الأربعاء 09 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

لماذا كتابة الرواية الثانية صعبة؟

حرف

تشتهر الروايات الثانية بصعوبتها البالغة. أو هكذا ظل يخبرنى كل من حولى تقريبًا، حين شرعت فى خوض تجربة كتابة روايتى الثانية. كانوا يتحدثون عن ضغط تقديم عمل يليق بالرواية الأولى، وعن الاختلاف الإبداعى بين أن تكتب لنفسك وأن تكتب لمحرر، وعن حقيقة أنك أصبحت تعرف الآن كم ما يعاد كتابته فى كل جولة من جولات التحرير، لكننى أعترف أننى كنت أنصت إليهم بنصف أذن فقط،حيث كانت استراتيجيتى أن أقفز إلى التجربة قبل أن أتأملها عن قرب أكثر مما ينبغى؛ لعلِّى أنجحُ فى القفز فوق أسوأ ما فيها؟

«أمران ينبغى للكُتَّاب معرفتهما عن مستقبل الرواية».

أيها القارئ اللطيف- الذى يُرجَّح أنه كاتبٌ مثلى- لم أنجح فى ذلك، لقد سقطت مباشرةً فى وادٍ صخرىّ، وهناك صادفتُ عفريتًا أخذ يطرحُ علىّ ألغازًا مستحيلةً عن كتابى نفسه طوال المدة التى استغرقتها كتابته.

كان الجميع على حقٍّ، إذ كانت كتابة روايتى الثانية «كل الإشارات» أصعب تجربة إبداعية مررت بها فى حياتى. والآن بعد أن صرت واحدة من أولئك الجالسين على الضفة الأخرى السعيدة، أودُّ أن أتأمل بدقة ما الذى يجعل هذه التجربة مروِّعة إلى هذا الحد، والأهم من ذلك ما الأدوات التى ساعدتنى على اجتيازها والخروج منها بقطعة واحدة تقريبًا، ربما أكون قد ألحقتُ بعض الضرر بعمودى الفِقَرى بسبب عشرة أشهر من الانحناء فوق الحاسوب، لكن لا تقلقوا، فهناك نصيحة تخصُّ هذا الأمر أيضًا.

كتبتُ روايتى الأولى «الإرث» بوصفها مشروعًا نابعًا من الشغف، وقد اكتملت مسودتها الأولى بسرعةٍ خلال الشهور الأولى من الجائحة، حين كان الهروب مع بطلتى كثيرة الترحال متعة خالصة، نعم.. كان حلمى أن أنشر الكتاب بعد الانتهاء منه، لكن ذلك الحلم كان يبدو بعيدًا للغاية، وبالتأكيد لم أكن أتخيل قرَّاء يذهبون إلى موقع «جودريدز»  ليبدوا آراءهم، أو مسئولين عن الدعاية يحاولون شرح ما يمكن أن يتوقعه الناس منى بوصفى كاتبةً جديدةً على الساحة.

لكن كل ذلك صار حاضرًا بقوَّةٍ فى ذهنى، وأنا أحاول أن ألبِّى كل الآمال وأتجاوز كل التوقعات فى الجولة الثانية. كان الأمر أشبه بالكتابة وفى رأسى جمهورٌ صاخبٌ من القرَّاء والمُسوِّقين ومسئولى الدعاية ومديرى مبيعات الكتب؛ وهذا لم يترك مساحةً كبيرةً لذلك الذهن المنفتح تمامًا، الذى تحتاجُ إليه كى تبنى روايةً من لا شىء.

لازمتنى هذه المشكلة من البداية إلى النهاية، لكننى اكتشفت شيئًا واحدًا ساعدنى على إسكات تلك الجلبة حيثُ بدأتُ أفصل بين مساحات عملى.

أما كل ما يتعلق بترتيبات النشر والترويج، من إيميلات الغلاف إلى التخطيط للفعاليات، كنت أتعامل معه فى مكتبى المنزلى على طاولتى. أما الكتابة والتعديل فكنت أمارسهما فى أماكن مريحة وهادئة أشعر فيها بالأمان، كرسيى المُفضَّل، ومساحة عمل مشتركة، وسريرى. نعم أنا أكتب فى السرير وبفخرٍ، وبطريقةٍ ما، خلق هذا الفصل إحساسًا بأننى غادرت تلك الغرفة المجازية المكتظة بالآراء، حتى أتمكن من سماع أفكارى وحدى.

تحدِّى الكتابة ضمن جدول زمنى أضيق بكثير،

فليس الأمر كذلك بالنسبة إلى كل من يكتبون روايتهم الثانية، لكن فريقى وأنا قررنا أن نُصدر روايتى الثانية بعد عامٍ واحدٍ من الأولى، إن كنتَ كاتبًا فلا بد أنك قد ارتجفت الآن، فبحسب حسابات جدول النشر الخاص بى تحديدًا، كان لدىّ نحو ثلاثة عشر شهرًا فقط من لحظة الموافقة على فكرتى حتى المسودة النهائية، كثير من الكُتَّاب يجدون طريقةً للنشر سنويًّا- وأنحنى احترامًا لكُنَّ يا ملكات الكوميديا الرومانسية والرومانس- لكننى لم أكن قد كتبتُ قبل ذلك سوى روايةٍ واحدة بهذا الأسلوب، وقد استغرقتُ ثلاث سنوات ونصف السنة لإنجازها.

صار السؤال ما كل خطوات العملية، وكيف يمكننى ضغطها من دون التضحية بالجودة؟ بدأتُ بالإجابة الخاطئة أن أعمل ساعات أطول كل يومٍ، وبالأسلوب نفسه الذى اتبعته فى تجربتى السابقة، وبعد ستة أشهر من هذه الخطة الهجومية، وجدتُنى فى جلسات علاج طبيعى بسبب آلام فى الظهر، ولهذا ابحثوا فى «جوجل» عن تمارين الوضعية الصحيحة، وافعلوها كل ساعةٍ بالضبط، وهذه كانت نصيحة محترف.

أعترف أننى عثرت على الطريقة الصحيحة مصادفةً. فقد اضطرَّتنى مشكلات ظهرى إلى الابتعاد عن الحاسوب عدة أيامٍ، حضرتُ خلالها دروس يوجا هادئة، وخرجتُ فى نزهاتٍ أبطأ إيقاعًا. هدَّأ ذلك الوقت جهازى العصبى المتوتر، وساعدنى على استعادة قدر أفضل من التركيز، وعدتُ إلى الصفحة منتعشة، ومعى حلول لثغرات فى الحبكة كانت تلاحقنى منذ البداية، إذْ قضيتُ الأشهر الستة الأخيرة من المشروع أمزج بين ساعات العمل الطويلة، وأوقات محددة أبتعدُ فيها تمامًا عن المخطوط. ومع ذلك، ظللتُ أؤدى تمارين تمديد الظهر كل ساعة، فى موعدها، من دون استثناءٍ.

الحقيقة المُحيِّرة أن لا كتابين يتشابهان.

قد يقول المنطق إن بوسعك أن تقترب من روايتك الثانية بالاستراتيجية نفسها التى كتبتَ بها الأولى، فتحصل على تجربةٍ مشابهة. لكن المنطق لا ينطبق على كتابة الروايات، لقد ساعدنى مخططٌ تفصيلى محكمٌ على النجاح فى روايتى الأولى، أما خريطة الطريق نفسها، وبالأسلوب ذاته، فقد خذلتنى مرتين فى روايتى الثانية.

وبطريقةٍ يصعب تفسيرها، كانت هذه الرواية تريد أن تُكتب خارج الترتيب تمامًا، كان خطئى أننى أصررتُ على أننى على صواب، وأنها هى المخطئة. جعلنى انعدام الثقة أتشبث أكثر مما ينبغى بتقنيات الكتابة التى نجحت معى فى الماضى، كان حدسى يخبرنى أن أكتب من دون الالتزام بالترتيب، بل إن مشاهد لاحقة فى الرواية كانت تظهر لى حرفيًّا فى الأحلام، لكننى أنكرت ذلك لشهورٍ.

الشىء الوحيد الذى ساعدنى أخيرًا كان هذه العبارة التى ظللت أردِّدُها لنفسى:

«ثِق بحدسك، لا بطريقتك القديمة»

وجدتُ عزاءً زائفًا فى فكرة أننى أعرف كيف أكتب رواية، لأننى كتبتُ رواية من قبل، مرة واحدة فقط… لكن الانفراجة الحقيقية جاءت حين أدركتُ أننى أعرف كيف أكتب رواية، لأن حدسى كصانعة حكايات وراوية قصص كان هو من يرشدنى إلى الطريق.

لا أعرف إن كان من الممكن أصلًا تجنُّب ألم الرواية الثانية، فهى طقس عبور أشعر بامتنانٍ كبيرٍ لأنَّنى خضته وتحمَّلته. وفى ذلك الألم مكاسب كبيرة. فأنا الآن مسلَّحةٌ ومستعدةٌ لمواجهة الكتاب الثالث، الذى جاء حتى الآن من دون ذلك التحذير المخيف.