الإثنين 21 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

أدب ونقد.. الامتداد الأهم لثقافة اليسار فى مصر

حرف

- المجلة ضربت مثالًا ناصعًا وقويًا فى الصحافة الثقافية

- العدد الأول لقى إقبالًا كبيرًا لدى القراء ونفد فى ساعات بالفعل بعد صدوره

- صدر العدد الأول فى يناير 1984 برئاسة تحرير دكتور الطاهر أحمد مكى ومدير التحرير فريدة النقاش

تأسست الأحزاب السياسية فى مصر فى يونيو 1976 كما هو معروف فى الأدبيات التاريخية، وكما ذكرنا فى الحلقة السابقة، ونوهنا إلى أن السلطة السياسية التى سمحت أو قررت أن تمنح جماعة الإخوان المسلمين وعناصرها حرية التعبير عن أنفسهم بإعادة تشكيل وتنظيم صفوفهم مرة أخرى، بعد إخراجهم من المعتقلات، وإعادتهم إلى وظائفهم، وإعادة كل ما تم سلبه منهم سابقًا، وبعد وصلة «غزل غير عفيف» من قياداتها للرئيس أنور السادات، وبأنه الرئيس المؤمن الذى اختاره الله لقيادة هذا البلد المسلم، وهو من بيت مؤمن، وزعمت أو صرحت زينب الغزالى بأنها تعرف والده جيدًا، الذى كان يحفظ القرآن الكريم، صار التقارب ملحوظًا جدًا بين السادات وبين الجماعة. لم ينجذب السادات مع قيادات الجماعة لمجرد أنهم غازلوه، وذرفوا دموعهم فى كل محافل السياسة حبًا له، فهو رجل دولة، ولا تخدعه تلك الأمور العاطفية الزائلة، فهو كان يدخرهم لمهمة أخرى، ليست مهمة قمع أو تأديب أو تقليص نفوذ اليسار كما زعم وأشاع البعض، فهذه رؤية عاجزة على أن تتعامل مع المشهد بدقة، بالتأكيد كانت هناك صدامات بين التيارات الإسلامية المتطرفة، وبين تيارات اليسار المتعددة، لكن تلك الصدامات لا بد أن تحدث بطبيعة اختلاف وتناقض الاتجاهين، خاصة أنها لم تكن اتجاهات منعزلة عن الشارع، فكانت محاولة الهيمنة على ذلك الشارع فى الجامعة، وفى النقابات، وفى كل قطاعات المجتمع تعمل بكل جدية ونشاط، ولكن كما أسلفنا القول إن السلطة السياسية، وعلى رأسها رئيس الدولة، الذى يدرك أهداف وأغراض جماعة الإخوان، أرادت أن تعطى مساحة سياسية علنية وحرة، للسيطرة على، والوقوف فى وجه التيارات الإسلامية الأكثر تطرفًا، ومن هنا راحت الجماعة تعمل بكل قواها لكى تستعيد كل قواعدها التى تكسرّت نصالها على صخرة السلطة الناصرية، وكما أتيحت لجماعة الإخوان استعادة وتنظيم صفوفها، حدث ذلك لتيار اليسار، حيث تم تأسيس حزب التجمع الوطنى الوحدوى فى يونيو 1976، وشرع الحزب فى تشكيل هيئته الإعلامية، وبدأ التفكير فى إصدار جريدة الأهالى، والتى لم تنج من هجوم الأستاذ موسى صبرى الجارح والمفتعل والمتواصل، وما يعنينا هنا، هو دأب حزب التجمع فى تأسيس مكتب للأدباء والفنانين، وذلك على غرار ما فعلته منظمة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى فى أواخر عقد الأربعينيات، وأوائل عقد الخمسينات، ذلك المكتب الذى ضم خيرة شباب الحركة الثقافية فى الحركة الشيوعية منهم صلاح جاهين، وفؤاد حداد، وصلاح حافظ، وعبدالرحمن الشرقاوى، ويوسف إدريس، وإبراهيم عبدالحليم، وعبدالرحمن الخميسى، وحسن فؤاد، ونعمان عاشور وغيرهم.

عندما صدرت جريدة الأهالى فى أول فبراير عام ١٩٧٨ كانت الثقافة إحدى المهام التى حملتها على عاتقها، وكانت تدير الصفحة الناقدة الكبيرة فريدة النقاش، والتى كانت تكتب أحيانًا بأسماء مستعارة منها «سلمى البدرى، وفريدة عبدالرازق»، كانت الصفحة تعيد مرة أخرى مجد الصحافة اليسارية التى لا تتوقف عند محطة الإثارة فقط، بل كانت تتجاوز ذلك إلى شتى الموضوعات الثقافية الشائكة، فى ظل صحافة ثقافية خاملة ذابلة فى الصحف القومية، ومجلات ثقافية تعيسة مثل «الجديد» ورئيس تحريرها الدكتور رشاد رشدى، و«الثقافة»، ورئيس تحريرها الدكتور عبدالعزيز الدسوقى، وكانت المجلتان تقدمان مواد شعرية وقصصية ونقدية فاترة، لا تغنى ولا تسمن من أى جوع ثقافى، خاصة أن خصومة حادة تفاقمت وتصاعدت بعد مظاهرات ١٨ و١٩ يناير، والتى أسماها السادات «انتفاضة الحرامية»، وتم إسناد تدبيرها وتحريكها إلى تيارات اليسار بشكل عام، وتم توجيه الاتهام إلى ١٧٦ متهمًا من تيارات اليسار، وكان بينهم عدد كبير من المثقفين والشعراء مثل: الشعراء محمود الشاذلى، وعزت عامر، وأحمد فؤاد نجم، وأحمد إسماعيل، كما تم القبض على الشيخ إمام مطرب الشعب، وغيرهم من الكتّاب والمثقفين الفاعلين، بعد ذلك اشتدت الخصومة بين تيارات اليسار والسلطة السياسية، حتى إن صدرت جريدة الأهالى التى كانت مصادرتها بأشكال متواترة أخبارًا متواترة ومألوفة فى الحياة الثقافية منذ أول عدد، وتوسع الخلاف بين السادات ومختلف قوى المعارضة، حتى بلغ دورق الصدام لا يحتمل من الطرفين، واتخذ السادات قرارًا خطيرًا فى ٥ سبتمبر١٩٨١ وهو القبض على عدد كبير من عناصر المعارضة، بعدها حدثت كارثة اغتيال السادات فى ٦ أكتوبر من العام نفسه، والتى شكلّت علامة خطيرة وفارقة فى مجمل تاريخ مصر السياسى، وبعد أن تولى الرئيس محمد حسنى مبارك مقاليد الرئاسة، وأصدر قرارًا بالإفراج عن كل المتحفظ عليهم، واستقبلهم بنفسه فى قصر الرئاسة، وبدأ فى مجال الثقافة عهدًا تصالحيًا جديدًا، ومن القرارات الإيجابية التى اتخذتها وزارة الثقافة، إصدار مجلات ثقافية بعد التجريف الذى حدث فى حقبة السبعينيات، ومن بين تلك المجلات، صدر العدد الأول من مجلة «إبداع» فى يناير ١٩٨٣، وترأس تحريرها الدكتور عبدالقادر القط، وهو وجه ثقافى محبوب بين الأدباء والكتّاب والمبدعين، ولديه قبول كبير بينهم، وكتب فى مقدمة طويلة للعدد الأول: «إن ظهور مجلة أدبية على مستوى عصرى جاد، حدث أدبى جليل، ينبغى أن يقابل بكثير من التفاؤل والترحاب، فللمجلات الأدبية فى مصر وسائر أقطار الوطن العربى تاريخ طويل حافل بالعطاء الأدبى والفكرى الخلاق، والإسهام فى مجال التطور الحضارى الحديث، حتى لقد ظلت بعض هذه المجلات- بما قامت به من دور فعال فى هذا السبيل- علامات مميزة على طريق نهضتنا الحديثة فى بعض مراحلها.. وهذه هى مجلة (إبداع) تبدأ أولى خطواتها على ذلك الطريق..»، وتضمن العدد الأول مواد شعرية وقصصية ونقدية لأمل دنقل، وفاروق خورشيد، ومحمد آدم، وفاروق شوشة، وإدوار الخراط، وخيرى شلبى، وعبدالمنعم رمضان، وعلى شلش، ومحمد مستجاب، وغيرهم، فى محاولة جديدة لنفض الغبار الذى علق بجسد الثقافة فى عقد السبعينيات من ناحية، واستعادة بعض وهج الثقافة فى عقد الستينيات، ومحاولة الاشتباك مع ما استجد من عناصر، ولكن يظل السقف منخفضًا حتى بعد صدور العدد، وكذلك صدرت مجلة القاهرة فيما بعد فى يناير ١٩٨٥، ولكنها لم تسد جوع المثقفين، لذلك ظلت الحياة الثقافية تحتاج إلى نوع آخر من المجلات، ذلك النوع الذى يتجاوز أى خطوط حمراء، وينشر نصوصًا لا تنتظر أى إشارة مرور، وكانت بالفعل جماعة المثقفين فى حزب التجمع تمارس الثقافة بأشكال مختلفة، وأصدرت كراسات التقدم، والتى نشر فيها الكاتب الشاب محمود الوردانى كتابًا قصصيًا صغيرًا عنوانه «أربع قصص قصيرة»، وقدمت له الناقدة فريدة النقاش مقدمة ضافية، وكانت مقدمة جميلة.

لذلك ظل حلم إصدار مجلة أدبية ثقافية فكرية حلمًا يراود الكتّاب والمثقفين فى حزب التجمع، وفى الحركة الثقافية عمومًا، ذلك الحلم الذى سعى المثقفون آنذاك لتحقيقه، وإخراجه من مرحلة الحلم إلى مرحلة التحقق، رغم التضييق الذى كانت تعانى منه تيارات اليسار، وخاصة حزب التجمع، ولكنهم قد عزموا وقرروا بالفعل التقدم عمليًا إلى المجلس الأعلى للصحافة للموافقة على صدور مجلة أدب ونقد فى ١٩ يوليو ١٩٨٣، وكان قد تم اختيار شخصية وطنية لا خلاف عليها، شخصية لها حضور ثقافى متعدد وملحوظ وساطع، وكانت تلك الشخصية هو الأستاذ الأكاديمى الدكتور الطاهر أحمد مكى، والأستاذ المرموق فى كلية دار العلوم، والمنحاز بقوة إلى كل قضايا الإنسان العادلة، وذلك فى مصر والعالم، ومن بين مآثره النقدية والفكرية، كتابه البديع «بابلو نيرودا.. شاعر الحب والنضال»، والذى صدر عن دار روزاليوسف فى يونيو ١٩٧٤، وهو دراسة عن شاعر عظيم، ومناضل عنيد، وقف إبداعه وحياته دفاعًا عن المعذبين فى الأرض، ولم يهدأ لحظة حتى آخر نبض فيه، وكانت تلك الدراسة من أهم وأبرز وأشمل دراسة عن شاعر شيلى الكبير، لم يكن شاعر شيلى فقط، بل كان شاعر الإنسانية جميعًا، ورغم مؤلفات الطاهر مكى العديدة، إلا أن ذلك الكتاب حقق ذيوعًا شعبيًا وثقافيًا كبيرًا، ولذلك لم يختلف عليه اثنان فى أن يقود مجلة «أدب ونقد» فى مرحلتها الأولى، لذلك تم تقديم طلب إصدار المجلة باسمه فى التاريخ الذى ذكرناه سلفًا، وقصة إصدار المجلة والتصميم على إصدارها تعتبر إحدى مفاخر حزب التجمع فى ذلك الوقت، إذ كانت البيروقراطية الثقافية هبطت إلى أوطى مستوى، ولكنه يكشف عن زيف دعاوى عريضة يشيعها الموظفون فى الحقل الثقافى عن- كما يكتب الطاهر مكى- فى مقدمة العدد الثالث، «إذ ليس وراء القاع مستوى أدنى، هناك شعارات براقة من رعاية المواهب والثقافة، ومهرجانات فى حقيقتها أسواق نافقة لتبادل المنافع والزيارات، وتكلفنا مئات الألوف دون أن تناقش قضية جادة، أو أن نخرج من ورائها بنتائج عملية ومحددة».

عندما تقدم الحزب ورئيس التحرير للحصول على ترخيص للمجلة، لم يكن يخالجهما أى شك فى أن المجلة ستجد قبولًا فوريًا، وموافقة سريعة، ولن تجد أى عوائق، لأن صدورها يحسب للسلطة ولا ولن يكلفها أى شىء، وبالطبع سوف يحسن من سمعتها فى مجال الديمقراطية، خاصة أن المجلة لن تشكل لها أو عليها أى خطر من أى جانب، لأن المجلة لا ولن تخوض فى مجال السياسة بشكلها المباشر، وسوف تقصر معظم اهتماماتها على الثقافة فقط لا غير، ولكن العقلية الروتينية كان لها رأى آخر، وموقف مختلف، واكتشفوا أنهم واهمون، وأخطأوا قراءة المشهد، ولم يتصوروا أن العنت سيصل بهم إلى تلك الهوة السحيقة التى تفصل بين الحكومة والمعارضة حتى فى مجال الثقافة، وكأن درس السبعينيات المؤلم لم يكن، ولم يترك أى علامة واضحة وبارزة فى العقلية البيروقراطية، وأصبح ما كانوا يتصورونه نوعًا من الحق البديهى، وخطوة تلقى الترحيب، شيئًا صعب المنال، وبدأت رحلة التعقيدات والتعويقات المتعمدة فى مناخ روتينى سقيم، بداية من تأجيل الطلب، فلا يعرض على المجلس فى حينه، أو لا يجتمع المجلس أصلًا، رغم أن مادة المجلة كانت معدة وجاهزة وفى المطبعة، وكان يتم الإعلان عنها فى كل عدد يصدر يوم الأربعاء من كل أسبوع فى جريدة الأهالى، وهناك أسئلة متواترة من القراء، الذين لا يتوقفون عن الأسئلة التى تتعلق بموعد صدور المجلة، وبدون سرد المعوقات التى وقفت فى وجه المجلة، وأمام الإصرار على إصدار المجلة، اضطر الحزب أن يلجأ إلى حيلة إصدار المجلة تحت بند «كتاب غير دورى»، والتى صدرت بها مطبوعات كثيرة فى عقد السبعينيات، وبالفعل صدر العدد الأول فى يناير ١٩٨٤ برئاسة تحرير دكتور الطاهر أحمد مكى، ومدير التحرير فريدة النقاش، وتم تشكيل مجلس تحرير من: بهجت عثمان، وجمال الغيطانى، ود. عبدالعظيم أنيس، ود. لطيفة الزيات، والشاعرة ملك عبدالعزيز، وتم اختيار الفنان أحمد عز العرب لمهمة الإشراف الفنى، وسكرتارية التحرير لناصر عبدالمنعم، وبعد صدور العدد الأول، لم تجد البيروقراطية، وكل سبل التعنت، سوى الاستسلام للأمر الواقع، بالتالى تم استخراج الترخيص فى أواخر فبراير ١٩٨٤، ليبدأ عهد جديد من الثقافة المقاتلة التى خرجت بكل عنفوانها من شباك الحصار.

كتب رئيس التحرير مقدمة ذات طابع خاص، لها ملامح جادة وحادة وغير مهادنة، كتب فى مطلعها: «تصدر هذه المجلة فى لحظة من تاريخ حياتنا، نحن فيها على حافة أيام مضت، أجدبت الثقافة، وجفت ينابيع الإبداع، وران الركود على العقول، ومالت الأقلام إلى الدعة، وبدا كل شىء قد استكان إلى إغفاءة طويلة وعميقة، لن تجىء اليقظة إلا بعد سنين..»، وحدد الطاهر ملامح المرحلة السبعينية وقسماتها، واعتبر أن بعض جفاف الإبداع كان أمرًا طبيعيًا فى ظل مصادرة الحريات التى فرضتها السلطات آنذاك، وقرر أن أى حركة تستهدف بعث الحياة الثقافية فى وطننا العزيز، عليها أن تقف فى الجانب المواجه لهذه المعوقات، ثم وضع الخطوط العريضة التى سوف تسير عليها المجلة، والتى ظلت بالفعل مؤمنة بها، وحريصة عليها، حتى بعد أن ترك الطاهر رئاسة التحرير فى المرحلة الأولى، وتولتها الناقدة الكبيرة فريدة النقاش بعد ذلك، لتؤدى الأمانة على أكمل وجه.

ضم العدد الأول مقالين مهمين عن الشاعر الراحل أمل دنقل، الأول كان للكاتب الدكتور يوسف إدريس، عنوانه «قانون موت الشاعر»، وهو عبارة عن الكلمة التى ألقاها إدريس فى حفل تأبين الشاعر الذى أقامه حزب التجمع، والثانى للشاعر الراحل أحمد إسماعيل، وعنوانه «كيف كتب أمل دنقل قصائده»، وفيه يستقصى إسماعيل عادات وتقاليد وطرق الكتابة التى كانت تحكمه على مدى مراحل معينة من حياته، كما ضمت مواد قصصية ونقدية لفخرى لبيب، ود. حمدى السكوت، ودراسة عن الأغنية المعاصرة للدكتور السعيد محمد بدوى، وتضمن العدد كذلك قصة «أرملة السيد مونتيل» لجبرييل غرثيا مركيث، ونقلها للعربية الدكتور عبداللطيف عبدالله، كما كتب الدكتور أحمد إبراهيم الهوارى دراسة مهمة عن الكاتب والناقد والمفكر إسماعيل أحمد أدهم، والذى رحل مبكرًا، وترك تراثًا فكريًا شائكًا، على رأس ذلك التراث كتابته «لماذا أنا ملحد؟»، كما اشتبكت المجلة مع الحياة الثقافية بمقالات أثارت جدلًا وفتحت ثغرة فى جدار الحياة الثقافية العالى بأقلام فؤاد دوارة، وعزالدين نجيب، وحسنى حسن. والذى يتأمل أسماء الكتاب، وعناوين الموضوعات، سيدرك أن المجلة تنوعت فى مادتها، ولم تقف عند باب معين، ولم تنحز لثقافة أيديولوجية ضيقة، ولكنها انفتحت على جميع الأقلام فى تنوعها.

وبعد صدور العدد الأول لقى إقبالًا كبيرًا لدى القراء، ونفد فى ساعات بالفعل بعد صدوره، حيث كان هناك تعطش وجوع واضحان لثقافة جادة وصادقة، تثير ولا تصفق للسائد، تشتبك ولا تجامل الظواهر السلبية، ورغم ذلك الإقبال الكبير من القراء والكتّاب والمبدعين، إلا أنها وجدت ما يشبه الصمت المطبق عند الصحافة الحكومية اليومية والأسبوعية والشهرية، وهو أمر لا غرابة فيه، كما صرح رئيس التحرير فيما بعد، ولم يكتب سوى الكاتب كامل زهيرى فى جريدة الجمهورية، والفنان حسن فؤاد فى مجلتىّ صباح الخير وروزاليوسف، ودمتم، وهذا على سبيل الحصر، وليس على سبيل المثال، فالثقافة التى بشرت بها مجلة أدب ونقد، لم تجد ترحيبًا من الخانعين فى أكشاك الثقافة الركيكة، وهذا لا يعنى أن المبدعين والكتّاب الأفاضل فى المجلات والصحف القومية لم يتحمسوا لصدور المجلة، بل العكس قد حدث، لكنهم كانوا مجرد محررين فقط، ولا يملكون قرار الترحيب بالمجلة، فلو رصدنا رؤساء أقسام الثقافة فى تلك الصحف والمجلات، لأدركنا أسباب ذلك الصمت وعدم الترحيب التام.

وجاء العدد الثانى فى فبراير ١٩٨٤ مؤكدًا ومطورًا لما جاء فى العدد الأول، ومنفذًا للبيان العام الذى أفاض فيه رئيس التحرير فى مقدمة العدد الأول، وترك مقدمة العدد الثانى للدكتور عبدالعظيم أنيس، ولكن أبرز ما جاء فى العدد الثانى ما كتبه جمال الغيطانى تحت عنوان: «الواقع الأدبى.. بين الحقيقة والزيف»، ومواد أخرى فى ذلك العدد، والأعداد التى تلته، وهو ما سنتناوله فى الحلقة القادمة، والذى أكد أن مجلة جديدة ضربت مثالًا ناصعًا وقويًا فى الصحافة الثقافية فى العقود الماضية.