الجمعة 11 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

روايات سبقت عصرها

الدولة المستحيلة.. حين تصبح الحكومة أقوى من الأخلاق

حرف

قرأت كتابًا لوائل حلاق* عنوانه: الدولة المستحيلة The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament وهو كتاب لا يناقش، كما قد يوحى عنوانه، استحالة وجود دولة فى مجتمع مسلم، ولا يقول إن المسلمين غير قادرين على بناء دولة حديثة، وإنما يطرح تصورًا أكثر تعقيدًا واستفزازًا للفكر:

أن الجمع بين مفهوم «الدولة الإسلامية» وبين مفهوم «الدولة الحديثة»، بصورته التى تشكلت فى أوروبا، قد يحمل تناقضًا فى داخله.

فالدولة الحديثة، كما يراها «حلاق»، ليست مجرد حكومة وبرلمان ووزارات وشرطة وجيش وقضاء. إنها بناء فلسفى كامل يقوم، قبل كل شىء، على مفهوم السيادة.

الدولة هى صاحبة السلطة العليا داخل حدودها.

هى التى تشرّع.

وهى التى تنفذ.

وهى التى تحتكر الاستخدام المشروع للقوة.

أما النظام الإسلامى التاريخى، فيرى «الكاتب» أنه نشأ على فلسفة مختلفة. لم يكن الحاكم، من حيث المبدأ، هو الذى يصنع القانون، بل كان هو نفسه خاضعًا لقانون أعلى منه هو الشريعة.

هنا تبدأ المشكلة التى يقوم عليها الكتاب.

من يملك القانون؟

ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقى فى «الدولة المستحيلة».

فى الدولة الحديثة، يصدر القانون فى النهاية عن الإنسان ومؤسساته السياسية، ويمكن للبرلمان أن يغيره، وللدستور أن يعدله، وللمجتمع أن يعيد صياغته.

أما فى التصور الإسلامى التقليدى، فإن المصدر النهائى للشرعية ليس إرادة الحاكم، ولا حتى إرادة الأغلبية وحدها، وإنما منظومة أخلاقية إلهية وتشريعية تتجاوز الجميع.

كان الخليفة أو السلطان يحكم، لكنه- نظريًا على الأقل- لا يملك الشريعة.

وكان الفقهاء والقضاة والمؤسسات الاجتماعية والدينية يقفون فى مساحة ليست مملوكة بالكامل للسلطة السياسية.

ومن هنا يقول «الكاتب» إن محاولة إقامة «دولة إسلامية حديثة» قد تنتهى إلى مفارقة عجيبة: نأخذ جهاز الدولة الحديثة، بكل سلطاتها وأدواتها وقدرتها على السيطرة، ثم نضع فوقه لافتة تقول «إسلامية».

لكن الجهاز يظل هو الجهاز.

وهنا يصبح السؤال:

هل أسلمنا الدولة الحديثة، أم أننا جعلنا الدين نفسه جزءًا من أدوات الدولة؟

المشكلة ليست فى الإسلام وحده

هنا بدأ الكتاب بالنسبة لى يصبح أكثر إثارة.

لأننى وجدت أن القضية التى يطرحها «حلاق» تتجاوز الإسلام بكثير.

إنه فى الحقيقة يسأل سؤالًا عن الحداثة نفسها:

ماذا يحدث عندما تصبح الدولة هى المرجعية النهائية للقانون، بينما تتراجع المرجعية الأخلاقية إلى الخلف؟

لقد حققت الدولة الحديثة إنجازات هائلة لا يمكن إنكارها.

أسست مفهوم المواطنة، ونظمت الحقوق، وأقامت المؤسسات، ووسعت التعليم، والصحة والخدمات العامة، وأوجدت آليات لتداول السلطة ومحاسبتها، وحررت الإنسان- فى تجارب كثيرة- من سلطة الملوك المطلقة والامتيازات الموروثة.

لكنها فى الوقت نفسه صنعت جهازًا للسلطة لم تعرف البشرية مثله من قبل.

الدولة الحديثة تعرف من نحن، وأين نعيش، وما نملك، وما ندفعه من ضرائب. تسجل ميلادنا ووفاتنا، وتحدد جنسيتنا، وتضع مناهج تعليم أبنائنا، وتملك أجهزة الأمن والسجون والجيوش، واليوم أصبحت تمتلك أيضًا قواعد البيانات والخوارزميات وأدوات المراقبة الرقمية.

وهنا تذكرت «جورج أورويل» فى كتابه «١٩٨٤» حيث كانت السلطة تراقب الإنسان من الخارج حتى تستطيع السيطرة على داخله.

أما «حلاق» فى كتابه فيسأل سؤالًا آخر:

من يراقب السلطة نفسها عندما تصبح هى مصدر القانون وصاحبة القوة فى الوقت ذاته؟

هنا أختلف قليلًا مع القراءة التى قد توحى بأن الحل ببساطة هو العودة إلى نموذج تاريخى سابق.

فالتاريخ لا يعود إلى الوراء.

ولا أعتقد أن المجتمعات تستطيع استنساخ نظام سياسى وُلد قبل قرون ووضعه كما هو داخل عالم الذكاء الاصطناعى والاقتصاد العالمى والدولة الوطنية وحقوق المواطنة والمساواة بين الرجال والنساء وتعدد العقائد والثقافات.

لكننى أتفق مع «حلاق» فى شىء أعمق:

القانون وحده لا يصنع مجتمعًا أخلاقيًا.

يمكن أن يكون شىء ما قانونيًا لكنه غير عادل.

وقد يكون قرار ما دستوريًا لكنه غير إنسانى.

وقد ترتكب دولة جريمة كبرى وهى تستند إلى نصوص وقوانين ومؤسسات صاغتها بنفسها.

وهنا يظهر الفارق بين سؤالين كثيرًا ما نخلط بينهما:

هل هذا قانونى؟

وهل هذا صواب؟

الحضارة تبدأ عندما لا نعتبر السؤال الأول بديلًا عن الثانى.

الأخلاق أقدم من الدولة.. وأقدم من الأديان، وهنا أذهب خطوة أبعد من الكتاب.

فالإنسان لم ينتظر ظهور الدولة الحديثة لكى يعرف العدل والظلم، ولم ينتظر الأنبياء لكى يكتشف كل معانى الخير والشر.

لقد عرفت المجتمعات البشرية قبل الأديان السماوية أشكالًا من التعاون، والوفاء، وتحريم القتل داخل الجماعة، ورعاية الأطفال، واحترام العهود، ومعاقبة الخيانة.

ثم جاءت الأديان الكبرى لترتقى بهذه الخبرة الإنسانية، وتمنحها معنى متجاوزًا للفرد والمصلحة واللحظة التاريخية.

وهذا بالنسبة لى مهم جدًا، لأن الأخلاق لا ينبغى أن تكون حكرًا على المؤمن، كما لا ينبغى أن يصبح الدين مجرد مادة قانونية تحتكر الدولة تفسيرها.

فقد يصل المؤمن وغير المؤمن إلى قيمة العدالة من طريقين مختلفين، لكن العدالة تظل عدالة.

وربما تكون الحضارة فى أفضل صورها هى المساحة التى يلتقى فيها الوحى والعقل والتجربة الإنسانية على حماية كرامة الإنسان.

الدولة حين تصبح إلهًا، ربما كان أخطر ما خرجت به من قراءة الكتاب ليس استحالة «الدولة الإسلامية»، وإنما خطر الدولة المطلقة.

فعندما تصبح الدولة هى التى تحدد القانون والأخلاق والحقيقة والذاكرة والتعليم والإعلام، فإنها تقترب من مكان لم يكن ينبغى لأى سلطة بشرية أن تحتله.

وهنا يلتقى «حلاق»، بطريقة غير مباشرة، «مع أورويل». «الأخ الأكبر» فى كتاب ١٩٨٤ لم يكن مجرد ديكتاتور. كان يريد أن يصبح المرجع الذى يحدد للإنسان ما حدث بالأمس، وما هو صحيح اليوم، بل وما يجوز له أن يفكر فيه غدًا.

الدولة التى لا توجد فوق سلطتها قيمة أخلاقية تصبح قادرة على أن تجعل القانون خادمًا للقوة بدلًا من أن تجعل القوة خادمة للقانون.

لكننى فى المقابل لا أريد دولة دينية يحتكر فيها بعض البشر الحديث باسم الله، لأن المشكلة نفسها ستعود فى صورة أخرى.

إذا كان خطر الدولة الحديثة أن تقول:

أنا مصدر الشرعية، فإن خطر الدولة الدينية يبدأ عندما يقول بشر:

نحن وحدنا «المجموعة الحاكمة» نعرف إرادة الله.

وفى الحالتين يصبح الإنسان معرضًا للاستبداد.

إذن.. ما الدولة الممكنة؟

بعد أن انتهيت من الكتاب، وجدتنى لا أبحث عن «الدولة الإسلامية» ولا عن «الدولة العلمانية» بقدر ما أبحث عن شىء آخر:

الدولة الأخلاقية.

دولة مدنية حديثة، مؤسساتها من صنع البشر، ولذلك يمكن مراجعتها وتغييرها ومحاسبتها.

دولة لا تحتكر الحقيقة، ولا تحتكر الدين.

ولا تسمح لرجل الدين بأن يصبح حاكمًا باسم السماء، ولا تسمح للحاكم بأن يصبح إلهًا باسم الدولة.

دولة يكون فيها القانون فوق الحاكم، والدستور فوق الحكومة، والكرامة الإنسانية فوق الأغلبية السياسية المؤقتة، وتكون الأخلاق فيها أوسع من القانون.

فالقانون يقول لى ما لا يجوز أن أفعله.

أما الأخلاق فتسألنى:

أى إنسان أريد أن أكون؟

وهذه مساحة لا تستطيع أى دولة أن تملأها بالكامل. ما خرجت به من الكتاب ربما لا أتفق مع وائل حلاق فى كل استنتاجاته، لكن الكتب المهمة ليست الكتب التى تجعلنا نوافق مؤلفيها.

الكتب المهمة هى التى تجعل السؤال يظل معنا بعد أن نغلق الصفحة الأخيرة.

وقد تركنى «الدولة المستحيلة» أمام سؤال أكبر من عنوانه:

هل المشكلة حقًا فى استحالة الدولة الإسلامية الحديثة، أم فى أننا بنينا دولة حديثة شديدة القوة، ثم نسينا أن نسأل: من أين تستمد هذه القوة حدودها الأخلاقية؟

الدولة ضرورة.

والقانون ضرورة.

والمؤسسات ضرورة.

لكن الحضارة لا تقوم على الضرورات وحدها.

هناك شىء يجب أن يبقى دائمًا أعلى من القوة، وأعمق من القانون، وأبعد من السياسة:

كرامة الإنسان.

ولعل الدولة الممكنة التى أبحث عنها ليست دولة دينية، ولا دولة معادية للدين، وليست دولة ضعيفة أمام المجتمع، ولا دولة تبتلعه.

إنها الدولة التى تعرف حدودها.

فأخطر لحظة فى حياة أى دولة ليست عندما تضعف فقط، بل عندما تقتنع بأنها تملك الحق فى كل شىء.

وعندها قد تصبح الدولة «مستحيلة» لا لأنها لا تستطيع أن توجد..

بل لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حرًا داخلها.

وائل حلاق 

وائل حلاق
وائل حلاق

- مفكر وباحث أكاديمى فلسطينى الأصل، كندى الجنسية، وُلد فى حيفا عام 1955.

- حصل على الدكتوراه من جامعة واشنطن، والتحق بعدها بمعهد الدراسات الإسلامية فى جامعة مكغيل حيث عمل أستاذًا مساعدًا للقانون الإسلامى عام 1985.

- يعمل حاليًا أستاذًا للعلوم الاجتماعية فى جامعة كولومبيا، قسم دراسات الشرق الأوسط.