتقنية النحت القديمة، وتاريخ المعابد، وشكل الرأس، والرموز الدينية، ثم محاولة بناء قصة واحدة تفسر كل هذه العناصر، فإن أضعف جزء هو أن بعض الاستنتاجات تقوم على استنتاجات أخرى.

فإذا لم يكن التآكل سببه المياه بالشكل الذى يقترحه، ستضعف حجة التأريخ المبكر.

وإذا أمكن تفسير العلاقة بين المعابد وأبوالهول بصورة أقوى فى إطار عصر خفرع، فسيضعف التسلسل الذى يقترحه.

والانتقال من «أبوالهول ربما أقدم من خفرع» إلى «هو من الأسرة الثانية» يحتاج أدلة أكثر.

ويبدو أن البريطانى ريدر قد أجاد فى الجيولوجيا، موضع تخصصه، وتجاوز فى التفسيرات الأثرية لتخرج، فى معظمها، افتراضات.