الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

قصيدة النثر المصرية.. التأسيس الثانى 3

أمجد ريـان.. الرومانسى أمام حوض كبير لغسل المواعين

حرف

- جوهر ما يبحث عنه الشاعر أمجد ريان هو التجديد الدائم ويتوقعه بشغف فى كل كتابة مغايرة 

- النزوع التجريبى لديه به شىء من الخوف.. الخوف من عدم اللحاق بقطار اللحظة الراهنة 

- تفاصيل عملية الكتابة الشعرية وطريقة إنتاج القصيدة من أهم الأغراض الشعرية

- يعتمد نوعًا من الكتابة الآلية المتدفقة فى عفوية حيث كل المفردات والكائنات مرشحة لدخول القصيدة

لو كان للبراءة اسم سيكون «الشاعر أمجد ريان» ولو كان للتمرد الدائم شعار سيكون أيضًا أمجد ريان، ولو كان للتحولات الشعرية العنيفة داعية أو حامل راية سيكون- دون أدنى تعارض- أمجد ريان، ولو كان للماضى أعداء وللمستقبل الغامض أنصار ومريدون سيحلون جميعًا فى أمجد ريان روحًا وجسدًا ومخيلة ولسانًا، أما الشعر، هذا الكائن نصف الملاك ونصف الشيطان، الفردوس والجحيم، النهر الزلال والتسونامى المدمر، الواحة والمعتقل، فلا يرى الشاعر أمجد ريان إلا النصف الجميل منه ولا يعترف إلا بالنصف المثالى فيه ولا يراهن إلا على النصف المدهش التلقائى المتدفق العاطفى الفوتوغرافى المرتجَل والمحمل بالأسئلة الفلسفية فى الوقت نفسه، والذى يمكن التحول عنه وإنكاره والتمرد عليه فى اللحظة التالية، هو نفسه يعبر عن ذلك فى أحدث دواوينه المعنون «أقشّر الاستعارات لكى أكوّن النص»: كثيرًا ما يحدث أننى أنحاز لرأى ما بحماسة شديدة، وبعد قليل أنحاز لعكسه بالحماسة نفسها- الديوان ص54.

نشر الشاعر أمجد ريان أول دواوينه بعنوان «أغنيات حب للأرض» عام ١٩٧٢، وبعده نشر دواوين «الخضراء» ١٩٧٨، «لا حدّ للصباح» ١٩٩١، «أيها الطفل الجميل اضرب» ١٩٩٠، «أمسّ كائنًا» ١٩٩١، «نوستالجيا» ٢٠٠٢، «بروفايل جانبى أمامى» ٢٠٠٦،«عن الإسراف فى الخيال» ٢٠١٢ و«البيوت الصغيرة» ٢٠١٣ وأخيرًا «أقشّر الاستعارات لكى أكوّن النص» ٢٠٢٦، وله أيضًا عدد من الدراسات النقدية منها «غالى شكرى بين الحداثة وما بعد الحداثة»، «من التعدد إلى الحياة.. قراءة فى نصوص شعرية جديدة»، «تبادلات الذات والواقع فى التجربة الرومانتيكية-عمر غراب نموذجًا»، «اللغة والشكل.. الكتابة التجريبية فى الشعر العربى المعاصر- علاء عبدالهادى نموذجًا»، «الصراع الجمالى بين المكتمل والمحتمل»، «رواية التحولات الاجتماعية- لا أحد ينام فى الإسكندرية لإبراهيم عبدالمجيد نموذجًا»، «فرجة جديدة.. بأى معنى.. قراءة فى أعمال نبيل خلف المسرحية للأطفال»، «درجة حرارة الغرفة- حيوية الوجود فى رواية عطلة رضوان لعبده جبير».

كما أصدر أمجد ريان عددًا من النشرات والمجلات الخاصة التى لعبت أدوارًا لافتة إبان صدورها مثل الكراسة الثقافية ١٩٧٨، كتابات ١٩٨٥، إبداعات ومواقف ١٩٨٥، الفعل الشعرى ١٩٩٣، أفق ١٩٩٤، والخطاب الهامشى ١٩٩٦، الأمر الذى يدل على فاعليته ونشاطه فى الحياة الثقافية

عندما صنف أبوتمام حبيب بن أوس الطائى ديوان الحماسة، اختار فيه- حسب ذائقته- أفضل ما ألفه الشعراء فى العصور التى سبقته «توفى أبوتمام ٢٣١هـ»، ولم يختر ما يوافق مذهبه الجمالى المعتمد على الصنعة والاستعراض اللغوى وقوة الفكرة بالدرجة الأولى، وإنما اختار مقاطع قوية العاطفة وحسنة السبك ورائقة المعنى، ولذلك احتلت «مختاراته» مكانة كبيرة وسط محبى الشعر وقرائه عبر العصور وعاشت حتى وقتنا هذا، ودائمًا ما كنت أتساءل لماذا أطلق أبوتمام على مختاراته «ديوان الحماسة»؟ رغم أنه يضم عشرة أبواب منها النسيب والهجاء والمدح والصفات والأدب «الحكمة ومكارم الأخلاق» كما صنف أبوابًا لـ«المُلَح» و«السير والنعاس»، لكن باب الحماسة كان أول أبواب مختارات أبى تمام وأطولها ويضم شعر الشجاعة والفخر والصبر فى المعارك، ولو قُدّر لى أن أصنّف مختارات للشاعر أمجد ريان لأسميتها بدورى «حماسة أمجد ريان»، وسأضمّنها أبوابًا عديدة فى الكتابة التلقائية والوصف الفوتوغرافى وكتابة اللاوعى والقصائد المدينية وقصائد المديح والرثاء والغزل وقصائد مصالحة العامية على الفصحى، وقصائد الحقيقة المطلقة، والقصائد المحتفية بالكائنات والجمادات، وقصائد المرذول من المفردات وقصائد المكان، لكن أول أبواب المختارات سيكون باب الحماسة أيضًا، لأنى لم أشهد الشاعر أمجد ريان على مدى أكثر من ثلاثين عامًا إلا متحمسًا شغوفًا بمرحلة جديدة من التحولات الشعرية، ولم أصادفه عبر هذه العقود إلا مغادرًا معركة ومستقبلًا معركة أخرى «معارك جمالية طبعًا» وفى هذا كثير من الشجاعة والفروسية والصبر والفخر، وفيه أيضًا نوع نادر من الثقة، وليدة الحماسة الفنية، ثقة العثور على الحقيقة المطلقة. 

الفنانون والأدباء يدركون معنى هذه الثقة، ثقة العثور على الحقيقة المطلقة لثوان يعقبها الشك العنيف، لأننا جميعًا نصادفها كومضات من نور خاطف تمتلك علينا أرواحنا ثم نسعى وراءها للإمساك بما يتبقى منها من رماد، وهذه عادة ما تكون الومضة الأولى للإبداع الذى يخطف الفنان ويتركه محيرًا متخبطًا فى آثار من النشوة والارتباك، نحن- الشكاكين- من الفنانين والشعراء نخبر ذلك جيدًا، ويا هناء من تدوم معه ومضة الإبداع لحظات يمسك فيها بأذيال النجوم والشهب الساقطة إلى الأرض، لكن الشاعر أمجد ريان وحده من يتحدث وكأنه استطاع تثبيت لحظة اليقين الجمالى وقد امتدت به لتستغرق أيامًا وشهورًا، ولذا هو دائمًا ما يبشرنا بمرحلة جديدة وجماليات جديدة وتصورات جديدة للقصيدة وعوالمها وآفاقها. 

الشاعر أمجد ريان بقدر ما يبشرنا بثقة كاملة بالمرحلة الجديدة من الكتابة الشعرية، والتعددية اللانهائية من التيارات والاتجاهات التى ستغمرنا فى المستقبل المنظور، لا يلتفت وراءه ولا يرفّ له جفن، عندما يسأله سائل عن المرحلة الجمالية التى كانت حاضرة حتى الأمس، وكأىّ قاتلٍ جمالىٍّ محترف، سيتبرأ من الأمس ومن اللحظة الماضية برمتها، باعتبار الماضى اكتمل وانتهى، وما عاد فيه مجال للتفاعل وإدراك ما فات، أما الحاضر فنحن نلوكه وندهسه بينما نتكلم ونكتب ونزدرد طعامنا ونقبل حبيباتنا فى ظلام السينما، إنما العبرة كل العبرة بالمستقبل الآتى، وهو ما يستحق الاستعداد والاستبصار والاستشراف والتبشير بما يحمله إلينا من مفاجآت إبداعية وتيارات كتابية لم نعهدها 

قد يتصور البعض أننى أنتقد النزوع التجريبى الدائم لدى الشاعر أمجد ريان، أو ألومه ولو بقدر على فيض التحولات التى يفاجئنا بها كل يوم، ويتكلم عنها بثقة النبىّ صاحب الرسالة، على العكس من ذلك، فأنا أغبطه وأرى مسعاه خلال أكثر من خمسين عامًا، هو مسعى الشاعر المخلص للشعر والنقد الأدبى، المتطلع دومًا لكل ما هو جديد والرافض لكل رجعية وثبات، وأرفض تشبيه البعض له بأنه ماكينة تدور على الفاضى والمليان أو وابور الطحين الذى يطحن كل ما يُقدم له، ولو ساد النموذج الذى يمثله الشاعر أمجد ريان فى حياتنا الثقافية، لانفتحت عشرات الأبواب الإبداعية أمام الباحثين عن الطريق، وصادف الشباب الطالعين مرشدين وأدلاء لمواهبهم الغضة يتعلمون منها على الأقل فى مرحلة التكوين الأولى، ولما وجدت الجماعات المتطرفة آذانًا صاغية بين تلاميذ الثانوية وطلاب الجامعات، ولتحول الشباب إلى الفنون بأنواعها يبحثون فيها عن أحلامهم وتحققهم الذاتى.

إن ما يمثله الشاعر أمجد ريان فى جوهره، هو البحث عن التجديد الدائم، التوق له وانتظاره بشغف وتوقعه فى كل أسلوب ناشئ وكل كتابة صاعدة وكل موضة أدبية أو شعرية، كما ينبئ مسعى أمجد ريان عن رفضه لما يشيع من أشكال الكتابة الشعرية ورغبته الدائمة فى الخروج عليها وإثراء متنها العام باقتراحات وتجارب مدهشة وجريئة، لكن التلقى الخامد وغياب وسائط النشر التفاعلية وتراجع دور المنتديات والصالونات الثقافية والمهرجانات الشعرية وكذلك بيوت ونوادى الأدب فى الجامعات، كلها أمور تجعل من النزعة التجريبية لدى الشاعر أمجد ريان صرخة فى صحراء ومحاولة فردية متكررة لا تجد ردود أفعال أو تقاطع معها على أى مستوى.

التجريب الدائم لدى أمجد ريان لا يتوقف عند الإنتاج الشعرى فقط، بل يتجاوزه إلى النظر النقدى، فهو من أغزر المنتجين للدراسات والكتب النقدية بين جيله والأجيال التالية عليه، وقراءة سريعة لفهرست أعماله النقدية ودراساته التطبيقية تفاجئنا بالعشرات من الدراسات والكتب موزعة بين القصيدة والقصة والرواية والفن التشكيلى، وهو على حماسته لا تفتر همته ولا تخور عزيمته ولا تفرغ حصيلته من المصطلحات والتعبيرات النقدية التى تلخص وتحيط بالأعمال الإبداعية التى يتصدى لتحليلها وتقديمها للقارئ، مسقطًا عليها الأسئلة من داخل نفسه القلقة الباحثة عن تجليات الجمال والجدة فى كل ما يصادف من آثار.

لكن هذا النزوع التجريبى التجديدى لدى الشاعر أمجد ريان به شىء من الخوف وعدم الاطمئنان، الخوف من ألا يكون مواكبًا معاصرًا، وهو خوف صادفه عديد من الأدباء والشعراء والفنانين، وبسبب منه غيروا جلودهم وتحولوا إلى كتابة أنواع وأشكال جديدة من الأدب والفن، كأنهم يخشون تقلبات الزمن، أن يتحولوا إلى صفحة ماضية مقلوبة ومغلقة كما حدث ورأينا مثلًا على مستوى القصة والرواية- بعد صعود جيل الخمسينيات الأدبى الذى رافق الثورة وتيارها الحماسى، وكيف انغلق الباب على أصابع كثير من كتاب القصة والرواية بعد أن كانوا نجومًا لامعين فى سماء الأدب.

الخوف من عدم المواكبة أو اللحاق بقطار المعاصرة والموضة والتيار قد يدفع إلى رفع شعار التجريب على الدوام، لكن المتجاوزين لهذا المأزق، هم من يدركون بالفطرة، بالوعى المعطَى، أن الزمن مصنوع، منتج من المنتجات فى خيال الشاعر والكاتب، وأن النهر السريع الجريان الذى نجلس على ضفته ونتأمل صفحة مياهه ونستلهم الكلمات من مويجاته المتتابعة، إنما هو صورة فى خيالنا، يمكننا أن نغير فيها إذا أردنا، وأن نثبت اللحظة التى نريد فى التيار، ومن ثم نثبّت الإيقاع الذى نضبط عليه آلات أرواحنا ونعزف إلى أن ننتهى.

فى ديوانه الأحدث «أقشّر الاستعارات لكى أكوّن النص- الهيئة العامة للكتاب ٢٠٢٦»، يقول أمجد ريان «وأنا منذ أن أستيقظ/ حتى لحظة وضع الرأس على المخدة/ أظل فى حالة تهيؤ للكتابة»- ص ١٦، وفى موضع ثانٍ من الديوان يقول: «ليست للكتابة أى شروط لدى/ بل أبدأ بالتعبير عن نفسى بشكل مباشر/ وأريد أن أنطلق من المحلية إلى الكون.. الديوان ص٥٨». 

وبين هذين المقتطفين، يمكننا رؤية الشاعر أمجد ريان يفتح عينيه وينهض من النوم، مستعدًا على الفور للاستجابة الحماسية لأول خاطر يطرأ على ذهنه، وهو كالعادة يكون مستعدًا بدفاتر من الأوراق وأنواع من الأقلام، وكذلك لا يستغرق ثوانى لفتح الكمبيوتر القديم الموجود على المكتب، وفى الوقت نفسه يبدأ بتحريك أصابعه على كيبورد اللاب توب المفتوح على حجره وهو يتناول رشفات سريعة من الشاى الصباحى متصفحًا التعليقات على بوستاته المنشورة بالأمس على صفحة فيسبوك أو تعليقات مدونته التى أهملها لسنوات، ومع أول فكرة أو عبارة تطرأ على ذهنه تبدأ الأصابع فى الرقص على أزرار الكيبورد مطاردة تلك العبارة الأولى لتتداعى وراءها المعانى والعبارات مثل شبكة صيد تغزل نفسها بنفسها وتمتلئ بالإشارات والرموز والأسئلة ما بين الصيحات فى الشارع خارج الغرفة أو أصوات الجيران وحواراتهم أو الأخبار المتدفقة من النشرة الصباحية ولون أردية النساء اللاتى يعبرن مجال الرؤية أو مجال التخيل فى هذه اللحظة.

الشاعر أمجد ريان يدرب نفسه كما تشى قصائد الديوان الأحدث وغيره من دواوينه السابقة على نوع من الكتابة التلقائية المتداعية، حيث يمزج فيها بين الأسئلة الفلسفية المختمرة فى ذهنه وبين الحس الفوتوغرافى الذى يوفر له مفردات كل ما يحيط به من كائنات أو جمادات، جنبًا إلى جنب مع ما يستدعيه بقوة الذاكرة من مفردات وشخوص نوستالجيا الزمن الماضى ومحطاته المتتابعة، لكن تظل العبارة الأولى والفكرة الأولى هى القاطرة التى تقود التدفق فى الكتابة إلى نهايته، على غرار ما رأينا عند الـ«Beat Generation» الأمريكى، آلن جينسبرج ووليم بوروز وطبعا جاك كيرواك، مع الكتابة السريعة وكل شىء صالح للدخول إلى النص دون توقف أو تعديل أو مراجعة للمشاعر والكلمات. 

هذه النوعية من الكتابة الشعرية تحمل طزاجة لا تخطئها العين وعفوية تؤطر القصيدة كما تحمل نوعًا من التسجيل التلقائى الفوتوغرافى للحظات من تيار الحياة فى مكان ما، لكنها العفوية المختلطة بالشوائب مثل مياه النيل المحملة بالطمى، ويمكننا بوضوح أن نرى ونلمس عكارة اللغة فى قصائد أمجد ريان، وأن نرى التنافر بين صوتيات العامية والفصحى المختلطة فى العناوين والمتون، ولا يخفى أيضًا تعمد الشاعر وقصديته لتأكيد أسلوبية شعرية تقوم على جمع المتناقضات فى مقاطع متدفقة يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

ينزع الشاعر أمجد ريان إلى كتابة تصويرية مغرقة فى الخيال الساخر أو الخيال النقدى أو الفانتازيا الكابوسية، حيث يرى اللحظات الواقعية بعيون مختلفة تعيد تفسير الواقع وتضعه فى مسار من العلاقات المدهشة عمادها الفانتازيا والكاريكاتير، لكن اللغة الفانتازية والانحراف التصويرى فى أسلوب الكاريكاتير إنما يحمل بلاغة خاصة ولغة تواصلية أقدر على الإفصاح من الوصف المباشر، فعندما يريد الشاعر أن يصف حركة الشارع المزدحم، يحول البشر الماشين إلى ياقات وأكمام تلفظها ماكينة خياطة ضخمة مع الضجيج الذى تعبر عنه مثل هذه الماكينة العملاقة، وكأننا فى مشاهد من الفيلم الشهير «The Matrix» والذى يحول المجتمع إلى مصفوفة أفقية ورأسية من البشر المتشابهين الذين يتم استنباتهم داخل حقول ضخمة ممتدة تديرها آلات عملاقة وظيفتها زراعة وحصاد أجساد البشر المستزرعين داخل كبسولات زجاجية مليئة بسائل لزج لامتصاص طاقتهم الحيوية.

يقول فى قصيدة بعنوان «هل تسمعون ضجيج ماكينة الخياطة؟»

هل تسمعون ضجيج ماكينة الخياطة؟

الشارع ياقات وأكمام، 

تسير أو تتداخل

الشارع يزدحم 

بالمزيد من الياقات والأكمام

تسير مهمومة كلها، 

وهكذا هى الحياة: ياقات تتحرك، 

وغطاء سماوى متجهم،

والنساء مشغولات فى المطابخ، 

يتحركن يمينًا ويسارًا، بأرداف كبيرة

وفى الأيادى كسبرة خضراء، وبصل، ولفّة مستكة

ويستمر العمل العارم، 

فى حجرات صغيرة مربعة، 

يسمونها المطابخ.

هذا المناخ الكابوسى فى «الماتريكس» لا يختلف كثيرًا عن المناخ السوريالى فى قصيدة أمجد ريان، فالبشر مجرد ياقات وأكمام تتحرك، لا علاقة لها بالوجود الإنسانى المتعالى، والحياة مجرد عملية طهو كبيرة تتم داخل حجرات صغيرة مربعة يسمونها المطابخ وبدلًا من الآلات فى الماتريكس، تظهر سيدات بدينات تحت غطاء سماوى متجهم وهن يطبخن الحياة وينتجن البشر المختزلين إلى ياقات وأكمام. 

ومثلما يوضح فيلم الماتريكس كيف تحولت الإنسانية إلى مجرد حقول وحواضن آلية لإنتاج الأجنة البشرية المشوهة بأيدٍ تشبه الزعانف، يطرح الشاعر سؤاله الوجودى المؤلم الذى يضىء مجال القصيدة

«وأسأل نفسى: هل تندفع البشرية إلى حافة الانقراض

أم أننا سنلحق بالحقيقة الغامضة؟».

نظرة الشاعر وتأويله للشارع المزدحم فى تلك المنطقة الشعبية، تحيل مباشرة إلى ما بعد الإنسانية، إلى ما نراه بأعيننا فى نشرات الأخبار وفى تصريحات الزعماء والمستعمرين الجدد، صراعات تدفع البشرية إلى الانقراض، حروب هدفها الاستغلال والسرقة، عدوان شرس على جميع مقومات الحياة أصلا، بما يدفع الأرض إلى الاحتراق والدمار ويدفع البشر إلى كتابة نهايتهم بأيديهم، أو ما يسميها أمجد ريان بالحقيقة الغامضة.

فى ديوانه الأحدث «أقشر الاستعارات لكى أكوّن النص- الهيئة العامة للكتاب ٢٠٢٦» نلاحظ توسع الشاعر أمجد ريان فى استخدام التعبيرات العامية الدارجة داخل سياق القصيدة، بصورة تبدو قصدية واعية، بهدف التوسع فى دمج الوعى اللغوى الفصيح النخبوى بالوعى اللغوى المعاش، وكأن الشاعر لا يريد فصلًا بين صورتيه صورة الشاعر الذى يرتدى ملابس الخروج ويركب المواصلات فى اتجاه ندوة أدبية أو أمسية شعرية يتحدث فيها بالفصحى الميسرة، وبين الرجل الجالس على كنبة الأنتريه ويرتدى تيشرت مكرمشًا وشورتًا واسعًا ويمسك كوب الشاى بيد بينما يدير قنوات التليفزيون بالريموت فى يده الأخرى، وليس غريبًا أن نجد من بين عناوين قصائده مثلًا «كم يبلغ قسط الغسالة الشهرى؟، فنجال قهوة على الريحة، مقص المطبخ مفتوح ومعلق تحت المطبقية، يصرخ بتاع الروبابيكيا بقوة».

لا يريد أمجد ريان فى هذا الديوان فارقًا بين الشخصيتين، شخصية الشاعر الذى يكتب القصيدة على اللابتوب مستخدمًا الفصحى الميسرة وشخصية الرجل الذى يشترى الخضروات من السوق أو يصحو من النوم بمزاج متعكر فيقرر عدم الخروج من البيت، وفى الحالتين يذهب فى جولات تأملية حرة فى الأبدية وكوكب الأرض وطبيعة حياتنا التى لا تختلف عن حياة أى كائن يسير على أربع فى الشارع المهجور فى ظهيرة حارة

«أنا لا شىء والكون كله لا شىء

قلت لسائق الميكروباص: على جنب ياسطى»، ص١٤ من الديوان 

ويقول فى قصيدة بعنوان «يصرخ بتاع الروبابيكيا حتى تنتفخ أوداجه»:

«والمرأة بشعرها القصير وجسدها الفرنساوى

خلبت لب كل المارين فى الشارع

أما المرأة المسمسمة التى لها وجه قطة 

فهى تعمل لطفلها فى الشارع باى باى»، الديون ص ١٦.

وفى قصيدة بعنوان «أيتها الأرض الطويلة: أنصتى لى» يقول:

«ودائمًا يفشل الإنسان 

ويطلع نقبه على شونة

يفشل الإنسان فى عمل أى شىء

ولا يملك إلا لسان 

يضرب مثل الفرقلة»، الديوان ص٢٢.

وفى قصيدة بعنوان «فنجال قهوة على الريحة» يقول:

«أتأمل الهجاصين والكذابين 

والناس النائمين فى أثناء المشى 

بينما المغنية غارقة فى شجونها 

وفى تسبيل عينيها»، الديوان ص٤٦.

جهد واضح وكبير من الشاعر أمجد ريان للوصول إلى لغة شعرية تلغى الحاجز بين الأدوار التى يمثلها الشاعر فى الحياة، دور الشاعر الذى يستعد ويتجهز قبل أن يتناول عدة الكتابة ليشرع فى تدبيج القصائد، ودور الزوج الجالس على الكنبة أمام التلفزيون فى يوم العطلة أو فى كل الأيام ودور الإنسان الخارج إلى المطعم ليشترى احتياجات الإفطار معرجًا على سوق الخضروات والماركت ليشترى ما يتطلبه البيت، دون أن يفقد للحظة واحدة آلة عقلة التى تعمل مقارنات بين حسه الوجودى هو الكائن المفكر فى الكون والعالم على الدوام والمهموم بمشكلة الإنسان، وبين كونه إنسانا مضطرًا أن ينسلخ من وعيه ليجارى الباعة الجائلين فى الشوارع.

محاولة الدمج بين العامية الدارجة والفصحى الميسرة فى ديوان أمجد ريان الأحدث «أقشر الاستعارات لكى أكوّن النص» ليس هو الدمج الوحيد الذى يستهدفه الشاعر، فهو يستهدف على مستوى خطاب القصيدة دمج التأملات الفلسفية العميقة مع نثار الأشياء وتتابع الأحداث اليومية المكررة والرتيبة والمشاهد الحياتية التى تجرى أمام عين الشاعر كيفما اتفق، وعلى غرار فرناندو بيسوا فى قصيدته الشهيرة «طبكيرية» أو دكان التبغ فى ترجمة أخرى، حيث يرصد بيسوا هزيمة الإنسان صاحب الوعى أمام تيار الحياة اليومى الملىء بالأحداث والنثارات الواقعية والشخوص العاديين الذين لم يسمعوا كلمة الميتافيزيقا ولم يهتموا بها من قبل، يقول بيسوا: «لا أساوى شيئًا ولن أكون أبدًا لا شىء/ لا أستطيع أن أرغب فى أن أكون لا شىء/ عدا هذا، أملك كل أحلام العالم فى داخلى».. ويقول أمجد ريان فى قصيدة «لماذا أنا حزين هكذا»: «أتحسس المشهد الواسع خلف الزجاج/ وأعلنها واضحة كالشمس: استعدادى للفشل دائم/ أنا لا شىء والكون كله لاشىء»، ص ١٤ من الديوان.

ويقول بيسوا فى موضع آخر من قصيدته: «نوافذ غرفتى، غرفة واحد من هؤلاء الملايين فى العالم/ لا أحد يعرفه/ وحتى لو عرف ماذا سيعرف عنه؟/ نوافذ مطلة على غوامض شارع يجتازه الناس باستمرار/.... بالمصير الذى يقود الكل فى عربة اللا شىء».

ويقول أمجد ريان فى قصيدة بعنوان «مرآة بيضاوية معلقة فى حجرتى»: «أنوار السيارات تضرب نافذتى طوال الليل/ وأنا أظل أعيد تساؤلى/ عن معنى استمرار الحياة/ أنظر بنصف عين باتجاه الهلوسة/ وأنظر بنصف عين باتجاه السحابات الغليظة التى تغطى السماء»، الديوان ص٤٥.

تأثير فرناندو بيسوا واضح فى الديوان، وكذلك تقنياته الشهيرة فى المزاوجة بين التأمل الفلسفى العميق وبين نثارات الحياة من حولنا، وهى التقنية التى توسع فى استخدامها ريان تقريبًا فى جميع قصائد الديوان ليجعل منها تيمة مكررة يمكن الإشارة إليها والإمساك بها كعدسة مكبرة يمكنها فك مغاليق القصائد التى تدور حول أزمة الشاعر الموزع بين أعمق الأسئلة الفلسفية وبين كونه مطالب بالانخراط فى عيش تفاصيل الحياة دون ميتافيزيقا.

يقول أمجد ريان فى قصيدة «يصرخ بائع الروبابيكيا بقوة حتى تنتفخ أوداجه»: «فى فترة سابقة كنت أبدأ الكتابة ببساطة ويسر، أما الآن فالأمر أصبح صعبًا/ ذلك أن القسوة غزت مجرى الحياة»، الديوان ص١٦.

ويقول فى القصيدة نفسها: «تريد الكتابة أن تخترق الزمن/ وأن تعيد تشكيل الأشياء/ تريد الكتابة أن تختبر حواس الإنسان/ تريد الكتابة أن تؤكد قيمة الجلوس على العشب لكى نحب الحياة أكثر/ تريد الكتابة أن تؤكدأننا نحن البشر/ كنا عراة يوم ولدتنا أمهاتنا/ وسنظل عراة حتى الشهيق الأخير»، الديوان ص١٨.

التفكير فى عملية الكتابة الشعرية، وطريقة إنتاج القصيدة، من أهم الأغراض الشعرية لدى الشاعر أمجد ريان، فهو هنا الشاعر صاحب الوعى الدوار الذى ينتقل من العالم الخارجى أثناء كتابة القصيدة وبنفس الشعور الفوتوغرافى يسائل القصيدة عن وجودها ومشروعيتها وعن الأسباب التى تؤدى بها إلى الظهور على الورق أو على شاشة اللاب توب، وكأن هذا الغرض الكتابى أحد المداخل المضمونة لاستدعاء الكتابة والانطلاق من هذه الفكرة إلى السياحة فى شئون العالم والنفس ودمج الأسئلة الفلسفية مع تيار الحياة المتدفقة بنا وفينا ومن حولنا. 

فى قصيدة «حين نرفض العالم.. نخرج اللسان ونمده للأمام «يقول: «ودائما أترك كتابتى سهلة/ وأجعل الكلمات شبابيك مفتوحة/ حتى يقبل القراء/ ولكن متى يحبنى القراء حبا شديدا/ ويختارون كتابتى من بين الكتابات الأخرى؟»، الديوان ص ٢٧.

وفى قصيدة «كل هذا الشوق العارم للحياة» يقول: «أريد أن أنقل الرقصة الحسية إلى قصيدتى/ وأجعلها تتصاعد/ أريد أن أمجد البنيان الجسدانى/ وأملأ المسافات الفارغة/ وأريد لقصيدتى أن تشتعل بالشك واليقين/ أريد أن أرثى بختى المائل/ وأن ألتهم صحن مهلبية المشمش/ الذى قدمته لى أختى حنان»، الديوان ص٤٩.

وفى قصيدة بعنوان «مقص المطبخ مفتوح ومعلق تحت المطبقية» يقول: «حين أبدأ الكتابة لا أعلم ما الذى سأكتبه؟/ أسأل نفسى عن الفرق بين السعادة الحقيقية والسعادة المتوهمة»، ص٦١. 

كأن اعتماد عملية الكتابة الشعرية نفسها غرضًا للكتابة، محاولة لتنظيم هذا النثار الكبير من المفردات والأشياء والكائنات، بعد أن سمح لها الشاعر بأن تدخل إلى رحاب القصيدة بمجالاتها التعبيرية ويكفى أن يلتقطها بعينه أو يتذكرها ليستدعيها ويوظفها فى القصيدة، ولكن المنظم لتلك النثارات والأشياء والمشاهد البصرية عادة ما يكون التفكير فى عملية الكتابة والوصول إلى مفهوم بشأنها يصبح مفتتحا للقصيدة، كما تتحول الأسئلة الفلسفية إلى أدوات مساعدة للانتقال من مقطع إلى مقطع من المشاهد اليومية والتداعيات.

البرىء.. يسأل بائع الروبابكيا عن الميتافيزيقا