أسـرى الماضى.. زيارة جديدة إلى صحيح البخارى
- بدأت فكرة تدوين «الأحاديث النبوية» فى الخلافة الأموية منذ إمارة عمر بن عبدالعزيز سنة 99هـ
- لا تُحَدِّثُوا الناس بما يؤدى إلى تكذيب الله ورسوله بسبب سوء الفهم
- النبى ظل يخطب 11 سنة دون تدوين لأى من نصوص خطبه
وُلِد محمد بن إسماعيل البخارى سنة 194هـ فى بلدة «بخارى» التى تقع الآن فى جمهورية أوزبكستان بقلب آسيا الوسطى، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة وثلاث وثمانين سنة.
مات أبوه، فصار يتيمًا فى حجر أمه التى أكملت معه رحلة تكوينه العلمى فى «بخارى» والأقاليم المجاورة، وتابعته فى ملازمة حلقات الدروس، وحفظ المتون.
سافرت والدته لأداء فريضة الحج سنة 210هـ، واصطحبته معها وهو فى السادسة عشرة من عمره، فكان هذا أول خروج له من آسيا الوسطى إلى بلاد العرب. وبعد انتهاء مناسك الحج عادت الأم إلى وطنها، وتركت ولدها البخارى فى مكة والمدينة، ليزداد علمًا.
لم يكن البخارى أول المدوِّنين للمحفوظات الحديثية، كما لم يكن آخرهم، فقد سبقه كثيرون، وتبعه آخرون.
لقد بذل البخارى جهده فى جمع وتدوين «جامعه المسند» وكتبه، على وجه التطوع، فهو لم يكن مكلفًا، ولا أجيرًا فى تنظيم أو جماعة تصف نفسها بالدينية أو هكذا نعلم.
قال فى مقدمة جامعه: «كتبت كتابى الجامع فى ست عشرة سنة، خرَّجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بينى وبين الله تعالى».

وبذلك لم يدَّعِ البخارى حُجِّيَّة ما جمعه من روايات على الناس، وإنما نصَّ على أنها حجة فيما بينه وبين الله تعالى دون الناس، فقد أعطى لنفسه حق جمع، وحذف، واستبعاد ستمائة ألف رواية حديث، غير الأربعة آلاف التى وافقت شروطه التى وضعها لنفسه، وقيَّد بها تدوينه، من واقع إنسانية فطرته، واستيعاب عقله، وطمأنينة قلبه، وليس بزعم الوحى السماوى، أو بادعاء الرؤية المنامية، أو بإلزام سلطانٍ متغلب.
ولم يدَّعِ البخارى، أو غيره من سائر المدوِّنين للمرويات الحديثية، أنه سمع تلك الروايات من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هى على عهدة من قصَّها عليه، ورواها عن شيخه، وعهدةُ كلِّ من ورد اسمه فى السند على عهدة سابقه.
ونحن- المتلقين- للمرويات الحديثية بعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة، أسياد قرارنا فى تصديق ذلك أو تكذيبه ، لأن أيًا ممن روى نقلًا عن غيره، لم يسمع الحديث مباشرة من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن سيدنا محمدًا لم يراجع ما نُسب إليه، ولم يدوِّنه بنفسه، فكانت المسئولية فى إثبات الرواية لحديث نبوى، على المتلقى نفسه.
حسب رواية البخارى نفسه، فإنه حقق فى ستمائة ألف رواية فى ستة عشر عامًا قبل أن يطمئن قلبه لأربعة آلاف منها دوَّنها فى صحيحه.
بحسبة بسيطة، علمًا بأنه كان يبحث وحده، ويعمل مسافرًا بين الأقطار بنفسه، فإن ذلك يعنى جمع أكثر من سبعين حديثًا فى اليوم الواحد، ما بين جمع وبحث وتيقن ثم تدوين، لمدة ستة عشر عامًا متتالية، وهو ما أراه غير معقول ولا ممكن و فوق طاقة البشر.
بالنسبة لنا بعد أكثر من ١٤٠٠ سنة، فقد ألهمنى قول الإمام على بن أبى طالب، فيما أخرجه الامام أحمد بن حنبل ، حين قال:
«إذا حُدِّثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا، فظنوا به الذى هو أهدى، والذى هو أهيأ، والذى هو أتقى».
يعنى أن الإمام ترك للناس اختيار ما يصدقون ويأخذون به، وما لا يأخذون، خيارًا للإنسان بحسه الإيمانى، وعقله، وضميره.


لقد بدأت فكرة تدوين «الأحاديث النبوية» فى الخلافة الأموية، منذ إمارة عمر بن عبدالعزيز سنة ٩٩هـ، فأنشأ لذلك ما اسماه «ديوان الحديث».
لم يثمر المشروع عن نتائج ملموسة؛ لأسباب تحتاج إلى دراسة، مع ضيق وقت الدعم للفكرة، حيث مات الأمير بعد ثلاث سنوات من إمارته سنة ١٠١هـ مسمومًا عن عمر يناهز الأربعين عامًا، وقيل إنه قُتل لأنه شدَّد القبضة على الأمويين ليُرجعوا أموالًا لبيت المال ليست من حقهم.
وقد قيل فى حقه إنه كان خامس الخلفاء الراشدين.
ثم انتقل مشروع تدوين الأحاديث النبوية إلى الخلافة العباسية عام ١٣٢هـ، وبدأ ذلك منذ إمارة أبى جعفر المنصور سنة ١٣٦هـ، وفشلت الفكرة أيضًا. فقد أرسل أبوجعفر المنصور، بعد حين من إمارته، إلى الإمام أبى عبدالله مالك «أحد الأئمة الأربعة المشهورين» وقال له:
«يا أبا عبدالله، ضم هذا العلم، ودوِّن كتبًا، وجنِّب فيها شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد أواسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة، ولئن بقيتَ لأكتبنَّ كتابك بماء الذهب، ثم لأعلقنَّه فى الكعبة، ولأحملنَّ الناس عليه».
فقال له مالك:
«يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا فى البلاد، فأفتى كل فى مصره بما رآه، فلأهل هذه البلاد قول، ولأهل المدينة قول، ولأهل العراق قول، وإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا له، من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم».
رغم ذلك وقع خلاف بين الإمام مالك والخليفة بعد ذلك، حول حديث رواه مالك حول عدم شرعية الطلاق بالإكراه والذى فسره البعض أن أى اختيار بالإكراه غير شرعى حتى لو كان اختيار الخليفه نفسه. وعوقب الإمام مالك بالجلد لأنه رفض أن يغير الحديث.
وفى حياته كتب الإمام مالك كتاب «الموطأ»، وهو مرجعية معتبرة «أترك للقارئ فى نهاية المقال نبذة عنها».


إن المتأمل يدرك أن فشل الخلافتين- الأموية والعباسية- فى تحقيق مشروعهما فى تدوين «الأحاديث النبوية» ربما يحمل دلالة ضمنية، هى أن الدين حق خالص لله تعالى بينه وبين عباده فرادى، كل مكلف وشأنه مع الله، دون مأسسة توصف بالدينية، حكومية كانت أو تنظيمية.
يحكى البخارى بنفسه أصل دافعه لجمع الأحاديث بأنه بينما كان فى زيارة للشيخ إسحاق بن راهويه «١٦١- ٢٣٨هـ» فى مقر إقامته بنيسابور- شمال شرق إيران- وكان من كبار الحفاظ للمرويات عن الرسول، خشى الشيخ على تلك المرويات من الاندثار بسبب تداولها الشفهى، مع ندرة الحفاظ. وعندما لاحظ الشيخ ظهور جيل المدونين من الشباب، ومنهم البخارى، قال لهم:
«لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النبى صلى الله عليه وسلم؟»
قال البخارى: «فوقع هذا القول فى قلبى، فأخذت فى جمع هذا الكتاب فى ست عشرة سنة». وقد أنجز البخارى ما جمعه سنة ٢٤٨هـ، أى قبل وفاته بثمانى سنوات، مما يدل على أنه بدأ فى جمع صحيحه وهو فى سن الثامنة والثلاثين، وانتهى منه وهو فى سن الرابعة والخمسين.
وبنفس منطق الجهود الفردية فى جمع الأحاديث النبوية، كانت هناك جهود فردية أيضًا فى كيفية قراءة القرآن، فالقراءات العشر للقرآن الكريم هى نتاجها؛ إذ لم يدُم قرار الخليفة الثالث عثمان بن عفان «ت: ٣٦هـ» بتوحيد القراءة على مصحفه الإمام، فظهرت قراءة عبدالله بن عامر الشامى «ت: ١١٨هـ»، وابن كثير المكى «ت: ١٢٠هـ»، وعاصم بن أبى النجود الكوفى «ت: ١٢٧هـ»، وأبى جعفر المدنى «ت: ١٣٠هـ»، وأبى عمرو البصرى «ت: ١٥٤هـ»، وحمزة بن حبيب الكوفى «ت: ١٥٦هـ»، ونافع المدنى «ت: ١٦٩هـ»، وعلى بن حمزة الكسائى الكوفى «ت: ١٨٩هـ»، ويعقوب بن إسحاق الحضرمى البصرى «ت: ٢٠٥هـ»، وخلف بن هشام البزار «ت: ٢٢٩هـ».
كذلك تعددت مناهج التفسير للقرآن الكريم بجهود فردية لمن أراد الاستزادة برؤى المفسرين بالمأثور، أو بالمعقول، أو باللغة، ومنهم الطبرى «ت: ٣١٠هـ»، وفخر الدين الرازى «ت: ٦٠٦هـ»، والقرطبى «ت: ٦٧١هـ»، والنسفى «ت: ٧١٠هـ»، وابن كثير «ت: ٧٧٤هـ»، وغيرهم ممن اشتغل على نفسه فى علوم التفسير.
وبالأمر ذاته، تعددت نظريات المسائل الكلامية بجهود فردية؛ ففى علم الكلام فى أسماء الله وصفاته، الذى أُطلق عليه مؤخرًا علم العقيدة، كانت الجهود الفردية هى الأساس فى انطلاقه واتساعه، ومن مؤسسيه: واصل بن عطاء «ت: ١٣١هـ» صاحب المدرسة المعتزلية، وأبوالحسن الأشعرى «ت: ٣٢٤هـ» صاحب المدرسة الأشعرية، وأبومنصور الماتريدى «ت: ٣٣٣هـ» صاحب المدرسة الماتريدية.
وقد فكرت الدولة العباسية فى تعميم الفكر الاعتزالى القائل بخلق القرآن، ففشلت وتابت، وكان هذا الفشل فى إمارة المأمون «ت: ٢١٨هـ»، ثم المعتصم «ت: ٢٢٧هـ»، ثم الواثق «ت: ٢٣٢هـ»، وبموته أعلن أخوه المتوكل «ت: ٢٤٧هـ» توبة الدولة عن التدخل فى دين الله، الذى اختصه لنفسه مع خلقه كأفراد، دون واسطة أو وصاية.
كذلك تعددت الرؤى فى المسائل الفقهية العملية- فى الإمامة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والزواج، والبيع، والإجارة، وسائر العقود المدنية، والقضاء، والشهادة، والقتال، ونحو ذلك مما يتعامل فيه الناس- وكانت الجهود الفردية، ولا تزال، هى الأساس فى انطلاقه واتساعه، ومن مؤسسى علم الفقه وأصوله كأفراد.
إننى هنا أبرئ البخارى، وغيره، من التعقيب عليه بإنكار بعض ما دوَّنه، حيث تقف مسئوليته ومسئوليتهم عند أمانة التدوين والإخراج، بما أخذوه على أنفسهم من قواعد للنشر بلغة عصرهم.
أما من أعطى قدسية لأى تدوين وجعله فى مكانة القرآن الكريم، فتقع مسئوليته على نفسه، ولسنا ملزمين سوى بعقولنا وبقول الرسول عليه السلام فى أشهر الأحاديث المتواترة لفظيًا:
«من كذب علىّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» رواه أكثر من سبعين صحابيًا «وقيل أكثر من ذلك»، وهو أشهر مثال على التواتر اللفظى باتفاق العلماء.
وما قاله الإمام على بن أبى طالب، فيما رواه البخارى فى صحيحه عنه:
«حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟»
والمعنى: حدِّثوا الناس بما يفهمونه ويطيقونه من العلم، ولا تحدثوهم بما قد يستشكل عليهم أو يؤدى إلى تكذيب الله ورسوله بسبب سوء الفهم.
إن كل الخادمين للعلم يستحقون الشكر والمثوبة، ولو كان علمهم خارج اهتمامات البعض، أو غير مقبول عند البعض؛ لأن العلم كاشف عن وجه من وجوه الحقيقة، وليس مؤسسًا للحقيقة، والمعلومات لا تُلزم صاحبها بقرار، وإنما تمكنه من اتخاذ القرار عن بصيرة.
والواقع والتاريخ يقولان إنها كلها جهود متعددة، يُشكر عليها من بذل وقته وعلمه ليحققها، ولكنها لا تصير دينًا بديلًا ولا فرضًا على من يأتى بعدهم؛ فلنا عقولنا، ومصادر معارفنا، وقدرتنا على التمييز بعد مئات السنين من وفاة الرسول، ومن بعد وفاتهم، لنختار ما نوافق عليه وما ترتضيه عقولنا و نفوسنا.


هناك معلومة مهمة قرأتها تقول إن التعريف الصحيح للحديث المتواتر هو: ما رواه جمعٌ كثيرٌ يجعل تواطؤهم «اتفاقهم» على الكذب مستحيلًا، ويشترط أن يكونوا من أول السند إلى آخره قد سمعوه أو رأوه بأنفسهم. وهذا التعريف هو المعتمد عند جمهور علماء الحديث، ولم يحدد العلماء عددًا ثابتًا ومُلزمًا ليكون الحديث متواترًا، واختلفوا فى الحد الأدنى الذى يحصل به التواتر، فقِيل: أربعة، وخمسة، وعشرة، واثنا عشر، وعشرون، وأربعون، وفى قول آخر سبعون. لكن القول الراجح عند المحققين هو أن العبرة ليست بعدد محدد، بل بحصول العلم اليقينى بصدق الخبر واستحالة التواطؤ على الكذب، فالعدد يختلف بحسب الحال والظروف، وقد يكون أقل أو أكثر حسب قوة الرواة وتنوعهم ومكانهم.
أقسام الحديث المتواتر
• متواتر لفظى: أى اتفق الرواة على اللفظ والمعنى.
• متواتر معنوى: أى اتفقوا على المعنى مع اختلاف الألفاظ.
ما هى الأحاديث المتواترة التى نعرفها؟
جمع بعض العلماء الأحاديث المتواترة فى كتب خاصة، وأشهر من صنَّف فيها الإمام السيوطى فى كتابه «قطف الأزهار المتناثرة فى الأخبار المتواترة» «جمع نحو ١١٣ حديثًا فقط»، والزبيدى فى «لقط اللآلئ المتناثرة».
لكنّ هناك حديثًا واحدًا اتفق جمهور المحدثين على تواتره لفظيًا ومعنويًا. وهو أشهر الأحاديث المتواترة لفظيًا
«حديث الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم»:
«من كذب علىّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، رواه أكثر من سبعين صحابيًا «وقيل أكثر من ذلك»، وهو أشهر مثال على التواتر اللفظى والمعنوى باتفاق العلماء، أخرجه البخارى ومسلم وغيرهما من طرق كثيرة جدًا.
أما أحاديث الشفاعة التى رويت، فمتواترة معنويًا:
أى أن النبى، صلى الله عليه وسلم، يشفع يوم القيامة لأهل أمته، وأن له الشفاعة العظمى. رواها جمع كبير من الصحابة، ومتفق على معناها لا لفظها عند أهل السنة.
وحديث المسح على الخفين متواتر ومعناه: جواز المسح على الخفين فى الوضوء، وقد رواه نحو سبعين صحابيًا.
كذلك رفع اليدين فى الدعاء متواتر بالمعنى وليس باللفظ، ومعناه: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه فى الدعاء، وورد ذلك فى نحو مائة حديث فى مناسبات مختلفة.
أما نزول عيسى ابن مريم عليه السلام فى آخر الزمان فهو حديث متواتر معنوى ولا يوجد تواتر لفظى له. وهو مختلف عليه لأن من حكاه لفظيًا أدخل فيه تحريم الخنزير بلا معنى واضح لأنه يضع تحريم أكل الخنزير فى مرتبة حدث عظيم مثل عودة المسيح للحياة مما شككنى فى الحديث كله ويكفينى منه.
هذا ما وصلت إليه من الأحاديث المتواترة بالمعنى والتى ارتضاها عقلى.
معضلة رواية الأحاديث النبوية عندى هى أن الرسول ظل يخطب فى المسلمين أسبوعيًا لمدة إحدى عشرة سنة متتالية، يراه ويسمعه الصحابة وجمهور المسلمين، ومع ذلك لا يوجد تدوين لأى من نصوص خطبه سوى ما رُوى عن خطبته فى حجة الوداع.
وهى خطبة اتفق الصحابة على لفظها، وإن اختلفوا على تفسيرها، وكانت سببًا فى الخلاف حول أحقية الإمام على فى خلافة الرسول بعد وفاته.


الحديث المقصود هو حديث غدير خم، الذى قاله النبى صلى الله عليه وسلم فى طريق عودته من حجة الوداع «سنة ١٠هـ»، فى مكان يُسمى غدير خم «بين مكة والمدينة».
النص المتفق عليه لفظيًا، الذى اتفق الصحابة والرواة عليه، هو:
«مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِىّ مَوْلَاهُ» وفى كثير من الروايات يُزاد: «اللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه»
وروى زيد بن أرقم رضى الله عنه- وهو من أكثر الرواة عنه- أن النبى صلى الله عليه وسلم بعد أن حمد الله وأثنى عليه قال شيئًا قريبًا من هذا المعنى: أنه بشر يوشك أن يأتيه رسول ربه فيجيب، وأنه تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترته أهل بيته، فانظروا كيف تخلفونه فيهما. ثم أخذ بيد على رضى الله عنه وقال: «ألستم تعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى. فقال: «من كنت مولاه فعلى مولاه».
هذا اللفظ، أو ما يقرب منه جدًا، مَروىّ بطرق كثيرة صحيحة أو حسنة عند أهل السنة، وصححه أو حسنه علماء مثل الترمذى، وأحمد، والحاكم، والذهبى، والألبانى وغيرهم. ويُعدّ من الأحاديث المشهورة جدًا، بل عدَّه بعضهم متواترًا أو قريبًا منه لكثرة رواته من الصحابة، شاملًا أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب.

الاتفاق اللفظى: رواه الصحابة والتابعون، وعشرات الصحابة. لكن الاختلاف كان فى المعنى، وهو جوهر الخلاف بين السنة والشيعة.
عند أهل السنة: كلمة «مولى» هنا تعنى المحبة والنصرة والمودة والموالاة الإيمانية «ولى = صديق وناصر»، وليست تنصيبًا للخلافة. والسياق عندهم أن بعض الناس اشتكوا من على فى اليمن، فأراد النبى صلى الله عليه وسلم أن يبيّن فضله ويحث على محبته ونصرته وترك بغضه. والدليل عندهم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقل «خليفتكم» أو «إمامكم من بعدى» بصراحة، وأن الخلافة ثبتت لأبى بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على بالشورى والإجماع.
عند الشيعة: كلمة «مولى» هنا تعنى الولاية والإمامة والقيادة والخلافة بعد النبى صلى الله عليه وسلم، وأن هذا تنصيب صريح لعلى رضى الله عنه، ويربطون الحادثة بآيات مثل «يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك» و«اليوم أكملت لكم دينكم»، ويعتبرونها الدليل الأكبر على الإمامة.
باختصار: اللفظ متفق عليه بين الفريقين فى أصله، والاختلاف فى تفسير لفظ «مولى»، وهل يُقصد به القيادة السياسية والدينية أم المودة والنصرة فقط. وهذا هو أشهر ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم فى خطابه أثناء العودة من حجة الوداع، مما اتفق عليه الصحابة لفظًا واختلفوا فى معناه.

النبى محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن له ذرية من الذكور، لذلك قال بوضوح متفق عليه إن ذريته هى أولاد فاطمة ابنته وعلى بن أبى طالب.
فاطمة + على+ الحسن والحسين.
وهنا علينا تسجيل التالى:
الحسن مات مسمومًا، ٦٧٠م بقى له نسل، وتعرض أغلب أحفاده لاحقًا للقتل والاضطهاد.
الحسين قُتل فى كربلاء، ٦٨٠م قُتل معه أبناؤه، ونجا على زين العابدين، ومن ذريته زيد بن على الذى قُتل ٧٤٠م.. ثم يحيى بن زيد الذى قُتل ٧٤٣م.
وهنا توجد قصة تاريخية أكبر تستحق التأمل: كيف تحولت أسرة النبى، خلال أقل من نصف قرن من وفاته سنة ٦٣٢م، من أسرة فى مركز المجتمع الإسلامى إلى أسرة قُتل عدد من أبرز رجالها على أيدى سلطات مسلمة؟ ثم لماذا استمر الصراع مع بعض أحفادهم فى العصرين الأموى والعباسى.

١- الموطأ «موطأ الإمام مالك»
هو كتاب من تأليف الإمام مالك بن أنس الأصبحى المدنى «٩٣-١٧٩هـ/ ٧١١-٧٩٥م»، مؤسس المذهب المالكى وثانى الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة. يُعد من أقدم وأشهر كتب الحديث والفقه فى الإسلام، وهو من أوائل الكتب المصنفة فى السنة النبوية التى وصلت إلينا مرتبة على أبواب فقهية.
سبب التسمية
سمى «الموطأ» لأن الإمام مالك «وطَّأه» للناس، أى مهَّده وهذَّبه وسهَّله، كما رُوى عنه أنه قال: «عرضت كتابى هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأنى عليه، فسميته الموطأ».
محتواه ومنهجه
يجمع الكتاب بين الأحاديث المرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم «مسندة ومتصلة»، والآثار الموقوفة عن الصحابة، وأقوال التابعين، واجتهادات الإمام مالك وفقهه، مع الاعتماد على عمل أهل المدينة. رتَّبه على أبواب الفقه «العبادات ثم المعاملات وغيرها»، وبدأ بكتاب مواقيت الصلاة وانتهى بذكر أسماء النبى صلى الله عليه وسلم.
يتميز الكتاب بانتقاء الأحاديث والتحرى الشديد، مع وجود مراسيل ومنقطعات وبلاغات «وكان مالك يرى حجية المرسل». مكث فى تأليفه وتنقيحه نحو أربعين سنة، فبدأ بآلاف الروايات ثم اختصرها إلى ما يقارب ١٧٠٠-٣٠٠٠ رواية حسب الروايات المختلفة. وأشهر رواياته رواية يحيى بن يحيى الليثى، وهناك روايات أخرى مثل رواية أبى مصعب الزهرى وابن القاسم.
مكانته عند العلماء
حظى الموطأ بثناء عظيم، فقال الإمام الشافعى: «ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من كتاب مالك بن أنس»، أو «ما على الأرض بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك»- وهذا قبل ظهور صحيح البخارى. وقال البخارى: «أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر»- وهذا الإسناد كثير فى الموطأ. وقال القاضى أبوبكر بن العربى: الموطأ هو الأصل واللباب، وكتاب البخارى هو الأصل الثانى، وعليهما بنى الباقون.
يُعتبر الموطأ من أصول كتب الحديث والفقه المالكى، ويُعد مرجعًا أساسيًا فى المذهب، وله شروح كثيرة أشهرها «التمهيد» و«الاستذكار» لابن عبدالبر، و«المنتقى» للباجى، و«تنوير الحوالك» للسيوطى. وباختصار، الموطأ ليس مجرد مجموعة أحاديث، بل هو مزيج من الحديث والفقه يعكس فقه أهل المدينة، ويُمثل أحد أهم مصادر التشريع فى التراث الإسلامى.

مرت قصة جمع القرآن وتدوينه بمراحل واضحة ومتتالية، محفوظة فى المصادر التاريخية والحديثية الصحيحة.
١- فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم
• نزل القرآن منجَّمًا «متفرقًا» على مدار نحو ٢٣ سنة.
• كان يُكتب فور نزوله على يد كتبة الوحى «أبرزهم زيد بن ثابت، وأبى بن كعب، ومعاذ بن جبل، وغيرهم» على مواد متفرقة مثل الرقاع، والعُسُب «سعف النخل»، واللِّخاف «الحجارة الرقيقة»، والأكتاف، والجلود.
# كان محفوظًا أيضًا فى صدور الصحابة «الحفَّاظ»، وكان جبريل يراجع النبى صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل سنة، وفى السنة الأخيرة مرتين.
#لم يُجمع القرآن فى مصحف واحد مرتب بين دفتين فى حياته، بل بقى مفرقًا مع الحفَّاظ والكتبة.
٢- الجمع الأول تم فى عهد أبى بكر الصديق «حوالى ١٢هـ»
• السبب: استشهاد عدد كبير من الحفَّاظ فى معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، فخاف عمر بن الخطاب أن يضيع شىء من القرآن.
• اقترح عمر على أبى بكر جمعه، فتردد أبوبكر أولًا ثم وافق بعد اقتناع.
• كُلِّف زيد بن ثابت بالمهمة، لأنه كان كاتب الوحى، شابًا عاقلًا أمينًا.
• جمعه زيد من المكتوب فى السطور ومن المحفوظ فى الصدور، مع التثبت الشديد «لا يقبل شيئًا إلا بشاهدين».
• وُضع فى صحف واحدة مرتبة الآيات «والسور على الأرجح»، وحُفظت عند أبى بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة بنت عمر.
وهذا أول جمع للقرآن فى مصحف واحد بين دفتين.
٣- الجمع الثانى والتوحيد تم فى عهد عثمان بن عفان «حوالى ٢٥هـ»
• السبب: اختلاف المسلمين فى الأمصار، خاصة العراق والشام، فى وجوه القراءة بسبب الأحرف السبعة، وبدأ بعضهم يخطّئ بعضًا، فخاف حذيفة بن اليمان من الفتنة.
• طلب عثمان الصحف من حفصة، وشكَّل لجنة من زيد بن ثابت وثلاثة من قريش «عبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام».
• نسخوا عدة مصاحف على حرف قريش «اللسان الذى نزل به معظم القرآن»، مرتبة السور والآيات.
• أُرسلت المصاحف إلى الأمصار الكبرى «المدينة، مكة، الكوفة، البصرة، الشام...»، وأُمر بحرق ما عداها من المصاحف الشخصية لمنع الاختلاف.
• رُدَّت الصحف الأصلية إلى حفصة.
وهذا المصحف العثمانى هو الأساس الذى عليه المصاحف اليوم «الرسم العثمانى». والفرق الجوهرى بين الجمعين: أن جمع أبى بكر كان للحفظ من الضياع «جمع فى صحف»، وجمع عثمان كان للتوحيد على رسم واحد وقراءة موحدة درءًا للفتنة.
متى بدأ التنقيط والتشكيل؟
كانت المصاحف العثمانية الأولى مجردة، بدون نقط ولا تشكيل، تعتمد على السليقة العربية والحفظ الشفهى.
نقط الإعراب «التشكيل الأولى»: بدأ فى أواخر القرن الأول الهجرى على يد أبى الأسود الدؤلى «ت ٦٩هـ»، الذى وضع نقاطًا ملونة، غالبًا حمراء: نقطة فوق الحرف للفتحة، وتحته للكسرة، وأمامه للضمة، وذلك بأمر من زياد بن أبيه، فى سياق حماية القرآن من اللحن بعد اختلاط العرب بالعجم.
اما نقط الإعجام «تمييز الحروف المتشابهة مثل ب/ت/ث، ج/ح/خ...»: فقد طوَّره تلاميذ أبى الأسود، مثل نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر، فى أواخر القرن الأول وأوائل الثانى الهجرى، خاصة فى عهد الحجاج بن يوسف الثقفى والى العراق.
أما الشكل الكامل «الحركات كما نعرفها اليوم: فتحة، ضمة، كسرة، سكون، شدة...»: فقد طوَّره الخليل بن أحمد الفراهيدى «ت ١٧٠هـ تقريبًا» فى القرن الثانى الهجرى، فاستبدل النقاط الملونة بعلامات أكثر دقة ووضوحًا.
استقر الرسم والضبط تدريجيًا حتى وصل إلى الشكل المعهود اليوم بحلول القرون التالية، مع الحفاظ على الرسم العثمانى الأصلى. وهذا التدرج ضمن دقة النقل: فالنص محفوظ بالتواتر الشفهى والكتابى منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم، والتنقيط والتشكيل جاءا لاحقًا لتسهيل القراءة على غير العرب دون تغيير النص.





