إعادة اكتشاف كليوباترا.. أول تحليل نفسى لـ«آخر ملكات مصر القديمة»: بريئة من كل أكاذيب الرومان
- جامعة كامبريدج تصدر كتابًا يبحث عن «كليوباترا الإنسانة» بعيدًا عن أسطورة
- اعتبارها «متلاعبة» لأنها أقامت تحالفات مع قيصر وأنطونيوس يتجاهل المصالح السياسية للطرفين
- وصفها بـ«النرجسية» بسبب تقديمها نفسها كإلهة يتجاهل طبيعة الملكية المصرية
لا تزال كليوباترا السابعة واحدة من أكثر شخصيات العالم القديم حضورًا فى الخيال الإنسانى، وفى الوقت ذاته من أكثرها تعرضًا للتشويه وإعادة التشكيل.
كليوباترا فى كتابات خصومها الرومان ملكةً شرقية خطرة، استخدمت سحرها لإخضاع اثنين من أقوى رجال روما، ثم تحولت فى الأدب والمسرح والسينما إلى رمز للجمال والإغواء والحب المأساوى، لكن قراءات حديثة أعادتها إلى موقعها بوصفها حاكمة متعلمة وسياسية بارعة، حاولت حماية مصر.
أما الباحثة سالى آن أشتون فتتخذ فى كتابها الجديد «Profiling Cleopatra: A Psychosocial History»، أو «تحليل شخصية كليوباترا: تاريخ نفسى اجتماعى»، طريقًا مختلفًا؛ فهى لا تكتفى بإعادة سرد حياة الملكة، ولا تسعى إلى إثبات براءتها من الاتهامات الرومانية أو إدانتها، وإنما تحاول الاقتراب من «الإنسانة»، وفهم العلاقة بين تجاربها المبكرة، وثقافتها، وموقعها الملكى، وقراراتها السياسية والشخصية.
وأهمية هذا الكتاب فى موضوعه؛ فهو أول محاولة حديثة لبناء «بروفايل نفسى» متكامل لكليوباترا، ومؤلفته من أبرز المتخصصين فى العصر البطلمى، ومن أشهر أعمالها السابقة كتابا: Cleopatra and Egypt، وThe Last Queens of Egypt، كما نشرت دراسات عن تماثيل كليوباترا، والملكات البطلميات، وتصوير كليوباترا داخل المعابد المصرية، ومن هنا يعتبر العمل يمثل حصيلة سنوات طويلة من البحث.


تبدأ «أشتون» كتابها بسؤال يبدو بسيطًا: لماذا تحتاج كليوباترا إلى دراسة نفسية اجتماعية جديدة، فى ظل وجود مئات الكتب والأعمال الفنية التى تناولت حياتها؟ والإجابة، فى رأيها، تكمن فى أن معظم من كتبوا عن الملكة لم يستطيعوا تجنب إطلاق أحكام نفسية عليها، حتى عندما لم يعلنوا استخدامهم منهجًا نفسيًا.
فكثير من السِير القديمة والحديثة وصفتها بأنها طموحة إلى حد المرض، أو نرجسية، أو متلاعبة، أو شهوانية، أو شديدة التعلق بالسلطة، من دون أن تضع هذه الصفات فى سياقها التاريخى والثقافى. بل إن محاولة سابقة ذهبت إلى تشخيصها باضطراب الشخصية النرجسية، وهو ما تنتقده «أشتون» بسبب اعتماد تلك المحاولة على معايير نفسية حديثة، وتجاهلها الخلفية الثقافية المزدوجة للملكة والظروف التى عاشتها فى طفولتها وشبابها.
بمعنى أن المؤلفة تعتمد على «علم النفس الثقافى»، الذى يساعد على فهم تأثير المعتقدات والعادات فى السلوك والهوية، وبدلًا من سؤال: «هل لو فعلت هذا اليوم فهى مريضة؟»، تحاول أن تقول: «هل كان هذا السلوك طبيعيًا داخل ثقافتها؟».
ومن هنا ترى أن بناء صورة أكثر إنصافًا لكليوباترا يقتضى أولًا التخلص من فكرة أن السلوك الإنسانى يمكن فصله عن الثقافة والمجتمع؛ فما قد يبدو فى عصرنا علامة على اضطراب أو قسوة أو نرجسية، قد يكون فى بيئة ملكية قديمة استجابة معتادة للسلطة أو الخطر أو التقاليد الدينية.
وتقول «أشتون» منذ البداية إنها لا تملك «صوت كليوباترا المباشر»؛ فلا توجد مذكرات شخصية تروى فيها الملكة مخاوفها أو رغباتها، ولا رسائل خاصة كافية تكشف عالمها الداخلى، وما بقى منها يتوزع بين النقوش والتماثيل والعملات، والكتابات الرومانية المعادية فى أغلبها من جهة أخرى.
لذا تعتمد الدراسة على المقارنة بين الصورة التى قدمتها كليوباترا عن نفسها فى مصر وروما، وبين الصورة التى رسمها لها مؤلفون رومانيون كتبوا فى سياقات سياسية وأخلاقية مختلفة.


ترى المؤلفة أنه لا يمكن فهم شخصية كليوباترا داخل إطار يونانى أو رومانى فقط، فقد انتمت إلى الأسرة البطلمية، ذات الأصل المقدونى، التى حكمت مصر لأكثر من قرنين قبل ميلادها.
وتشير «أشتون» إلى أن هوية أم كليوباترا وجدتها ليست محسومة تاريخيًا، وأن احتمال وجود أصول مصرية فى السلالة الأمومية لا يمكن استبعاده.
وتقول: «الأهم لديها ليس حسم النسب البيولوجى بقدر ما هو الاعتراف بأن كليوباترا نشأت داخل عالم متعدد الثقافات، تداخلت فيه مصرية الحكم والدين مع اليونانية المقدونية والعلاقات الرومانية».
وتنتقد المؤلفة الاتجاه الذى يدرس كليوباترا من خلال علاقتها بروما فقط، وكأن حياتها لم تبدأ إلا عند لقائها بيوليوس قيصر، وترى أن هذا المنظور نفسه انعكاس لطبيعة المصادر الرومانية، التى لم تكن مهتمة بتأريخ حياة الملكة فى ذاتها، بل ظهرت كليوباترا فيها فى سياق سِير قيصر وأنطونيوس وأوكتافيان.
أما داخل مصر، فقد كانت الملكة تؤدى أدوارًا دينية وملكية لا يظهر فيها الرومان، وهو ما تعتبره المؤلفة دليلًا على أن هويتها الرسمية لم تكن تابعة بالكامل لتحالفاتها الخارجية، وأن علاقتها بقيصر أو أنطونيوس لم تلغِ موقعها كحاكمة مصرية مستقلة فى تقديمها الملكى والدينى.


ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى خلفية كليوباترا وتجاربها التكوينية، وهذه المرحلة أساس مهم فى التحليل، لأن «أشتون» ترى أن كثيرًا من الكتابات السابقة قفزت من ميلاد الملكة مباشرة إلى توليها العرش وعلاقتها بقيصر، من دون التوقف طويلًا أمام سنوات طفولتها ومراهقتها.
ولدت كليوباترا عام ٦٩ قبل الميلاد داخل أسرة ملكية لا تعرف الاستقرار؛ كان والدها بطليموس الثانى عشر يعتمد بدرجة متزايدة على الدعم الرومانى للاحتفاظ بالعرش، ودفع مبالغ ضخمة للحصول على الاعتراف السياسى من رجال روما.
وحين كانت كليوباترا فى نحو الحادية عشرة من عمرها، أُطيح بوالدها وغادرت معه الإسكندرية، لتعيش تجربة النزوح وفقدان المكانة والانتقال إلى روما طلبًا للمساعدة.
وخلال تلك المرحلة، شهدت الأسرة سلسلة من الصراعات والوفيات والانقلابات، إذ تولت شقيقتها برنيكى الرابعة الحكم فى غياب الأب، ثم قُتلت بعد عودته إلى السلطة بدعم رومانى. كما انتحر أحد أقارب الأسرة، ملك قبرص البطلمى، بعد أن ضمت روما الجزيرة.
وتتعامل «أشتون» مع هذه الوقائع بوصفها خبرات قد تكون تركت أثرًا فى تصور كليوباترا للأمان والأسرة والسلطة والموت.
ولا تدّعى المؤلفة أن لديها دليلًا مباشرًا على إصابة كليوباترا بصدمة نفسية وفق التعريف الطبى الحديث، لكنها تطرح مفهوم «صدمة النزوح» والصراع الأسرى بوصفه إطارًا لفهم نشأتها؛ فالطفلة التى رأت والدها يفقد عرشه، وانتقلت إلى دولة أجنبية طلبًا للحماية، ثم شاهدت عودته ومعاقبته أفراد الأسرة، ربما تعلمت مبكرًا أن السلطة غير مستقرة، وأن الأقارب يمكن أن يتحولوا إلى خصوم، وأن روما تستطيع منح العرش أو انتزاعه.
وهنا توظف «أشتون» علم النفس النمائى الذى يتتبع أثر تجارب الطفولة ومراحل العمر.


يخصص الكتاب قسمًا مستقلًا لقتل الأشقاء، وهو محور لا يمكن تجاهله فى حياة كليوباترا أو فى تاريخ البيت البطلمى عمومًا، فقد شهدت الأسرة البطلمية زواج الأقارب، والانقلابات، والنفى، وقتل الأبناء والأمهات والإخوة، فى إطار الصراع على السلطة.
تولت كليوباترا الحكم عام ٥١ قبل الميلاد بالاشتراك مع شقيقها بطليموس الثالث عشر، لكنها سرعان ما دخلت معه فى نزاع انتهى بإبعادها عن الإسكندرية، ثم عاد الصراع فى ظل التدخل الرومانى وحضور يوليوس قيصر، وانتهى بموت بطليموس الثالث عشر خلال الحرب السكندرية.
وبعد ذلك حكمت كليوباترا مع شقيقها الأصغر بطليموس الرابع عشر، الذى مات فى ظروف غير واضحة، فيما اتهمت بعض الروايات الملكة بالتخلص منه لإفساح المجال أمام ابنها قيصرون.
كما قُتلت شقيقتها أرسينوى الرابعة بأمر من مارك أنطونيوس، بعد أن نافست كليوباترا وظهرت رمزًا للمقاومة ضدها خلال الصراع فى الإسكندرية.
وتلجأ المؤلفة إلى بعض مفاهيم علم النفس الجنائى والتحقيقى، الذى يستخدم فى فحص دوافع الصراع والقتل والروايات المتعلقة بالوفاة؛ فتبحث دوافع الجريمة والتهديد والمصلحة والفرصة، مع وضعها داخل الثقافة السياسية البطلمية.
وبالطبع هذا لا يعنى تبرير القتل، لكنه يغير السؤال من «ما الاضطراب النفسى الذى دفعها إلى قتل أقاربها؟» إلى «كيف كانت السلطة الملكية فى ذلك العصر تحول العلاقات الأسرية إلى صراعات وجودية؟».
وانطلاقًا من ذلك تحاول المؤلفة قراءة الأحداث- إذا تأكدت مسئولية كليوباترا الكاملة عنها بالأساس- فى سياق تاريخ الأسر الملكية القديمة؛ ففى نظام لا توجد فيه قواعد ثابتة وآمنة لانتقال السلطة، يمكن أن يصبح كل فرد يحمل دمًا ملكيًا تهديدًا محتملًا. وكانت الأخت أو الأخ أو الابن قادرًا على اكتساب شرعية سياسية والتحالف مع الجيش أو الكهنة أو قوة أجنبية.
ومن ثم ترفض «أشتون» اعتبار العنف بين الأشقاء دليلًا تلقائيًا على الاعتلال النفسى؛ فالسلوك نفسه قد يحمل دلالة مختلفة حين يحدث فى مجتمع حديث مستقر، وحين يقع داخل أسرة حاكمة كانت الاغتيالات والانقلابات جزءًا متكررًا من تاريخها.


ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى العلاقة بيوليوس قيصر، وهى العلاقة التى لعبت دورًا حاسمًا فى عودة كليوباترا إلى الحكم.
وفى كتابها تحاول «أشتون» تحرير هذه العلاقة من المشهد الأسطورى الشهير الذى تظهر فيه الملكة وهى تدخل إلى قيصر ملفوفة داخل بساط أو فراش، وتقرأ المؤلفة اللقاء فى سياقه السياسى.
وقتها كانت كليوباترا حاكمة معزولة عن العاصمة، تخوض صراعًا مع شقيقها ومستشاريه، وكان قيصر قد وصل إلى الإسكندرية عقب مقتل خصمه بومبى، وأصبح تدخله قادرًا على إعادة ترتيب ميزان القوى داخل مصر.
من هذا المنظور، لم يكن اقتراب كليوباترا من قيصر مجرد مغامرة عاطفية، بل خطوة سياسية شديدة المخاطرة؛ فقد راهنت على رجل رومانى يملك قوة عسكرية ونفوذًا كبيرًا، واستطاعت عبر هذا التحالف استعادة موقعها فى الحكم.

أنجبت كليوباترا ابنًا أطلقت عليه بطليموس قيصر، وعرف باسم «قيصرون»، وقدمت قيصر بوصفه والده، إلا أن الاعتراف الرومانى الرسمى بالأبوة ظل قضية معقدة ومحل خلاف.
ولا تحاول «أشتون» اختزال العلاقة فى كونها حبًا حقيقيًا أو تحالفًا مصلحيًا، لأنها ترى أن هذا التقسيم نفسه حديث ومبسط، وأن العلاقات الملكية القديمة كانت تستطيع الجمع بين الشخصى والسياسى والأسرى.
وتبحث المؤلفة فى صورة كليوباترا خلال إقامتها فى روما، حيث حضرت بصفتها ملكة حليفة وأمًا لطفل يمكن أن يحمل أهمية سياسية كبيرة. كما تدرس أثر وجودها فى البيئة الرومانية، وطريقة استقبالها فى مجتمع كانت قواعده تجاه النساء والملكات الأجنبيات مختلفة عن التقاليد الملكية المصرية والهلنستية.
وتستعين «أشتون» بعلم النفس الاجتماعى- الذى يدرس علاقة الفرد بنظرة الآخرين وبالمكانة والسلطة- لدراسة كيفية تأثير الحضور الرومانى ونظرة الآخرين والموقع الطبقى والملكى فى سلوك كليوباترا؛ فالشخص لا يتصرف فى فراغ، وإنما يتأثر بكيفية رؤية المجتمع له، وبالصور التى يضطر إلى تأكيدها أو مقاومتها.


يخصص الكتاب جانبًا واسعًا أيضًا لعلاقة كليوباترا بمارك أنطونيوس، وهى العلاقة التى تعد محورًا لواحدة من أشهر قصص الحب فى التاريخ.
بدأت العلاقة السياسية بين الطرفين فى وقت كانت فيه روما منقسمة بعد اغتيال قيصر. وكان أنطونيوس بحاجة إلى موارد مصر فى صراعاته العسكرية والسياسية، فيما كانت كليوباترا تحتاج إلى شريك رومانى قوى يحمى موقعها ويحفظ نفوذها الإقليمى.
استدعاها أنطونيوس إلى طرسوس عام ٤١ قبل الميلاد لمناقشة موقفها خلال الصراع الرومانى السابق. وتروى المصادر لقاءً استعراضيًا ظهرت فيه كليوباترا فى هيئة مرتبطة بالإلهة «أفروديت»، فى مشهد تحول لاحقًا إلى أحد رموز سحرها، لكن «أشتون» تقرأ هذا العرض بوصفه استخدامًا محسوبًا للهوية الملكية والدينية، لا مجرد محاولة لإغواء قائد رومانى.
فالحاكم فى «العالم الهلنستى» كان يعتمد على الطقوس والمظاهر والرموز الدينية لإظهار القوة والشرعية، وظهور كليوباترا فى إطار إلهى كان امتدادًا لممارسات ملكية، وليس بالضرورة سلوكًا نرجسيًا أو مسرحيًا بالمعنى المرضى الحديث.

تطورت العلاقة بين كليوباترا وأنطونيوس إلى تحالف طويل، وأنجبا ثلاثة أبناء، كما أعاد أنطونيوس ترتيب عدد من أراضى شرق المتوسط فيما عرف بـ«تبرعات الإسكندرية»، وقدم كليوباترا وأبناءها داخل مشروع ملكى واسع.
وتحاول «أشتون» فهم طبيعة هذه العلاقة من خلال مقارنة الروايات والمواقف المختلفة، بدلًا من افتراض أنها كانت قائمة على هيمنة كليوباترا النفسية على أنطونيوس، وتنتقد الصورة الرومانية التى جعلت الملكة مسئولة عن كل قراراته، كأن القائد الرومانى فقد إرادته تمامًا تحت تأثير امرأة أجنبية.
هذه الصورة، فى رأيها، خدمت دعاية أوكتافيان، لأنها سمحت له بتقديم خصمه الرومانى بوصفه رجلًا انحرف عن قيم روما، وخضع لامرأة شرقية، ونقل ولاءه إلى الإسكندرية، وبذلك تحول الصراع من حرب أهلية بين رومانيين إلى حرب وطنية مزعومة ضد ملكة أجنبية.
ويحاول الكتاب من خلال أدوات التحليل النفسى والاجتماعى البحث ما إذا كانت المصادر تقدم وصفًا حقيقيًا للعلاقة، أم أنها تعكس خوف المجتمع الرومانى من سلطة النساء ومن الشرق ومن تحول مركز القوة بعيدًا عن روما.


تمثل ألوهية كليوباترا ومحاولتها الارتباط بالإلهة «إيزيس» محورًا أساسيًا فى الكتاب؛ فقد استخدمت الملكة الألقاب الدينية والرموز الإلهية، وظهرت فى بعض السياقات بوصفها «إيزيس الجديدة»، كما قُدمت فى المعابد المصرية وفق التقاليد الفرعونية.
وبينما قد يميل قارئ حديث إلى تفسير هذا التقديم باعتباره تعبيرًا عن تضخم الذات أو شعور بالعظمة، ترى «أشتون» أن هذا النوع من القراءة يقع فى خطأ تاريخى واضح، لأن الملكية المصرية كانت بطبيعتها مؤسسة دينية، وكان الحاكم يؤدى دورًا وسيطًا بين البشر والآلهة، ولم يكن تمثيل الملك أو الملكة بصفات إلهية ادعاءً شخصيًا منفصلًا عن المجتمع، بل جزءًا من النظام السياسى والدينى الذى يمنح الحكم شرعيته.
ومن ثم، فإن استخدام كليوباترا الألقاب والرموز الإلهية لا يكفى لتشخيصها بالنرجسية أو أوهام العظمة.


يفرد الكتاب قسمًا كاملًا لوفاة كليوباترا، ولا يتعامل مع انتحارها بوصفه خاتمة رومانسية لقصة حب، بل بوصفه حدثًا يحتاج إلى تحليل سياسى وثقافى ونفسى.
بعد هزيمة أنطونيوس وكليوباترا فى معركة أكتيوم عام ٣١ قبل الميلاد، ثم دخول قوات أوكتافيان الإسكندرية فى العام التالى، أصبح مصير الملكة مرتبطًا بإرادة المنتصر. انتحر أنطونيوس، بينما تفاوضت كليوباترا مع أوكتافيان فى محاولة للحفاظ على حياتها أو مستقبل أبنائها أو جزء من سلطتها.
تقدم المصادر القديمة روايات متعددة عن وفاتها، أشهرها أنها أدخلت أفعى سامة داخل سلة من التين وتركتها تلدغها.
ولا تجعل «أشتون» طريقة الموت جوهر القضية، بل تركز على الدافع والسياق. وتسأل ما إذا كانت الروايات الرومانية تقدم دليلًا فعليًا على تفكير انتحارى سابق أو اضطراب نفسى، أم أنها أعادت تنظيم الأحداث لتناسب صورة الملكة المأساوية أو الخطرة.

وتشير الدراسة إلى أن الانتحار فى الثقافات القديمة لا يمكن تفسيره بالضرورة بالطريقة نفسها التى يفسر بها فى الطب النفسى الحديث؛ فقد ارتبط فى بعض السياقات الرومانية والهلنستية بالشرف ورفض الأسر والحفاظ على المكانة.
وكانت كليوباترا تعلم على الأرجح أن أوكتافيان يستطيع اقتيادها إلى روما لعرضها فى موكب انتصاره، كما حدث من قبل مع أسرى وملوك مهزومين، ومن بينهم أختها أرسينوى التى عُرضت أسيرة فى موكب قيصر، ولذلك يمكن فهم موتها باعتباره محاولة أخيرة لاستعادة السيطرة على جسدها ومصيرها وصورتها السياسية. ولا يعنى هذا أن المؤلفة تستطيع استبعاد اليأس أو الحزن أو التأثر بانتحار أنطونيوس، لكنها ترفض اختزال القرار فى صدمة عاطفية؛ فقد كانت كليوباترا ملكة مهزومة تواجه نهاية حكمها، وسقوط أبنائها ومملكتها فى يد عدو سياسى.
ومن هنا يصبح الانتحار، فى القراءة النفسية الاجتماعية، قرارًا تشكّل عند تقاطع الشخصى والسياسى والثقافى، لا عرضًا يمكن استخدامه وحده لإثبات مرض نفسى.


يصل الكتاب فى قسمه السادس إلى أكثر أسئلته حساسية: هل توفر المصادر ما يكفى للقول إن كليوباترا كانت تعانى اضطرابًا فى الشخصية أو مرضًا نفسيًا؟
تراجع «أشتون» الصفات التى ألصقتها بها المصادر الرومانية أو الدراسات الحديثة، ومنها التلاعب بالآخرين، والسعى المفرط إلى السلطة، والعظمة، والاندفاع، والقسوة، واستخدام الجاذبية لتحقيق أهداف سياسية.
لكنها تضع كل صفة تحت الاختبار؛ فالسعى إلى السلطة ليس أمرًا استثنائيًا لدى ملكة ورثت العرش، واستخدام الصورة الدينية جزء من الوظيفة الملكية، والتخلص من المنافسين كان نمطًا معروفًا داخل البيت البطلمى، والتحالف مع رجال روما ضرورة فرضها ميزان القوى.
كما أن وصفها بأنها تلاعبت بقيصر وأنطونيوس يفترض مسبقًا أن الرجلين لم تكن لديهما مصالح أو قدرة على اتخاذ القرار، وهى فرضية تعفيهما من المسئولية وتعيد إنتاج الصورة الرومانية للمرأة الأجنبية الساحرة التى تفسد الرجل الرومانى.
وبذلك تصل إلى أن الأدلة لا تسمح بتشخيص كليوباترا تشخيصًا نفسيًا حديثًا، بل إن كثيرًا من السلوكيات التى استُخدمت لاتهامها بالاضطراب يمكن إعادة تفسيرها بوصفها استجابات ثقافية وتنفيذية ملائمة لحاكمة تعمل فى بيئة سياسية عنيفة.







