الأحد 08 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

سيـرة الحشيش.. كتاب أمريكى يتبع رحلة المخدر الأشهر إلى «دماغ المصريين»

حرف

- المقريزى وثق انتشاره فى مصر مع قدوم طوائف صوفية وافدة من الشرق 

فى الفترة ما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، انشغل الكُتّاب العرب- بمختلف ألوان كتاباتهم- بظاهرة انتشار الحشيش، خاصة فى الأوساط الصوفية، لدرجة أنه أصبح موضوعًا للشعر والنثر والفقه فى معظم الدول العربية، وأصبح نافذةً لاستكشاف قضايا أوسع مثل حدود المتعة المباحة، وطبيعة حالات الوعى المتغير وممارسات الدين والسلطة.

حول ذلك، يكشف كتاب صدر عن جامعة هارفارد الأمريكية يحمل عنوان «الحشيش فى الشعر والنثر العربى» «Cannabis in Arabic Verse and Prose» ، تأليف آدم بريمر ماكولوم، وتشارلز ستانج الباحثين بالجامعة، والمقرر نشره خلال أشهر قليلة، عن عالم تلاقت فيه الآداب والفقه والتصوف والفكاهة حول نبات واحد مثير للجدل وهو «الحشيش»، مقدمًا بذلك لمحة استثنائية عن جوانب إنسانية للمجتمعات العربية والإسلامية قبل العصر الحديث. ويضم الكتاب بين دفتيه 220 صفحة، ويسلط الضوء على عالم أدبى رائع ويتمحور حول الحشيش فى المجتمع العربى خلال العصور الوسطى، ويطرح المؤلفان سؤالًا أعمق: كيف فهم العلماء والشعراء والفقهاء والمتصوفة المسلمون ظهور مادة ذات تأثير نفسى، تحدت الأعراف القانونية والممارسات الروحية والتقاليد الاجتماعية؟

 

تتنوع النصوص المجمعة هنا بين المناقشات الفقهية والسرديات التاريخية، وبين الطرائف الفكاهية والشعر الوجدانى المفعم بالنشوة، لتكشف عن خطاب حيوى ومتنوع بشكل مدهش حول موضوعات السُّكر والأخلاق والروحانيات والحياة اليومية.

كما تبرز بشكل خاص كتابات شخصيات مثل المقريزى وتقى الدين البدرى، إذ تسلط أعمالهما الضوء على كل من النقاشات الفكرية للنخبة والمواقف الثقافية الشعبية تجاه القنب فى الشرق الأوسط خلال العصور الوسطى.

ويُقدم الكتاب النصوص العربية والإنجليزية جنبًا إلى جنب، ومصحوبةً بتعليقات ومسرد للمصطلحات، ليفتح بذلك بابًا على أرشيف نادر يوثق التاريخ الاجتماعى والفكرى الإسلامى خلال تلك الفترة.

ويلفت الكتاب إلى أن عددًا من المؤرخين والفقهاء والشعراء وغيرهم ممن كتبوا بالعربية وجّهوا اهتمامهم إلى نبتة وافدة حديثًا آنذاك، وهى الحشيش، ملاحظين تأثيراتها النفسية وكيف انتشرت فى البداية بين الصوفيين، وتتناول هذه الكتابات أصوله واستخلاصه من القنب الهندى، ومن يستخدمه وكيفية استخدامه، ومسألة جواز استخدامه من عدمه.

وتتنوع هذه الأعمال بين السرديات التاريخية، والقصص الطريفة «التى تتسم أحيانًا بالفكاهة»، والملاحظات الفقهية، وكلها مدعومة باقتباسات شعرية، كما يضم الكتاب قسمًا شهيرًا للمؤرخ المقريزى «١٣٦٤–١٤٤٢» حول مصر، ومقتطفات من رسائل لكُتّاب أقل شهرة، وأهم نص حول هذا الموضوع فى تلك الحقبة الزمنية بقلم تقى الدين البدرى أو «الشاعر البدرى» «١٤٤٣- ١٤٨٩» 

ويرى الكثير من النقاد اللذين وصلتهم نسخة مبكرة من الكتاب، أنه ينجح فى تقديم مادة توثيقية تجمع بين سهولة الطرح والعمق الأكاديمى، فمن خلال الجمع بين الترجمة المقابلة للنص الأصلى والتعليق التاريخى، كما يسد فجوة بحثية متخصصة فى دراسات الشرق الأوسط فى حقبة ما قبل العصر الحديث، مبينًا أن الجدل حول المتعة والنشوة والرقابة الاجتماعية ليس وليد العصر الحديث.

ويشير الكتاب فى الجزء المتعلق بالكتابات التى تناولت أصول الحشيش واستخلاصه وشرعية استخدامه، إلى أن استخدامه كان موضوعًا للنقاش بين الفقهاء المسلمين قبل قرون عديدة من وصول التبغ من الأمريكتين، إذ كان يُنظر إليه باعتباره بديلًا للمشروبات الكحولية، ولكنه يشبهها أيضًا فى تأثيراته المُسكِرة.

وكما هو الحال فى اللغة الإنجليزية، شهدت لغات مثل العربية والفارسية والتركية انتشارًا لمصطلحات متعددة للإشارة إلى تلك النبته المثيرة للجدل، ومن أكثر هذه المصطلحات شيوعًا لدى العرب وهى كلمة «الحشيش»، وتحولت- كما حدث فى الإنجليزية- إلى مصطلحات «عامية» للإشارة إلى «القنب الهندى»، أما النصوص الإسلامية ذات الطابع العلمى، فقد استخدمت لفظ «قنب» بالفعل وهو مناظر ومباشر للاسم العلمى اللاتينى لـ«Cannabis».

واعتبر العديد من الفقهاء المسلمين القنب والكحول مادتين متماثلتين من حيث التأثير المُسكِر، ولذلك دعوا إلى تحريم الحشيش المستخرج من «الراتنج» لتلك النبتة، أسوةً بالخمر، ومن أقدم النصوص الفقهية العربية المخصصة تحديدًا لموضوع الحشيش كتاب «زهر العريش فى تحريم الحشيش» للفقيه المصرى الشافعى بدر الدين الزركشى «توفى عام ١٣٩٢م».

رغم أن الخمر محرم عمومًا فى الخطاب الفقهى الإسلامى، إلا أن استهلاكه كان شائعًا دائمًا فى قطاعات معينة من المجتمعات الإسلامية؛ ولا يختلف حال الحشيش عن ذلك.

على سبيل المثال تأسست الطائفة المتطرفة والسرية المعروفة باسم «الحشاشين» فى أواخر القرن الحادى عشر، ويُقال إنهم اكتسبوا هذا الاسم بسبب ممارستهم المتمثلة فى استخدام «الحشيش» لتهيئة أنفسهم نفسيًا قبل شن هجمات عنيفة على قادة سياسيين.

وفى القرنين الثانى عشر والثالث عشر، ازداد انتشار استخدام الحشيش، خاصة بين الجماعات الصوفية الأكثر ميلًا للتجربة، حيث استخدموه لإحداث حالات من النشوة الروحية أثناء ممارساتهم التعبدية، ومع مرور الوقت، ذاع صيته لدرجة أنه أصبح موضوعًا للشعر، وإن لم يحظَ أبدًا بالمكانة الشعرية المرموقة التى نالها الخمر، الذى ظل دائمًا موضوعًا مفضلًا لدى الشعراء المسلمين.

وبحلول القرن السادس عشر، كان الحشيش قد اكتسب شهرة واسعة جعلت العديد من الشعراء يصورونه كشخصية مجسدة فى قصائد حوارية تُعرف بـ«المناظرات الشعرية».

وفى هذه القصائد، يدور جدال بين الحشيش والخمر، حيث يطرح كل منهما الحجج التى تثبت تفوقه كمادة مؤثرة عقليًا، وتُعد قصيدة «الحشيش والخمر» للشاعر العراقى فضولى البغدادى أشهر هذه المناظرات.

وخلال تلك المناظرات الشعرية، كان يُنظر إلى الخمر بوصفها عنصرًا جوهريًا فى نمط الحياة المترف للنخب الاجتماعية، فى حين يُعد الحشيش مسارًا محتملًا نحو تجربة دينية راقية- وبالتالى نحو عالم أسمى- رغم ما ينطوى عليه أيضًا من مخاطر جسيمة على متعاطيه، وفى النهاية ينتهى المطاف بكلا المتناظرين إلى صراع مدمر لا يكاد ينتهى إلى حسمٍ واضح خلال تلك المحاورات الأدبية بين «المُدام والمخدر».

أما بالنسبة للجزء الذى يتناول السرديات والقصص التاريخية، والملاحظات الفقهية، والاقتباسات الشعرية والنثرية، فيضم الكتاب قسمًا مهمًا من العمل المؤثر للمؤرخ المصرى تقى الدين المقريزى الذى يحمل عنوان «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» المعروف أيضًا بـ«الخطط المقريزية» ويتحدث فيه بتفصيل كبير عن تاريخ دخول الحشيش إلى مصر، متبعًا مسار انتشاره وآثاره الاجتماعية والسياسية خلال العصرين الأيوبى والمملوكى.

ولفت الكتاب إلى أن المقريزى ذكر فى موسوعته أن ظهور «الحشيشة» كان فى حدود عام ٦١٨ هـ «القرن السابع الهجرى» على يد شيخ طريقة صوفية فى خراسان يُدعى الشيخ حيدر، ووفقًا لروايته، فإن «حيدر» خرج هائمًا فى الصحراء، فلاحظ نباتًا تتحرك أغصانه بهدوء دون وجود رياح، فتناول منه وشعر بالانشراح والسرور، ثم أمر أتباعه بتناوله لمساعدتهم على الذكر والعبادة، ولهذا السبب عُرف تاريخيًا باسم «حشيشة الفقراء».

وأرفق مؤلفا الكتاب الأمريكى، بعض الأبيات التى جاءت فى موسوعة المقريزى مترجمة إلى الإنجليزية ومفسرة، مثل البيت الافتتاحى لقصيدة شهيرة فى التراث العربى تنسب للشاعر الدمشقى محمد بن على بن الأعمى، يقول فيها: «دع الخمر واشرب من مُدامة حيدرٍ.. مُعَنْبَرة خضراء مثل الزّبرجدِ»، ويظهر هنا اهتمام الشاعر بـ«حشيشة الفقراء» أو «مدامة حيدر»، كما كان يُطلق عليها، ويفضلها فى شعره على الخمر.

ويروى المقريزى أن الحشيش دخل عبر الوافدين، وأن انتشاره فى مصر بدأ مع قدوم طوائف صوفية وافدة من الشرق «مثل الحيدرية والقلندرية»، بالإضافة إلى قدوم أتباع سلطان بغداد أحمد بن أويس الذين فروا إلى القاهرة تزامنًا مع الغزو التتارى، كما ذكر أنه بعد ذلك تمت زراعته علنية فى مصر، ولفت إلى أماكن زراعته فى القاهرة المملوكية.

وأشار إلى أنه كان يُزرع ويباع فى عدة مناطق وبساتين شهيرة مثل باب اللوق، وبولاق، كما كان «بستان كافور» الأسطورى- وهو بستان مصرى حقيقى يقع بالقرب من القاهرة- شهد بدايات زراعة الحشيش فى العصرين الأيوبى والمملوكى، وكان وجهةً يرتادها المسافرون والعلماء والشعراء ممن يتعاطون الحشيش.

كما كشف عن أنه كانت هناك طاحونة مخصصة لطحن الحشيش وبيعه فى حارة المحمودية بالقاهرة، وكانت تُفرض عليها ضرائب باهظة تصل إلى ١٦ دينارًا يوميًا، ما يعكس عدم تجريمه رسميًا فى تلك الحقبة، ثم حدث التحول المجتمعى بعد ذلك، وتغيرت نظرة المقريزى للحشيش وانتقد بمرارة تفشى الظاهرة ووصف النبتة بـ«الشجرة الملعونة».

ووفقًا للمقريزى، فقد حظر السلطان نجم الدين أيوب زراعته، وعاقب متعاطيه بخلع أسنانهم، ورغم هذه العقوبات القاسية، تزايدت شعبيته فى مصر بحلول القرن الخامس عشر، وأصبح يُباع علنًا فى الأسواق.

تطرق الكتاب إلى الأديب والشاعر تقى الدين أبوالبقاء البدرى الدمشقى القاهرى، وكتابه الشهير والمهم «راحة الأرواح فى الحشيش والراح»، والذى يوثق فيه تاريخ وثقافة تعاطى الحشيش داخل المجتمعات المترفة فى عصر المماليك، ويقدم رؤية أدبية وتاريخية واجتماعية لطبيعة النظرة إلى الحشيش والمخدرات والمسكرات فى التراث العربى الإسلامى بعيدًا عن الجانب الفقهى البحت.

وأشار المؤلفان الأمريكيان إلى أن كتاب «البدرى» يُعد أحد أشهر المصنفات الأدبية التاريخية التى تناولت ثقافة تعاطى الحشيشة والخمر فى التراث العربى، والذى جمع فيه العديد من المقتطفات النادرة والقصائد الطريفة التى قيلت فيها أو كُتبت تحت تأثيرها، حيث أوضح فيه أن تدخين الحشيش لم يكن شائعًا فى عصره «القرن الخامس عشر الميلادى»، بل كان المتعاطون يتناولونه فى شكل حبوب أو مخبوزات محلاة.

كما لفتا إلى أن «البدرى» كان من أوائل من أسسوا لـ«صورة الحشاش الأدبية» فى التراث الفكاهى، حيث رصدت نصوصه ارتباط الحشيش بـ«الشهية النهمة» للشراب والطعام، وسردت مقتطفات من أحلام المتعاطين الفكاهية، كأحلامهم بأرض شاسعة مصنوعة بالكامل من السكر والحلويات، بالإضافة إلى أنه لم يغفل عن تناول التحولات الاجتماعية؛ حيث كان الصوفية فى البداية يستعينون بـ«الحشيشة» كبديل عن النبيذ بهدف البحث عن والوصول إلى حالة الوجد، قبل أن يتحول الأمر إلى أدب مجالس يجمع بين الممنوع والمباح والطرافة الشعرية.

وأورد الكتاب الأمريكى حكاية وردت فى مختارات «البدرى» «راحة الأرواح فى الحشيش والراح»، وهى قصة رجلٍ من علية القوم فى بغداد يُدعى «ظهير الدين»، كان يعانى من الصرع والميلانخوليا، ثم استعاد وعيه بعد تلقى العلاج بالحشيش والاستماع إلى الموسيقى، ورغم أن نسبة هذه الحكاية إلى أبو بكر الرازى «٩٢٥م» تنطوى على مفارقة زمنية- إذ عاشت الشخصيات التاريخية المذكورة فى النص بعد نحو ثلاثة قرون من وفاة «الرازى» إلا أن القصة تبدو معقولة، ومع ذلك، لم يذكر الرازى، ولا أى طبيب آخر استخدام الحشيش لعلاج الحالات النفسية أو السلوكية، والواقع أن من عالج «ظهير الدين» فى هذه القصة لم يكن طبيبًا.

ووثق الكتاب الأمريكى ما كتبه «البدرى» عن على بن مكى موسيقى وشاعر بغدادى «نشط فى القرنين السادس والسابع الهجريين/الثانى عشر والثالث عشر الميلاديين»، وتأليفه قصيدة مطولة عن الحشيش.

وتتمحور القصيدة حول لقاءٍ غرامى حسى يجمع بين الشاعر والحشيش، إذ يُصوَّر الحشيش فى هيئة عروسٍ جميلةٍ ترتدى ثوبًا أخضر، وتُثير بطلّتها الحواسَ كافةً، بل وترتقى أحيانًا بالتجربة الحسية المألوفة إلى مستوى أسمى. ومثل فم المحبوبة وشذاها، وقال إن الحشيش يتميز بمذاقٍ يشبه العسل وعبيرٍ يفوح برائحة المسك، كما أنه أكثر نعومةً وسلاسةً من بشرة الفتاة الشابة العذراء، وهى إشارةٌ لتفضيل الحشيش على الخمر التى غالبًا ما تُصوَّر هى الأخرى فى هيئة عذراء.

كما جاء أن «ابن مكى» بادر بمخاطبة «ظهير الدين» بغية الترويح عنه وصرف انتباهه، ثم شرع فجأة فى الغناء، فتأثر «ظهير الدين» بتلك الألحان رغم كونه مقيدًا بالسلاسل بسبب مرضه، وعندما لاحظ «ابن مكى» ذلك، أخرج من كمه شيئًا مصنوعًا من الحشيش، وأخذ قطعةً لنفسه وقدم الباقى لـ«ظهير الدين».

فى البداية، رفض «ظهير الدين» لأنه لم يسبق له تناوله من قبل، لكن ابن مكى- بأدبه الجم ورقى طباعه- ظل يمتعه بأبياته الشعرية العذبة والمتحررة، حتى أقنعه تدريجيًا بتناول الحشيش، فعاد «ابن مكى» ليعزف على العود والدف وينشد قصائد رقيقة، ولم تمضِ ساعة حتى شعر «ظهير الدين» بتأثير الحشيش يسرى فى روحه وحواسه؛ فاستعاد صوابه ولام أهله لعدم مراعاتهم لما كان يعانيه من بؤس حاله.