السبت 07 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

لماذا نخـاف؟.. قراءة فى «طبائع الاستبداد» لعبدالرحمن الكواكبى و«الخوف من الحرية» لإريك فروم

حرف

- علمنا فروم أن التحرر من القيود لا يساوى بالضرورة القدرة على ممارسة الحرية

هل يولد الإنسان محبًا للحرية، أم أن الحرية قيمة يتعلمها، وقد يخاف منها إذا لم يتعلم كيف يمارسها؟ وهل الاستبداد مجرد حاكم يفرض إرادته، أم علاقة أكثر تعقيدًا بين سلطة تريد أن تطاع ومجتمع قد يعتاد الطاعة؟ وهل يمكن أن يسقط المستبد ويبقى الاستبداد حيًا فى عقول الناس؟

هذه الأسئلة قادتنى إلى قراءة كتابين من أهم ما كتب عن علاقة الإنسان بالسلطة والحرية. الأول «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» لعبدالرحمن الكواكبى، والثانى «الخوف من الحرية» لإريك فروم. يفصل بينهما زمن وثقافة وتجربة، ولكنهما يلتقيان عند حقيقة مقلقة: الاستبداد ليس نظامًا سياسيًا فحسب، بل قد يتحول إلى حالة نفسية واجتماعية وثقافية.

«الكواكبى» يدرس كيف تفسد السلطة المطلقة المجتمع، و«فروم» يسأل لماذا قد يهرب الإنسان من استقلاله إلى قوة تمنحه الطمأنينة. ومن الجمع بينهما أستخلص دائرة خطيرة: الاستبداد يصنع الخوف، والخوف قد يعيد إنتاج الاستبداد. والسؤال الأهم: كيف نكسر هذه الدائرة؟

ولد عبدالرحمن الكواكبى فى حلب عام ١٨٥٥، وعمل بالصحافة والفكر والإصلاح، وعاش فى ظل السلطنة العثمانية وما رافق أواخر عهدها من أزمات سياسية وإدارية. انتقل إلى مصر وتوفى عام ١٩٠٢. وفى «طبائع الاستبداد» بحث علاقة السلطة المطلقة بالدين والعلم والمال والأخلاق والتربية والتقدم.

وما يلفتنى، كطبيب، أنه تعامل مع الاستبداد كما نتعامل مع مرض مزمن: لم يكتفِ بوصف أعراضه، بل بحث عن أسبابه وآثاره المتشابكة وطرق الوقاية منه. فالمستبد ليس فقط من يرفع صوته أو يستخدم العنف؛ قد يبدو لطيفًا ويحقق إنجازات، ولكنه يظل مستبدًا إذا احتكر القرار ورفض المحاسبة. الاستبداد لا يُقاس فقط بما يفعله الحاكم، بل بما لا يستطيع المجتمع منعه من فعله.

الكواكبى
الكواكبى

أدرك الكواكبى أن المعرفة التى توقظ الوعى بالحقوق والمساءلة تهدد الحكم المطلق. وأرى أن علينا التمييز بين تعليم يمنح شهادة أو مهارة، وتعليم يبنى عقلًا نقديًا مستقلًا. قد يحتاج المستبد إلى المهندس والطبيب والفنى، ولكنه يخشى المواطن الذى يسأل: لماذا؟ وبأى حق؟

عدد المدارس والجامعات لا يكفى معيارًا للتحرر. هل نكافئ السؤال أم نعاقبه؟ هل نعلّم أبناءنا كيف يفكرون أم ماذا يفكرون؟ التعليم الذى يقوم على التلقين والخوف من الخطأ قد ينتج متعلمين كثيرين دون أن يبنى مواطنين أحرارًا.

لم يكن نقد الكواكبى موجّهًا إلى الإيمان، بل إلى توظيف المقدس فى خدمة السلطة. حين يصبح نقد قرار بشرى اعتداءً على الدين أو الوطن، تتحول السياسة إلى مجال محرم على المساءلة. ولا يقتصر ذلك على المجتمعات الدينية؛ فقد تُقدَّس القومية أو الأيديولوجيا أو صورة الزعيم، وتصبح معارضته خيانة.

الدولة القوية لا تحتاج إلى تقديس الحاكم، بل إلى احترام القانون. والوطن لا يختزل فى شخص، مهما كانت مكانته أو إنجازاته.

حين يصبح الصدق خطرًا، يتعلم الناس المجاملة؛ وحين تصبح المصارحة مكلفة، ينتشر النفاق؛ وحين يرتبط التقدم بالولاء بدل الكفاءة، يصبح إرضاء المسئول أهم من أداء العمل. وقد يتحول الصمت إلى فضيلة مزعومة، والاستقلال إلى تهمة.

لكن لا يجوز لوم من يصمت تحت تهديد حقيقى. فقد يخشى الإنسان فقدان رزقه أو سلامة أسرته، لذلك لا تتحقق مقاومة الاستبداد بمطالبة الناس بالشجاعة وحدها، بل ببناء مؤسسات تجعل الصدق آمنًا والاختلاف مشروعًا.

والاستبداد قد يبدأ فى البيت والمدرسة والعمل: أب لا يقبل السؤال، أو معلم يعتبر الاختلاف إهانة، أو مدير يطلب الولاء لا الكفاءة. وليس كل تنظيم أو سلطة استبدادًا؛ الفارق بين قواعد عادلة تحترم الإنسان وطاعة تطلب لمجرد امتلاك القوة.

ولد إريك فروم فى ألمانيا عام ١٩٠٠، واشتغل بالتحليل النفسى وعلم الاجتماع، وشهد صعود النازية وهاجر فى ثلاثينيات القرن العشرين. نشر كتابه Escape from Freedom عام ١٩٤١، وعرف أيضًا بعنوان The Fear of Freedom. كان يسأل: لماذا تستجيب جماهير واسعة لدعوة سلطوية، حتى حين تهدد استقلالها؟

يميز فروم بين التحرر من القيود الخارجية، والحرية الإيجابية التى تتيح للإنسان بناء ذاته وعلاقات أصيلة مع الآخرين. فقد تزول القيود القديمة، فيجد الفرد نفسه وحيدًا أمام مسئولية الاختيار، فيغدو الاستقلال مصدر قلق بدل أن يكون مصدر طمأنينة.

أولًا، التسلط والخضوع: يحاول الإنسان الهروب من العجز بالاندماج فى قوة أكبر، فيخضع للقوى وقد يقسو على الضعيف. فيرى فى الزعيم امتدادًا لذاته ويستعير منه شعورًا بالقوة.

ثانيًا، النزعة التدميرية: قد يسعى الفرد إلى إزالة ما يهدد شعوره بالأمان أو السيطرة بدلًا من مواجهة قلقه والتعامل معه.

ثالثًا، الامتثال الآلى: يتخلى الإنسان عن تفرده كى يكرر آراء الجماعة، ويخشى الخروج عليها، وربما يظن أنه يختار بحرية كاملة. وهنا قد يُفقد الاستقلال دون قمع مباشر.

حاول فروم تفسير جاذبية النازية من خلال التفاعل بين أزمات اجتماعية واقتصادية وشعور بعض الفئات بالعزلة والعجز والحاجة إلى الانتماء. 

يمنح الزعيم أتباعه هوية جاهزة وعدوًا يحمّلونه مسئولية المعاناة. لكن لا يصح اختزال النازية فى تفسير نفسى واحد؛ فالدعاية والعنف والمؤسسات والأزمات الاقتصادية والصراعات السياسية كلها عناصر أساسية فى فهمها.

الكواكبى يسأل: كيف تنتج السلطة الخوف وتفسد المجتمع؟

وفروم يسأل: كيف يصبح الخوف دافعًا إلى الخضوع والبحث عن السلطة؟ 

إنهما يصفان طرفين فى علاقة متبادلة، لا قانونًا حتميًا ينطبق على الجميع.

قد تتشكل دائرة تبدأ بتركيز السلطة وغياب المحاسبة، ثم الخوف وإضعاف الثقة، فالطاعة والامتثال، ثم ضعف المشاركة والمؤسسات، لينتهى الأمر بإعادة إنتاج السلطة المركزة.

لكن الناس لا يستجيبون جميعًا بالطريقة نفسها: فمنهم من يقاوم أو يفاوض أو يهاجر أو يعمل على الإصلاح.

ولهذا لا يكفى سقوط الحاكم؛ فقد تتغير الوجوه وتبقى أسالييب الإدارة، وقد تتبدل الشعارات وتظل ثقافة الخوف. 

الديمقراطية ليست انتخابات فحسب، وإن كانت الانتخابات الحرة ضرورة، بل قضاء مستقل وفصل بين السلطات وصحافة حرة وحق تنظيم وتداول للسلطة وحماية للأقلية.

أستخدم تعبير «الاستبداد الطوعى» هنا بوصفه وصفًا تحليليًا لظاهرة الامتثال أو التنازل عن بعض الحرية طلبًا للأمان أو الانتماء أو المنفعة، لا بوصفه حكمًا بأن ضحايا القمع اختاروا قهرهم بحرية كاملة. فالرضا الذى ينتزع فى ظل الخوف والحرمان ليس موافقة حرة بالمعنى الأخلاقى أو السياسى.

حين يخاف الناس الفوضى، قد يبالغون فى قبول تركيز السلطة. والخوف من الفوضى ليس وهمًا دائمًا؛ فقد تكون للاضطرابات كلفة إنسانية حقيقية. لكن الخطأ هو تحويل مطلب الأمن المشروع إلى تفويض مفتوح، وكأن حماية المجتمع تستلزم إلغاء حقه فى الرقابة والتصحيح.

ويزداد الخطر عندما تتحول صورة الزعيم إلى وعد بالخلاص. يقدمه الخطاب العام باعتباره الشخص الوحيد القادر على الإنقاذ، ويُختزل نجاح الدولة فى شخصه. عندئذ يصبح السؤال عن البدائل تهديدًا للاستقرار، وتصبح المؤسسة أقل أهمية من صاحب المنصب. هذا التصور يضعف الدولة نفسها لأنه يربط استمرارها ببقاء فرد.

لم تعد صناعة الطاعة تعتمد على خطاب رسمى واحد. ففى بيئة رقمية سريعة يمكن لتكرار الرسائل، والمحتوى العاطفى، والتلاعب بالصور، والمجموعات المغلقة، أن يضخم الإحساس بالإجماع ويجعل الرأى المختلف يبدو شاذًا أو خطيرًا. ولا يعنى ذلك أن الجمهور بلا إرادة، بل إن شروط تكوين الرأى أصبحت أكثر تعقيدًا.

تعمل الخوارزميات أحيانًا على تعزيز ما يثير الانتباه والانفعال، وقد تزيد الاستقطاب عندما يحاصر الفرد نفسه بمصادر تؤكد قناعاته. وفى هذه البيئة لا يحتاج الامتثال إلى أمر صريح؛ يكفى أن يخشى الإنسان العزلة أو التشهير أو فقدان القبول داخل جماعته. وهنا تتجدد فكرة فروم عن الامتثال الآلى بوسائل لم يعرفها فى عصره.

تحتاج السلطة إلى معلومات صادقة أكثر من حاجتها إلى الثناء. لكن حين يكافأ من يوافق ويعاقب من يعترض، ينسحب أصحاب الرأى المستقل، ويتقدم من يجيدون توقع رغبات الحاكم، ويبدأ المسئول فى سماع صورة مصنوعة عن المجتمع وعن نفسه.

قد يتلقى الزعيم احتفاءً خارجيًا، فيفسره المحيطون به على أنه تقدير شخصى مطلق، بينما تكون العلاقات الدولية محكومة بمصالح الدول وتوازناتها. وقد تعرض عليه مؤشرات منتقاة وتصفيقات منظمة، فيضعف اتصال القرار بالواقع. هذه ليست مشكلة أخلاق أفراد فقط، بل خلل فى نظام تدفق المعلومات والمساءلة.

الزعيم الذى يسمع النقد المؤسسى ويقبل مراجعة قراراته يحمى نفسه ودولته من أخطاء أكبر. أما من يساوى الاختلاف بالعداء فيحرم نفسه من أداة تصحيح لا غنى عنها.

ليست كل أشكال الامتثال ناتجة عن الخوف وحده. فقد تدفع المنافع والمناصب والشبكات الاقتصادية بعض الأفراد إلى الدفاع عن نظام يضمن مصالحهم. وقد يتردد آخرون فى المعارضة لأن البدائل ضعيفة أو غير موثوقة؛ لذلك لا تكفى الإدانة الأخلاقية؛ بل يلزم بناء منافسة سياسية عادلة، وشفافية، وفرص اقتصادية، وقضاء يحمى الحقوق.

ومن الضرورى أيضًا ألا نخلط بين احترام المؤسسة والخضوع غير المشروط لشخص. احترام مؤسسات الدولة يعنى دعم قواعدها واستقلالها وخضوعها للدستور، وليس حصر الكفاءة أو الوطنية فى فئة بعينها.

أرى أن الطريق يبدأ بالتربية على الحرية. فالديمقراطية لا تولد يوم الانتخابات؛ تبدأ حين يسمح المعلم بالسؤال، ويتعلم الطفل أن القاعدة العادلة تسرى على الجميع، ويدرك الشاب أن حقه فى الاختيار لا ينفصل عن مسئوليته تجاه الآخرين.

ثم تأتى المؤسسات: دستور يحترم، وقضاء مستقل، وبرلمان يراقب، وإعلام يحقق، وأحزاب تتنافس بحرية، وإدارة محلية تسمح بظهور قيادات جديدة، وآليات سلمية لتداول السلطة. لا يكفى أن تحمل المؤسسة اسمًا ديمقراطيًا؛ المهم أن تملك صلاحية حقيقية وتمارسها.

والأمن والحرية ليسا نقيضين. الاستقرار المستدام لا يقوم على إسكات التناقضات، بل على وجود قواعد عادلة لإدارتها. والمواطن الحر ليس من يرفض كل سلطة، بل من يقبل السلطة المشروعة ويحتفظ بحقه فى مساءلتها وتغييرها.

كما لا يجوز تصور الحرية مسئولية الفرد وحده؛ فالفقر والتمييز والتهديد وغياب العدالة قد تجعل الاختيار النظرى غير قابل للممارسة. الحرية تحتاج إلى ضمانات اجتماعية واقتصادية، مثلما تحتاج إلى حقوق سياسية.

قد يستطيع المستبد أن يحكم مجتمعًا بالخوف، ولكنه لا يستطيع بالخوف وحده بناء مجتمع مبدع وواثق من نفسه. 

وقد يستطيع الإنسان أن يتخلص من حاكم مستبد، ولكنه لن يصبح حرًا تلقائيًا إذا ظل يخشى الاختلاف ويهرب من المسئولية.

علمنا الكواكبى أن الاستبداد مرض يمتد إلى جوانب الحياة، وعلمنا فروم أن التحرر من القيود لا يساوى بالضرورة القدرة على ممارسة الحرية. 

وأضيف أن بناء المجتمع الحر يحتاج إلى مؤسسات تمنع احتكار السلطة، وتعليم يبنى العقل المستقل، وثقافة تحترم الاختلاف، وأمان الاجتماعى يجعل الاختيار ممكنًا.

إن أخطر ما يتركه الاستبداد ليس المؤسسات الضعيفة وحدها، بل الاعتياد على ألا نستخدم إرادتنا. وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد التحرر أن نستبدل شخصًا بشخص دون أن نغير العلاقة بين السلطة والمجتمع.

هل نريد مواطنًا يطيع لأنه يخاف، أم مواطنًا يحترم القانون لأنه شريك فى صنعه؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين مجتمع يُحكم، ومجتمع يحكم نفسه.