السبت 08 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

موت المثقف.. عن مجتمع بلا كاتب كبير ولا مفكر بارز

حرف

- لم يعد المجتمع ينتظر مقاله فى جريدة الصباح ولا فى المجلة الأسبوعية

- سلطة المثقف انتقلت إلى شاشة صغيرة يحملها كل إنسان فى جيبه

مات المثقف، ولم يعلن أحد خبر وفاته. ولم تتوقف الصحف حدادًا عليه، ولم تمتلئ الشوارع بالمشيعين، ولم يرفع أحد نعشه على الأكتاف. ومع ذلك، كانت تلك واحدة من أكبر الوفيات فى تاريخنا الحديث؛ لأن الذى مات لم يكن إنسانًا، وإنما سلطة المعرفة، وهيبة العقل، ومرجعية الفكرة. وككل موت لا يُعلن، تسلل موت المثقف فى صمت، وترك المكان لمن كان يتحين الفراغ منذ زمن ليحتله.

فقد عاش المثقف قرونًا يفسر العالم للناس، ثم جاء زمن لم يعد الناس يسألونه عن شىء. وانتقلت السلطة من الكلمة إلى الصورة، ومن الحجة إلى الإثارة، ومن العقل إلى الخوارزمية. ومنذ تلك اللحظة، بدأ عصر جديد لا يقاس فيه الإنسان بما يعرف، وإنما بما يستطيع أن يجذب من انتباه.

ولم يكن ذلك مجرد تغير فى وسائل الاتصال، بل كان تحولًا فى طبيعة المرجعية التى يلجأ إليها المجتمع.

كان طه حسين يكتب فيُقبل الناس ليعرفوا كيف يُقرأ التراث، وكان العقاد صوتًا يُحتكم إليه فى معنى حرية العقل، وكان توفيق الحكيم يقترب بهم من أزمات الإنسان الأزلية: الزمن، والخلود، والمعرفة، والعدالة، والهوية المصرية. أما محمد حسنين هيكل فكان مفتاحهم إلى حركة السياسة الدولية، وأما زكى نجيب محمود وفؤاد زكريا فكانا الجسر إلى أسئلة الفلسفة والعقل، وجلال أمين هو من كان يفسر لهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التى يعيشونها بلا وعى منهم. وهكذا، لم تكن قيمة هؤلاء أنهم يخبرون الناس بما وقع، وإنما أنهم يعلمونهم كيف يفكرون فيما وقع.

كان المثقف آنذاك جزءًا من صناعة الوعى العام. وكانت كلمته مرجعية، لا لأنها معصومة من الخطأ، وإنما لأنها ثمرة علم، وخبرة، ومنهج، ومسئولية. وكان المجتمع، وهو يختلف معه أو يتفق، يعترف له بحقه فى أن يكون أحد صناع العقل الجمعى. وفى تلك المسافة بين الاختلاف والاعتراف، كان يكمن سر متانة الوعى العام؛ فالمجتمع الذى يملك مرجعية فكرية، مهما تعددت الآراء فيه، يظل محصنًا من أن تُصاغ قناعاته من الخارج.

أما اليوم، فقد انتقل جانب كبير من هذه السلطة إلى شاشة صغيرة يحملها كل إنسان فى جيبه، وأصبحت الخوارزمية هى التى تقرر ما يراه الناس، وما يغضبون له، وما يفرحون به، وما يظنون أنه الحقيقة. ثم مات المثقف.. أو بالأحرى ماتت وظيفته، فلم يعد المجتمع ينتظر مقاله فى جريدة الصباح، ولا فى المجلة الأسبوعية أو الدورية الشهرية، ولا فى كتابه الجديد، أو محاضرته. وحلت محل هذه المرجعية شاشة صغيرة تحمل آلاف الأصوات، لا يميز أكثرها بين الخبر والرأى، ولا بين المعرفة والانفعال، ولا بين الحقيقة والانطباع.

ولم يأتِ موت المثقف لأن الناس كرهوا المعرفة، وإنما لأنهم استغنوا عن الوسيط الذى كان يفسرها لهم. فقد كان المجتمع، فى زمن مضى، يمر بالأحداث ثم يعود إلى المثقف ليمنحه معناها. كانت الواقعة مادة خام، أما تفسيرها فكان من اختصاص أصحاب الفكر. واليوم انعكست المعادلة؛ فالحدث يصل إلى الناس مصحوبًا بتفسيره الجاهز، وربما بعاطفته أيضًا، فلا يترك لهم فرصة للتفكير، وإنما يدفعهم مباشرة إلى الغضب أو الإعجاب أو الكراهية. وهذا الانعكاس بالذات هو ما جعل ساحة الوعى مباحة لكل من يحسن التوقيت، ولو كان أبعد الناس عن العلم والمسئولية.

وهكذا لم تعد الأزمة فى كثرة المعلومات، وإنما فى اختفاء المسافة الفاصلة بين الخبر والحكم عليه. فالمثقف كان يمنح المجتمع هذه المسافة؛ يبطئ إيقاع الانفعال حتى يعمل العقل، ويؤجل إصدار الأحكام حتى تكتمل الصورة. أما المنصة فتفعل العكس تمامًا؛ فهى تكافئ الاستجابة الفورية، وتعتبر التريث خسارة، والتأمل بطئًا، والشك فى الرواية ضعفًا. لذلك أصبح الرأى يسبق المعرفة، وأصبح الموقف يولد قبل أن يولد الفهم.

وهنا بدأت الأزمة الحقيقية، فالمثقف لم يكن مجرد كاتب أو أستاذ جامعة، وإنما كان يؤدى وظيفة لا غنى عنها فى حياة الدولة. كان يشرح للناس معنى الدولة، ويعلمهم أن الحكومة جزء منها وليست هى الدولة، وأن معارضة السلطة حق، أما هدم مؤسسات الدولة فشىء آخر. وكان يميز بين الإصلاح والفوضى، وبين المعارضة السياسية، والمشروع الذى يستهدف إسقاط الكيان الوطنى نفسه.

ومع تراجع هذا الدور، ظهرت أجيال تتلقى وعيها السياسى من المقاطع القصيرة، والشعارات، والمنشورات المقتطعة، دون أن تمتلك الحد الأدنى من أدوات التفكير السياسى. وهنا ازدهرت الأمية السياسية، وهى أخطر من الأمية الأبجدية؛ لأن صاحبها قد يحمل أعلى الشهادات، لكنه يعجز عن التمييز بين الدولة والحكومة، وبين الخبر والدعاية، وبين النقد المشروع والعمل الذى يخدم خصوم الوطن.

وفى هذا الفراغ بالذات، لا فى غيره، تمددت جماعات الشر، ووجدت جماعة الإخوان الإرهابية لنفسها البيئة المثالية لنشر خطابها التحريضى، وهى التى كانت تنتظر منذ عقود لحظة كهذه تنكسر فيها المرجعيات. فلم تعد الآن فى حاجة إلى إقناع الناس بمشروعها، وإنما اكتفت بإرباك وعيهم. فكلما اختلطت المفاهيم، سهل توجيه الجماهير، وكلما ضعفت المرجعيات الفكرية، ارتفع صوت الدعاية. وهكذا تحول كثير من الناس، من حيث لا يشعرون، إلى أدوات فى معارك تستهدف الدولة، وهم يظنون أنهم يمارسون حقهم فى المعارضة.

ولم يكن غريبًا أن تتكيف جماعة الإخوان وذيولها مع هذا العالم الجديد بسرعة. فقد أدركت أن زمن بناء التنظيمات العقائدية الطويل قد تراجع، وأن الوصول إلى العقول لم يعد يمر عبر التربية والتنظيم، وإنما عبر الشاشة. ولذلك اتجهت إلى توظيف كل من يملك القدرة على إثارة الانتباه، بصرف النظر عن انتمائه الفكرى أو السياسى، لأن القيمة لم تعد فى الفكرة، وإنما فى قدرتها على الانتشار.

ولم تكن خسارة المجتمع فى غياب كاتب كبير أو مفكر بارز، وإنما فى غياب التأثير، أقصد تأثير من كان يصوغ المفاهيم الكبرى التى تستقيم بها الحياة العامة. فالدولة، والحرية، والعدالة، والهوية، والمواطنة، والدستور، والقانون، لم تكن ألفاظًا متداولة فحسب، وإنما كانت مفاهيم يشرحها المثقف، ويدافع عن معناها، ويمنع العبث بها. وكان المجتمع، مهما اختلف مع أصحاب الفكر، يحتكم إليهم فى ضبط هذه المعانى، لأن الكلمات إذا فقدت معناها، فقدت السياسة عقلها. ومن هذا الباب بالذات نفذت الجماعة، لا من باب الفكرة التى عجزت عن ترويجها منذ زمن، بل من باب الكلمة الصغيرة التى وجدتها بلا حارس.

فحين غابت هذه المرجعية، أصبحت المفاهيم نفسها عرضة للتلاعب. اختلطت الدولة بالحكومة، والوطن بالنظام، والمعارضة بالعداء، والحرية بالفوضى، والنقد بالتحريض، حتى لم يعد الخلاف يدور حول السياسات، بل حول الألفاظ ذاتها بعد أن فقدت حراسها. وهنا بالتحديد خرجت جماعة الإخوان من منطق التنظيم القديم إلى منطق أوسع، لا يستهدف السيطرة على السلطة مباشرة بقدر ما يستهدف السيطرة على المفاهيم، ومنها إلى العقول. فإذا أقنعت الناس بأن الدولة هى الحكومة، أصبح الهجوم على الدولة عملًا بطوليًا. وإذا اختزلت الوطن فى السلطة، تحول إسقاط المؤسسات إلى صورة من صور التحرر. وهكذا لم تكن المعركة على الوقائع، وإنما على اللغة التى يفهم بها الناس تلك الوقائع.

ولعل أخطر ما فى موت المثقف أنه لا يترك وراءه فراغًا فى الثقافة وحدها، بل فراغًا فى الضمير العام. فحين تغيب المرجعية التى تضبط المعانى، يصبح كل معنى قابلًا للتبديل، وكل قيمة قابلة للمساومة، وكل حقيقة قابلة للتأويل. وعندئذ لا تعود معركة المجتمع مع خصومه، وإنما مع قدرته هو على أن يبقى وفيًا لمبادئه الكبرى، وأن يحمى لغته السياسية من العبث، ووعيه من التزييف، ومستقبله من أن يصاغ بعقول لا تعرف الفرق بين الهدم والإصلاح.

وهكذا يكون موت المثقف بداية حياة أخرى.. ولكنها حياة عدمية، يتكلم فيها الجميع، ولكن لا يكاد أحد يقول شيئًا.