الأحد 23 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

لا سحر ولا عبودية.. وثائق جديدة تكشف: كيف بنى المصريون أعظم حضارة بأيديهم؟

حرف

- كتاب جديد يحكى قصة صُناع كنوز الفراعنة وكيف أتقن المصريون الحجر والذهب والزجاج قبل آلاف السنين

- «سر المهنة» ينتقل من الأب إلى الابن.. نقوش ووثائق تكشف كيف تعلم صنّاع مصر القديمة حرفهم وورّثوها لأبنائهم 

- لا ظواهر خارقة ولا «تكنولوجيا مفقودة».. دراسة أدوات الصنّاع تؤكد ترويض المصريين الجرانيت والكوارتزيت 

- بصمة صانع بقيت على الطين آلاف السنين.. اكتشاف استثنائى يعيد وجه العامل المجهول إلى قصة مصر القديمة

- أوراق من الحياة اليومية لعمال مصر القديمة: العامل «بانبو» يغيب بعد تعرضه لـ«عضة».. ورئيس العمال «رامرى» لم يحضر بسبب المرض

- ضغط العمل فى ورش الفراعنة: طلب عاجل لصناعة 4 نوافذ والتسليم فى اليوم التالى مباشرة

نعرف خوفو، لكننا لا نعرف أسماء الرجال الذين قطعوا أحجار تماثيل عصره. نعرف توت عنخ آمون، لكن أسماء الصاغة الذين صنعوا حُليه تكاد تكون مجهولة. ونقف أمام التوابيت الملونة والتماثيل والأوانى الزجاجية التى تركتها مصر القديمة، فننسبها إلى ملك أو عصر أو صاحب مقبرة، بينما يظل الإنسان الذى أمضى أيامًا وربما شهورًا من عمره فى صنعها خارج الصورة.

من هذه المفارقة يبدأ كتاب Made in Ancient Egypt: The Stories behind the Artifacts، أو «صُنع فى مصر القديمة: الحكايات وراء القطع الأثرية»، الذى حررته عالمة المصريات هيلين سترودويك بمشاركة توماس كلارك وعدد من الباحثين والمتخصصين فى المواد والتقنيات القديمة. 

يقلب الكتاب العدسة إلى الجانب الآخر من الأثر، وبدلًا من تقديم تاريخ جديد للملوك أو المعابد والمقابر، يبحث عن الشخص الذى صنعه والطريقة التى صنعه بها، ليكون أبطاله النحاتين والصاغة والنجارين وصنّاع الفخار والزجاج والفيانس والكتان والبردى والتوابيت وغيرهم ممن حوّلوا المواد الخام إلى الأشياء التى أصبحت بعد آلاف السنين أشهر روائع الحضارة المصرية.

ويدرس الكتاب قرابة 100 قطعة أثرية، مستعينًا بأحدث الأبحاث العلمية فى المواد وتقنيات الصناعة، ليجيب عن سؤالين: مَن صنع هذه الأشياء؟ وكيف صنعها؟، متتبعًا الرحلة التى قطعتها المادة قبل أن تصبح تمثالًا أو قلادة أو تابوتًا أو صفحة من كتاب للموتى.

 «تقفيل مصرى»

أمام عظمة الحضارة المصرية يلجأ البعض، خصوصًا من يكرهون هذه الحضارة أو يغارون منها، لإحالة «معجزات المصرى القديم» إلى «ألغاز خارقة» أو «قوى سحرية» أو حتى الحديث عن «سُخرة» من أجل تنفيذ هذه الأعمال المدهشة، لكن كتاب «صُنع فى مصر القديمة» يقدم، بصورة غير مباشرة، ردًا مهمًا على الأفكار التى تحول الإنجاز المصرى إلى لغز خارق، ويؤكد أنه لا حاجة إلى «تكنولوجيا مفقودة» لتفسير براعة المصريين.

فكلما بدت القطعة شديدة الدقة، يظهر أحيانًا من يفترض أن الأدوات المعروفة لا يمكن أن تكون كافية، أو أن المصريين امتلكوا تكنولوجيا متقدمة اختفت لاحقًا.

أما الكتاب فيسير فى الاتجاه المعاكس، إذ يبحث عن آثار الأدوات، ويحلل المواد، ويدرس القطع غير المكتملة، ويقرأ الوثائق، ويقارن الصور القديمة، ويستعين بالخبرة العملية للحرفيين، ليقول: إن المصرى القديم لم يحتج إلى «سر» مجهول بقدر ما احتاج إلى معرفة بالمادة، وتدريب طويل، وتخصص وتنظيم للعمل وخبرة تراكمت عبر الزمن. 

باختصار يبحث: من نحت وجه الملك فى الحجر؟، ومن عرف كيف يحول الذهب إلى قلادة بالغة الدقة؟، ومن رسم التوابيت، وصنع الزجاج، وجهز البرديات، ونسج الكتان؟، وكيف تعلم هؤلاء مهاراتهم قبل آلاف السنين، وبأى أدوات استطاعوا إنتاج قطع ما زالت تثير الإعجاب حتى اليوم؟.

والنتيجة عالم كامل: نحاتون ونجارون وصاغة ورسامون وصنّاع للزجاج والفيانس والبردى والكتان، بعضهم بقى مجهولًا، لكن أسماء آخرين نجت بالفعل، بل إن بعضهم ترك ما يخبرنا عن مهنته ومهاراته.

إرتيسن.. فنان ترك C.V قبل 4 آلاف عام

يبدأ الكتاب بالرواية المعتادة أن «الفنان المصرى القديم مجهول»، ويعترف بأنها «صحيحة إلى حد كبير»، لأن معظم القطع لم تحمل توقيع صانعها، لكنه يؤكد أن ذلك لا يعنى أننا لا نعرف أيًا منهم.

أحد أبرز الأمثلة، أو أحد أهم أبطال الكتاب هو «إرتيسن»، الذى عاش فى عصر منتوحتب الثانى، فى بدايات الدولة الوسطى، نحو 2045- 1994 ق.م، وكان نحاتًا ومشرفًا على الصناع.

وما يجعل «إرتيسن» شخصية استثنائية أنه ترك على لوحته الجنائزية، المحفوظة حاليًا فى متحف اللوفر، نصًا يتحدث فيه عن قدراته ومعارفه، فلم يكتفِ بذكر اسمه ووظيفته، وإنما تحدث عن معرفته بالنحت والكتابة والصور والألوان، مقدمًا ما نصفه فى لغة عصرنا بـ«السيرة المهنية»، فيكتب: «أنا صانع ماهر، متقن لحرفته. أعرف أسرار الكتابة الهيروغليفية، وأعرف كيف أصور هيئة الرجل وهيئة المرأة، وأوضاع الطيور، وحركة من يركض، وحركة ذراع من يصيد فرس النهر، وكيف أصور الخوف على وجه الأسير».

وهناك جزء أكثر إثارة؛ فـ«إرتيسن» يقول إنه يمتلك معرفة بصناعة مواد وأصباغ خاصة بحيث لا تحرقها النار ولا يزيلها الماء، ثم يضيف أن هذه المعرفة لن يكشفها لأحد سوى ابنه الأكبر الذى رأى فيه الكفاءة اللازمة لتعلمها.

وهنا تبدأ الصورة المعتادة للفنان المصرى المجهول فى التغير، إذ لم يكن كل الصنّاع أشخاصًا بلا أسماء؛ بل إن بعضهم استطاع أن يقول لنا بعد أربعة آلاف عام: «أنا كنت هنا، وهذه كانت مهنتى».

رخ آمون.. صانع الفيانس لـ«آمون»

بعد قرون يظهر اسم آخر هو «رخ آمون»، الذى عاش فى عصر الرعامسة، نحو 1295- 1186 ق. م، وترك لوحة تذكارية عرّف فيها نفسه باعتباره صانعًا للفيانس.

و«الفيانس» مادة صناعية لامعة، اشتهر المصريون القدماء بصناعتها، وتتكون أساسًا من السيليكا وتغطيها طبقة زجاجية، وغالبًا ما ظهرت بالأزرق والأخضر، واستخدمت فى الحلى والتمائم والأوانى والتماثيل الصغيرة.

وفى النقش الموجود على اللوحة الجنائزية لـ«رخ آمون»، المحفوظة فى المتاحف الوطنية فى اسكتلندا، نقرأ: «رخ آمون صانع الفيانس لآمون».

والمفارقة أن اللوحة نفسها صُنعت من «الفيانس»، المادة التى تخصص فيها، حتى إن القائمين على كتاب «صُنع فى مصر القديمة» يطرحون احتمال أن يكون الرجل قد صنع لوحته بيديه.

أمنمحات.. نجار حوّل قبره إلى «كتالوج» لأعماله

كان «أمنمحات» نجارًا عاش قبل نحو 4 آلاف عام، وفى لوحته الجنائزية، المحفوظة فى متحف اللوفر، والمؤرخة بنحو 1976 ق. م، لم يكتفِ بذكر اسمه، بل ظهرت عليها نماذج من أعماله الخشبية وأدوات مهنته.

فوق النص الجنائزى تظهر نافذتان صنعهما «أمنمحات»، وفى الجزء السفلى من اللوحة تظهر مجموعة أخرى من أعماله: باب وإطار للباب، وأعمدة، وحوامل خشبية للأوانى، وصندوق على هيئة مقصورة، وإلى جوارها أداتان من أدوات مهنته هما الفأس والمنشار.

ويقول الكتاب إن هذه العناصر لا تتيح لنا، بعد آلاف السنين، أن نعرف فقط أنه كان نجارًا، وإنما نستطيع أيضًا أن نرى الأشياء التى كان يفخر بقدرته على صناعتها.

وهذه التفاصيل مهمة لفكرة الكتاب كلها؛ لأنها تجعل «الحرفى المصرى» شخصًا حقيقيًا، له تخصص ومهارة وهوية مهنية، وليس مجرد عامل مجهول يظهر فى خلفية منظر على جدار مقبرة.

مِس.. رئيس صاغة الذهب الذى ورث المهنة عن أبيه

يذكر كتاب «صنع فى مصر القديمة» أن المهارات التى صنعت كنوز مصر القديمة لم تكن تبدأ من جديد مع كل جيل، بل كان بعضها ينتقل داخل الأسرة من الأب إلى الابن، ويقدم «مِس» واحدًا من أوضح الأمثلة على ذلك؛ فقد عاش فى عصر الأسرة التاسعة عشرة، نحو 1220 قبل الميلاد، وحمل لقب «المشرف على صاغة الذهب فى مكان الحق»، وهو تعبير ارتبط بمجتمع الحرفيين العاملين فى تجهيز المقابر الملكية بوادى الملوك. 

وتكشف لوحة مِس الجنائزية، المحفوظة فى المتحف الشرقى بجامعة دورهام، عن أن منصبه لم يبدأ معه؛ فوالده «إياى» حمل اللقب نفسه، «المشرف على صاغة الذهب»، وهو ما يقدم دليلًا واضحًا على انتقال التخصص المهنى داخل الأسرة. 

وتُظهر اللوحة «مِس» فى الجزء العلوى واقفًا أمام أوزير وإيزيس، بينما يظهر فى الجزء الأوسط وهو يقدم القرابين إلى والده «إياى» ووالدته «موت إم ويا»، ويحيط بهم عدد كبير من أفراد العائلة. 

وفى الجزء السفلى يظهر «مِس» وزوجته يتلقيان القرابين من ابنهما، إلى جانب أقارب آخرين. 

ومن هنا فإن اللوحة لا تقدم لنا اسم صائغ واحد فقط، وإنما 3 أجيال من أسرة واحدة، وفى قلبها أب وابن حملا المنصب المهنى نفسه، وهو ما يساعد على الإجابة عن سؤال: كيف انتقلت المعرفة الفنية فى مجتمع لم تكن فيه مدارس مهنية بالشكل الذى نعرفه اليوم؟، فهى تقدم لمحة عن إحدى الطرق التى كان يمكن أن تستمر بها هذه المعرفة: يتعلم جيل من جيل، حتى يصل الابن إلى الموقع المهنى نفسه الذى شغله أبوه من قبله.

باراعم حب.. رئيس عمال الذهب الذى نقل المهنة إلى جيل جديد

عاش باراعم حب خلال الأسرة التاسعة عشرة، وحمل لقب «رئيس عمال الذهب فى بيت الذهب»، وهو اللقب الذى انتقل لاحقًا إلى ابنه «بانحسى»، وفق النقوش المسجلة على لوحة الأخير المحفوظة فى متحف فيتزويليام بجامعة كامبريدج.

وتظهر صورة باراعم حب على لوحة جنائزية محفوظة فى المتحف البريطانى، إلى جانب أفراد من أسرته ارتبط عدد منهم بالعمل فى الذهب.

ويستخدم كتاب «صُنع فى مصر القديمة» هذه الأسرة نموذجًا لظاهرة أوسع، موضحًا أن أفراد العائلة الواحدة كانوا كثيرًا ما يعملون فى الحرفة نفسها، بما يسمح بانتقال المهارات والمعرفة من جيل إلى آخر، لذا أطلق عليها «العائلة الذهبية».

بانحسى.. الوريث

عاش فى عصر الأسرة التاسعة عشرة وحمل، مثل والده، لقب «رئيس عمال الذهب فى بيت الذهب»، وتحتفظ مجموعة متحف فيتزويليام بلوحة مستطيلة من الحجر الجيرى أقامها «بانحسى»، مؤرخة بالسنة الرابعة من حكم الملك مرنبتاح، نحو 1210 ق. م، وتظهر عليها صورة الإله بتاح جالسًا أمام مائدة للقرابين، بينما يسجل النقش اسم بانحسى ولقبه، ويذكر والده باراعم حب ووالدته «تامى».

ديديا.. المشرف على الرسامين 

لم تبدأ صناعة المناظر التى تملأ جدران المعابد والمقابر مباشرة بإزميل النحات؛ فقبل أن تُحفر الصورة فى الحجر، كان هناك من يحدد شكلها وخطوطها ونسبها على الجدار.

ومن بين هؤلاء يبرز «ديديا»، الذى عاش فى بدايات الأسرة التاسعة عشرة، فى عهد الملك سيتى الأول، ووصل إلى منصب «المشرف على رسامى الخطوط لآمون» فى معبد آمون بالكرنك وغرب طيبة. 

ويحفظ متحف اللوفر حتى اليوم لوحة الكتابة الخشبية الخاصة به وأربعة أقلام، ويرجعها إلى عهد سيتى الأول، نحو 1294- 1279 ق. م. 

وكان عمل هؤلاء الرسامين أو المصممين يمثل مرحلة أساسية فى صناعة المنظر المصرى؛ فهم الذين يضعون الخطوط الأولية للتصميم التى يعمل النحاتون على أساسها بعد ذلك، ولذلك فإن «ديديا» لم يكن مجرد رسام ينفذ صورة، بل وصل إلى موقع إشرافى يتولى فيه مسئولية مجموعة من العاملين فى هذا التخصص.

والمفاجأة الأهم فى قصة ديديا ليست منصبه، وإنما أسرته؛ فعلى ظهر لوحته التذكارية المحفوظة فى اللوفر سُجلت أسماء ستة أجيال من أسلافه الذكور، وكانوا هم أيضًا يعملون فى مهنة رسم الخطوط والتصميم، إلى جانب أسماء زوجاتهم. 

وتكشف اللوحة كذلك تفصيلة اجتماعية لافتة؛ فعدد من أسماء أفراد هذه الأسرة ليس من أصل مصرى، ومع ذلك احتفظ أصحابها بأسمائهم بينما عملوا باعتبارهم حرفيين مهرة داخل المجتمع المصرى، ويرى الكتاب فى ذلك دليلًا على أنهم لم يكونوا مضطرين إلى تغيير أسمائهم حتى يُقبلوا كعمال مهرة.

الفنان المصرى كان يتعلم كيف يرسم

من القطع اللافتة التى يتناولها الكتاب لوح من الحجر الجيرى استُخدم دليلًا لتعليم رسم الحيوانات، وتظهر عليه خطوط تساعد المتعلم على ضبط النسب والشكل، وهو أشبه، مع فارق آلاف السنين، بصفحة تدريب لطالب يتعلم الرسم.

وهذا يساعد فى تفسير ظاهرة يعرفها أى شخص شاهد الآثار المصرية: لماذا تبدو طريقة رسم الأشخاص والحيوانات متشابهة إلى حد كبير فى أعمال صنعت فى أماكن وأزمنة مختلفة؟

والإجابة: لأن الفنان لم يبدأ فى كل مرة من الصفر. كان هناك نظام فنى يتعلمه، وقواعد للنسب والتصوير يتدرب عليها، ثم يستخدم مهارته لتنفيذ العمل.

أى أن الفنان لم يكن يولد وهو يعرف كيف يرسم الجسد المصرى أو الحيوان بالطريقة التى نراها على جدران المقابر، وإنما كان يتعلم نظامًا بصريًا يستطيع من خلاله إعادة إنتاج الشكل وفق القواعد المتعارف عليها.

كيف روّض المصريون أقسى الأحجار؟

يخصص الكتاب فصلًا كاملًا لعمال الحجر، وهو أحد أكثر المجالات التى أحاطت بها مبالغات حديثة حول قدرات المصريين التقنية؛ فحين ينظر الزائر إلى سطح تمثال جرانيتى مصقول، أو إلى التفاصيل الدقيقة المحفورة فى حجر شديد الصلابة، يبدو السؤال منطقيًا: كيف استطاع صانع عاش قبل آلاف السنين أن يحقق هذه الدقة بأدوات تبدو، مقارنة بأدواتنا الحديثة، شديدة البساطة؟

لا يتعامل الكتاب مع السؤال باعتباره لغزًا يحتاج إلى تفسيرات غامضة، وإنما يبدأ من الحجر نفسه. فالمصرى القديم لم يكن يتعامل مع جميع الأحجار بالطريقة ذاتها؛ الحجر الجيرى اللين نسبيًا ليس كالجرانيت، والكوارتزيت يفرض تحديات تختلف عن الحجر الرملى، ولذلك كانت معرفة الصانع بخصائص المادة جزءًا أساسيًا من حرفته، تحدد اختيار الحجر وطريقة استخراجه والأدوات المستخدمة فى تشكيله ونحته وتشطيبه.

ولم تبدأ صناعة التمثال لحظة الإمساك بالإزميل، بل سبقتها سلسلة من العمليات تبدأ فى المحجر بفصل الكتلة الحجرية وتهيئتها للنقل، ثم إزالة الأجزاء الزائدة وتحديد الشكل العام، قبل الانتقال تدريجيًا إلى التفاصيل الدقيقة ومعالجة السطح وصقله. كما اختلفت الأدوات والتقنيات باختلاف صلابة الحجر؛ فالأحجار الأكثر ليونة أمكن العمل عليها بأدوات معدنية بصورة تختلف عن الأحجار الصلبة، بينما احتاج التعامل مع الجرانيت وغيره إلى الاستفادة من الطرق والسحق والكشط والصنفرة.

ولا يعتمد الكتاب على الآثار الباقية وحدها؛ فقد ترك المصريون أنفسهم صورًا للصناع أثناء العمل. ومن أشهرها منظر فى مقبرة الوزير رخميرع فى طيبة، من الأسرة الثامنة عشرة، يظهر عمال الحجر أثناء إنهاء تمثال جرانيتى لملك. وتسمح مثل هذه المناظر للباحث بملاحظة وضع العامل وطريقة إمساكه بالأداة وطبيعة المهمة التى يؤديها، ثم مقارنتها بالأدوات التى وصلت إلينا والعلامات التى بقيت على الأحجار.

ولدينا شاهد أكثر قربًا من العامل نفسه؛ إذ يحتفظ متحف فيتزويليام بقطعة من الحجر الجيرى من الأسرة التاسعة عشرة تحمل رسمًا سريعًا لعامل حجر ممسك بمطرقة وإزميل، وكأن أحدهم التقط مشهدًا عابرًا من داخل ورشة مصرية قديمة.

ويضيف الكتاب إلى هذه الأدلة التجارب العملية باستخدام مواد وأدوات مشابهة لما كان متاحًا قديمًا، والاستعانة بخبرات حرفيين معاصرين، فى محاولة لفهم ما تستطيع تلك الأدوات تحقيقه بالفعل. وهنا تظهر نقطة أساسية: العثور على أداة مصرية قديمة لا يعنى أننا نعرف تلقائيًا كيف استخدمها صاحبها؛ فالصانع الذى قضى سنوات فى التعامل مع الحجر امتلك خبرة لا يمتلكها شخص معاصر يمسك الأداة نفسها للمرة الأولى. الفارق ليس فى الأداة وحدها، وإنما فى المهارة المتراكمة فى اليد التى تستخدمها.

رأس أميرة يكشف أسرار النحات 

ومن القطع اللافتة التى اختارها الكتاب رأس أميرة غير مكتمل من الكوارتزيت، يرجع إلى عصر العمارنة، نحو 1353- 1336 ق. م. وتكمن أهميته تحديدًا فى أنه لم يكتمل؛ فالتمثال الذى ينتهى الصانع من نحته وصقله يخفى كثيرًا من آثار عملية التصنيع، بينما تستطيع القطعة التى توقف العمل فيها أن تحتفظ بالعلامات التى تركها النحات خلال مراحل تشكيلها. 

ومن خلال دراسة هذه الآثار، يستطيع الباحثون محاولة إعادة بناء الطريقة التى تحولت بها كتلة من الحجر تدريجيًا إلى وجه بشرى. وإذا جمعنا رأس الأميرة غير المكتمل إلى منظر عمال رخميرع، ورسم عامل الحجر، وآثار الأدوات والتجارب الحديثة، تظهر أمامنا صورة أكثر وضوحًا: مجتمع امتلك عمالًا متخصصين يعرفون خصائص الأحجار وأدواتها، ويتعلمون مهاراتهم بالممارسة، ضمن سلسلة عمل تبدأ من المحجر وتنتهى بالتشطيب والصقل.

وهكذا ينقل «صُنع فى مصر القديمة» السؤال من: «كيف فعل المصريون شيئًا يبدو مستحيلًا؟»، إلى سؤال أكثر دقة: كم احتاج هؤلاء الصنّاع من معرفة ومهارة ووقت حتى استطاعوا بأدوات عصرهم إنتاج أعمال ما زالت تثير الإعجاب حتى اليوم؟

والإجابة أكثر إنصافًا للصانع المصرى القديم؛ لأنها لا تنسب إنجازه إلى لغز أو «تكنولوجيا مفقودة»، وإنما إلى المعرفة والخبرة والحرفة التى امتلكها بالفعل.

الطين.. مادة لا غنى عنها فى مصر القديمة

بعد الأحجار التى صنعت منها التماثيل والمعابد، ينتقل «صُنع فى مصر القديمة» إلى الطين، وهو واحد من أكثر المواد حضورًا فى حياة المصريين؛ إذ وفر المادة الأساسية لصناعة كميات هائلة من الأوانى التى احتاجها الناس فى حياتهم اليومية.

لكن الإناء الذى يبدو بسيطًا أمامنا اليوم كان وراءه صانع يمتلك معرفة دقيقة بمادته؛ فليس كل طين مناسبًا لكل غرض، وكانت الصناعة تبدأ باختيار المادة الخام وإعدادها وتنقيتها أو خلطها بمواد أخرى، بحسب نوع المنتج المطلوب، قبل الانتقال إلى مرحلة التشكيل.

ولم يكن التشكيل يتم بطريقة واحدة؛ فقد صُنعت بعض الأوعية باليد، بينما استخدم صناع الفخار العجلة لإنتاج أشكال أكثر انتظامًا. وبعد تشكيل الإناء، كان لا بد من تركه ليجف بصورة مناسبة قبل إدخاله إلى الفرن، لأن الرطوبة المتبقية داخله قد تؤدى إلى تشققه أو تلفه أثناء الحرق.

ثم تأتى واحدة من أكثر المراحل حساسية، وهى الحرق؛ فالحرارة تحول الطين إلى فخار صلب، لكن النتيجة تتأثر بدرجة الحرارة ومدة الحرق وكمية الأكسجين داخل الفرن. ولذلك لم تكن العملية مجرد وضع الإناء فى النار، وإنما احتاجت إلى خبرة تمكن الصانع من الوصول إلى النتيجة التى يريدها.

أما أغرب ما كشفه مشروع «صُنع فى مصر القديمة»، فجاء من نموذج جنائزى طينى يُعرف أثريًا باسم «بيت الروح»، يرجع إلى نحو 2055- 1650 ق. م. وكانت هذه النماذج توضع عند المقابر وترتبط بتوفير القرابين للمتوفى فى العالم الآخر. وعلى قاعدة هذه القطعة اكتشف الباحثون بصمة يد كاملة لأحد صانعيها، يُرجح أنه تركها عندما حملها وهى لا تزال رطبة لنقلها إلى مكان التجفيف قبل الحرق. وتقول هيلين سترودويك إنها لم تر من قبل بصمة يد كاملة بهذا الوضوح على قطعة مصرية.

الفيانس.. كيف صنع المصريون اللون الأزرق اللامع؟

من الطين ينتقل الكتاب إلى مادة أكثر تعقيدًا هى الفيانس المصرى، وكان إنتاجه يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمواد والحرارة؛ إذ تُخلط السيليكا بمواد أخرى، بينها مركبات النحاس التى تمنح القطعة عادة لونها الأزرق أو الأخضر، ثم تُشكل وتُحرق. وأثناء العملية تتكون الطبقة الزجاجية على السطح، لتحول مواد أولية متواضعة إلى قطعة لامعة يمكن أن يحاكى مظهرها أحجارًا ثمينة مثل الفيروز واللازورد.

وهذا يعنى أن المصرى لم يكن يعتمد فقط على المواد التى تمنحها له الطبيعة، وإنما عرف أيضًا كيف يصنع مادة جديدة بخصائص ولون ومظهر يحددها بنفسه.

ويقدم الكتاب دليلًا نادرًا على هوية أحد المتخصصين فى هذه الصناعة، هو رخ آمون من الأسرة التاسعة عشرة، الذى تحدثنا عنه سابقًا.

الزجاج.. صناعة معقدة تحولت إلى فن

الزجاج كان من أكثر المواد تعقيدًا فى مصر القديمة؛ إذ احتاج إنتاجه إلى مزج مواد أساسها السيليكا مع مواد قلوية والجير، ثم تسخينها إلى درجات حرارة مرتفعة، وإضافة مركبات معدنية للحصول على ألوان مختلفة. 

ولم يكن التحكم فى الحرارة والمواد أمرًا بسيطًا، ما جعل صناعة الزجاج تتطلب خبرة متخصصة.

وازدهرت صناعة الزجاج فى مصر بصورة واضحة خلال الدولة الحديثة، واستخدمه الصناع فى إنتاج الأوانى والخرز والحلى والتطعيمات والعناصر الزخرفية، ومن التقنيات المعروفة فى صناعة الأوانى تشكيل الزجاج الساخن حول قلب داخلى ثم إضافة خيوط زجاجية ملونة إلى سطحه، قبل إزالة القلب بعد أن تبرد القطعة.

ومن أبرز القطع التى يقدمها «صُنع فى مصر القديمة» إناء زجاجى على هيئة سمكة يرجع إلى نحو 1550- 1292 ق.م، ومحفوظ فى المتحف البريطانى.

هذا الإناء جمع الصانع فيه بين تشكيل الجسم وإضافة ألوان وتفاصيل دقيقة، ليكشف إلى أى مدى تحول الزجاج من مادة صناعية جديدة نسبيًا إلى مجال لإظهار مهارة الحرفى المصرى.

المعادن.. من خام الأرض إلى أدوات وتماثيل

يخصص الكتاب قسمًا مستقلًا لعمال المعادن، وهى صناعة احتاجت إلى معرفة مختلفة تمامًا عن الحجر والفخار؛ إذ كان على الصانع استخراج المعدن أو الحصول عليه، ثم التحكم فى الحرارة وصهره وتشكيله بالطرق أو الصب، قبل تشطيب القطعة وصقلها. ويضع الكتاب «الأعمال المعدنية» ضمن الصناعات الرئيسية التى يعيد فحصها باستخدام الدراسات العلمية الحديثة للقطع. 

وكان النحاس وسبائكه، ومنها البرونز، من أهم المواد المعدنية المستخدمة فى مصر القديمة، ودخلت فى صناعة الأدوات والأوانى والتماثيل وغيرها.

والمثير أن المصريين لم يكتفوا باستخدام المعدن بل عرفوا كيف يغيرون خصائصه ومظهره، وهو ما تكشفه التحليلات الحديثة لبعض القطع.

ومن القطع التى اختارها الكتاب تمثال صغير لامرأة من البرونز والذهب، يرجع إلى عصر الانتقال الثالث ومحفوظ فى متحف اللوفر، وتكشف القطعة كيف استطاع الصانع الجمع بين معدنين مختلفين واستخدام التطعيم لإنتاج تأثير لونى وزخرفى، بدل التعامل مع المعدن باعتباره مادة وظيفية فقط. 

وهنا تظهر الفكرة الأساسية للفصل، وهى أن عامل المعادن لم يكن مجرد شخص يصهر المعدن ويصبه، بل صانعًا متخصصًا يعرف كيف يتحكم فى خواصه ويجمع بين مواد مختلفة ليحول الخام إلى أداة أو وعاء أو عمل فنى.

الذهب والحُلى.. مهارة تنتقل داخل العائلة

يفرد الكتاب للحُلى قسمًا مستقلًا عن بقية الأعمال المعدنية، فصناعة قطعة صغيرة من المجوهرات قد تجمع الذهب والأحجار والزجاج والفيانس، وتحتاج إلى مهارات دقيقة فى تشكيل المعدن وزخرفته وتجميع المواد المختلفة. 

ومن القطع التى يبرزها المعرض حبات حُلى على هيئة ذباب، صنعت من الذهب والزجاج والجاسبر خلال الدولة الحديثة، لتكشف كيف استطاع الصانع الجمع بين مواد مختلفة فى قطعة بالغة الصغر. 

لكن أكثر ما يلفت النظر فى هذا الجزء ليس الذهب نفسه، بل الأشخاص الذين عملوا فيه؛ فقد حفظت الآثار أسماء أسر ارتبط أفرادها بهذه الصناعة، ومن بينها أسرة باراعم حب وابنه بانحسى.

وبذلك لا تكشف الحُلى عن براعة المصريين فى التعامل مع المواد الثمينة فحسب، وإنما تكشف أيضًا عالمًا من الصنّاع المتخصصين الذين انتقلت خبراتهم أحيانًا داخل الأسرة من جيل إلى آخر.

الكتان.. صناعة نسائية تركت ملابسها بعد 4500 عام

كان الكتان النسيج الأساسى فى مصر القديمة، لكن الوصول من نبات الكتان إلى قطعة قماش احتاج إلى سلسلة طويلة من العمل؛ من تجهيز الألياف وتحويلها إلى خيوط، ثم الغزل والنسيج لإنتاج الأقمشة بدرجات متفاوتة من الجودة والدقة. 

ويخصص الكتاب فصلًا لصنّاع الكتان والسلال باعتبارهم جزءًا أساسيًا من عالم الحرف المصرية، واللافت أن هذا الفصل يكشف حضور النساء بقوة فى صناعة النسيج؛ إذ يقدم صورًا ونماذج طينية لنساء وفتيات أثناء الغزل والنسيج، بينها نموذج خشبى لورشة تعمل فيها النساء. 

وتشير الأدلة إلى أن بعض النساء استطعن الوصول إلى مواقع إشرافية داخل العمل. 

ومن أبرز القطع ثوب من الكتان عمره نحو 4500 عام، عُثر عليه داخل تابوت امرأة مع 8 أثواب أخرى وظل محفوظًا بصورة استثنائية. 

كما يعرض العمل قطعة أخرى من الكتان شديد النعومة، تكاد تكون شفافة، زُين طرفها بخيوط زرقاء وحمراء، فى دليل على أن صناعة النسيج لم تقتصر على إنتاج الملابس اليومية البسيطة، وإنما وصلت إلى مستويات عالية من الدقة والزخرفة.

البردى.. قبل الكاتب كان هناك صانع

لم تكن البردية مجرد «ورقة» يكتب عليها المصرى القديم؛ فقبل وصولها إلى يد الكاتب كان هناك صانع للبردى يحول سيقان نبات البردى، الذى كان ينمو بكثرة على ضفاف النيل، إلى سطح صالح للكتابة والرسم. 

ولهذا يفرد «صُنع فى مصر القديمة» فصلًا كاملًا لصُناع البرديات، ومن أبرز القطع التى يقدمها أجزاء من كتاب الموتى لراموس، المشرف على الأرشيف الملكى، والمؤرخ بنحو 1290- 1278 ق. م، وهو من أجمل نماذج الرسم على البردى الباقية ومحفوظ فى متحف فيتزويليام.

والعجيب أن الفحص الحديث لهذه البردية كشف عن تفصيلة ظلت مخفية أكثر من ثلاثة آلاف عام؛ فقد اكتشف الباحثون أن الفنان استخدم مادة بيضاء لتصحيح رسم ابن آوى وجعل جسمه أنحف، فى شىء يشبه فكرة «سائل التصحيح» الحديثة، وأُعلن هذا الاكتشاف فى مارس 2026.

التوابيت.. ورشة كاملة وراء قطعة واحدة

يهتم الكتاب كثيرًا بـ«صُنّاع التوابيت»، وهى أفضل صناعة تكشف عن أن الأثر الذى نراه اليوم كقطعة واحدة كان فى الحقيقة نتاج عدد كبير من المواد والمهارات؛ فصناعة تابوت مزخرف قد تبدأ بتكوين الهيكل، ثم إعداد السطح، وإضافة طبقات الكتان والمعاجين، قبل الرسم والتلوين والتذهيب والتطعيم؛ وهى مراحل تجعل من الصعب تصور الصانع المصرى باعتباره شخصًا يعمل منفردًا. 

وأبرز مثال يقدمه الكتاب هو غطاء مومياء الكاهن نخت إف موت، الذى عاش فى طيبة ويرجع إلى نحو 924- 889 ق. م، وكان يعمل فى معبد آمون رع بالكرنك ومسئولًا عن فتح مقصورة الإله كل صباح. 

ويجعل الكتاب هذه القطعة نقطة انطلاق لفهم صناعة التوابيت؛ لأنها تجمع فى جسم واحد الكتان والمعاجين والغراء الحيوانى والأصباغ والورنيش والذهب والزجاج والخشب.

والأهم أن الباحثين لم يكتفوا بالنظر إلى زخارفه؛ فقد استخدموا الفحوص والتحليلات العلمية لفهم الطريقة التى عمل بها صانعوه؛ فكشفت الدراسة كيف شُكلت طبقات الكتان المشبعة بمعاجين شبيهة بالجص، واستخدم الغراء والأصباغ والورنيش وورق الذهب، ثم جرى تشكيل السطح ونحته وتطعيمه ورسمه. 

وهكذا يصبح تابوت نخت إف موت نموذجًا مصغرًا لفكرة الكتاب كلها: وراء القطعة الواحدة لم تكن هناك مادة واحدة ولا مهارة واحدة، وإنما سلسلة من الصناع المتخصصين الذين جمعوا خبراتهم لإنتاج عمل واحد صُمم ليبقى إلى الأبد.

حين يتكلم الصنّاع بأنفسهم

بعيدًا عن التماثيل والحُلى، يعرض «صُنع فى مصر القديمة» وثائق شديدة البساطة تكشف وجهًا آخر للصناع حول أيام العمل والغياب والمرض وضغوط الوظيفة؛ فقد استخدم المصريون كِسر الفخار وشظايا الحجر الجيرى، المعروفة باسم الأوستراكا، كمساحات رخيصة للكتابة، فسجلوا عليها الأوامر والإيصالات والملاحظات الإدارية والرسوم السريعة، بما يشبه أوراق الملاحظات اليومية فى عصرنا. 

ومن أغرب المعروضات شظية من الحجر الجيرى تسجل غياب العمال الذين عملوا فى المقابر الملكية بوادى الملوك، وتكشف الوثيقة عن أن عاملًا يُدعى «بانبو» غاب عن العمل بعدما تعرض لـ«عضة» من شىء لم يحدده النص، بينما سجلت فى يوم آخر مرض رئيس العمال «رامرى»، كما ورد أن 5 عمال آخرين «لم يعملوا» فى ذلك اليوم. 

وتكشف سجلات أخرى عن أن فريق العمل بأكمله توقف عن العمل لمدة يومين لحضور جنازة. 

وتظهر الضغوط المهنية بصورة أكثر طرافة فى وثيقة أخرى تحمل طلبًا عاجلًا لصناعة أربع نوافذ، مرفقًا برسم يوضح المطلوب، مع تشديد صاحب الطلب على ضرورة إنجازها سريعًا بحلول اليوم التالى.

وبعد آلاف السنين، يعيد «صُنع فى مصر القديمة» أصحاب هذه الأيدى إلى المشهد؛ فخلف التماثيل والتوابيت والحُلى التى حملت أسماء الملوك، كان هناك صناع امتلكوا المعرفة والمهارة وحوّلوا الحجر والطين والذهب والخشب إلى حضارة. 

قد تكون أسماء معظمهم قد ضاعت، لكن ما صنعته أيديهم بقى ليحكى قصتهم.