الثلاثاء 25 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

قصة قصيرة

فتاة تسكن الغياب

حرف

لم يكن يبحث عن حب جديد.

كان يظن أن الحب، بالنسبة إلى رجل فى مثل عمره، أصبح شيئًا مستقرًا يشبه البيت الذى يعود إليه كل مساء؛ زوجة يعرف تفاصيلها، وأبناء تمتلئ بهم أيامه، وحياة بناها بصبر حتى استقرت ملامحها.

كان يحب زوجته.

وكان يعرف ذلك جيدًا.

لكن القلب، أحيانًا، لا يستأذن العقل حين يفتح نافذة لا ينبغى أن تُفتح.

كانت تعمل تحت رئاسته فى العمل. فتاة لم تتزوج، هادئة فى حضورها، فائقة الجمال دون أن تتعمد لفت الأنظار ووجهها وجه القمر. لم يكن جمالها هو ما أربكه وحده؛ كان فى شخصيتها شىء آخر لم يستطع أن يسميه، شىء جعله ينتبه إلى وجودها أكثر مما ينبغى.

فى البداية، أقنع نفسه أن الأمر مجرد إعجاب عابر.

ثم صار ينتظر حضورها إلى المكتب.

ثم أصبح يلاحظ غيابها.

ثم وجد نفسه يتذكر جملة قالتها فى اجتماع، أو ابتسامة مرت سريعًا على وجهها، بعد أن ينتهى يوم العمل وتغلق أبواب المكتب.

وكان يخاف من نفسه أكثر مما يخاف منها.

لم يقل لها إنه يحبها.

لم يفعل شيئًا يمكن أن يضعه أمام اتهام واضح.

كان كل ما صدر عنه بعض التلميحات التى ربما فهمتها، وربما لم تفهمها. نظرة تطول لحظة أكثر مما ينبغى، اهتمام زائد يحاول أن يخفيه داخل لغة العمل، وكلمات يتراجع عنها قبل أن تكتمل.

كان يعرف أن بينهما حدودًا كثيرة.

هو رجل متزوج، وهى موظفة تعمل تحت رئاسته.

وكان يعرف أيضًا أن أى خطوة إلى الأمام لن تكون مجرد قصة عاطفية بين رجل وامرأة؛ بل قد تكون ظلمًا لها، وخيانة للثقة التى منحته إياها زوجته، وتهديدًا لحياة مستقرة لم تكن تستحق أن تهتز.

لذلك اختار الصمت.

وحين غادر العمل، ظن أن المسافة ستفعل ما عجز عنه هو.

مرت الأيام.

لم يرها.

لم يسمع صوتها.

لم يعد هناك اجتماع يجمعهما، ولا ممر يلتقيان فيه صدفة، ولا سبب مهنيًا يجعله يبحث عن اسمها فى هاتفه.

ومع ذلك، حدث شىء لم يتوقعه.

بدلًا من أن تخفت مشاعره، أصبحت أكثر حضورًا.

كانت تأتيه فى لحظات لا علاقة لها بها؛ وهو يقود سيارته، أو يجلس مع أسرته، أو يستعد للنوم.

كان يعيش حياته كما عاشها دائمًا: يجلس إلى جوار زوجته، يسأل أبناءه عن يومهم، يخطط معهم للغد، ويضحك على تفاصيل صغيرة.

ثم، فى مكان سرى داخل نفسه، كانت هى حاضرة.

وهنا أدرك الحقيقة التى أخافته:

لم يكن يريد أن يترك زوجته.

ولم يكن يتمنى أن يخسر أسرته.

ولم يكن يعرف حتى إن كانت تلك الفتاة تحمل له الشعور نفسه.

كان فقط عاجزًا عن إطفاء شىء اشتعل فى داخله دون إذن.

وفى إحدى الليالى، جلس وحده بعد أن نام الجميع.

فتح هاتفه، وظهر اسمها أمامه.

ظل ينظر إليه طويلًا.

كان يستطيع أن يكتب كلمة واحدة.

«كيف حالك؟»

لكنه أغلق الهاتف.

ابتسم بحزن، ثم قال لنفسه:

«ليست كل المشاعر التى نشعر بها تستحق أن تتحول إلى أفعال».

أطفأ الضوء.

وعاد إلى غرفته.

إلى زوجته.

إلى حياته.

لكنه، للمرة الأولى، فهم أن الوفاء ليس ألا يحب الإنسان غير زوجته أبدًا؛ فالقلوب لا تخضع دائمًا لأوامر أصحابها.

الوفاء الحقيقى أن يعرف الإنسان متى يتوقف.

وأن يحمل بعض مشاعره فى صمت، لا لأنها قليلة، بل لأنها أكبر من أن يسمح لها بأن تؤذى من يحب.