الجمعة 16 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

فيها حاجة حلوة.. كتاب كوريون عن مصر: كانت قوة عظمى بينما روما تخطو خطواتها الأولى

حرف

- القطارات الحديثة رمز للتحول الحديث فى البلد الشرق أوسطى

- «أم الدنيا» ليست الأهرامات وأبوالهول بل دولة حديثة بكل معنى الكلمة

- «الكشرى» وجبة نموذجية.. والشاى المصرى يشبه قهوة «الأمريكانو».. وأهلها شغوفون بالفن الكورى

«اختر الرفيق قبل الطريق.. سأسلك طريقًا جديدًا مع مصر».. كلمات قالها الرئيس الكورى لى جاى ميونج، خلال لقائه مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى العاصمة سول، قبل أيام، وأثارت اهتمامًا واسعًا عبر وسائل الإعلام. هذا الاهتمام تزامن مع استقبال رائع حظى به الرئيس السيسى، خلال الزيارة، وجسده غناء أطفال كوريين للأغنية المصرية الشهيرة «فيها حاجة حلوة»، والذى استحوذ على قلوب الكثيرين، وسط انتشار كبير لفيديو غنائهم على «السوشيال ميديا»، باعتباره لفتة ودية مؤثرة للدبلوماسية الثقافية بين مصر وكوريا الجنوبية. ويُدرك الساسة والمسئولون الكوريون تمامًا دور مصر المهم على الساحة العالمية، ويجدون فيها شريكًا موثوقًا به فى الكثير من المجالات، وهو أمر معروف، لكن زيارة الرئيس السيسى، التى تُعد الأولى لرئيس مصرى إلى كوريا الجنوبية منذ 10 سنوات، أثبتت بشكل كبير هذا التقدير اللافت للانتباه.

وبالتزامن يرى المثقفون الكوريون أن الكتابة عن مصر، وفتح أعين وعقول الأجيال الجديدة على آفاق أدبية وثقافية متنوعة لحضارة تبلغ أكثر من 7 آلاف عام، أمر بالغ الأهمية، ما دفع دور نشر كورية رائدة لإصدار الكثير من الكتب عن مصر، خلال العام الجارى، أبرزها «مصر كما هى» و«رحلة إلى الثقافة المصرية: من سول إلى القاهرة»، وهو ما تسلط «حرف» الضوء عليه فى السطور التالية.

صدر كتاب «مصر كما هى» عن دار نشر «جرين رين بوكس»، فى ١٠ يوليو الماضى، من تأليف الصحفى الكورى المعروف هان سانج يونج، مراسل وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية الرسمية، والذى عمل فى القاهرة لمدة ٦ سنوات.

فى هذا الكتاب الجديد، يعرض «يونج» الجوانب المتنوعة عن مصر للتعرف عليها كما هى حقًا، مع تقديم نظرة متوازنة تجمع بين ماضى البلاد وحاضرها، متجاوزًا التركيز التقليدى المقتصر على الآثار القديمة.

يجسد الكتاب جوهر مصر، ويتناول كل شىء بدءًا من الإرث الحضارى القديم الذى لا غنى عنه، مرورًا بالسياسة والمجتمع والدين والثقافة فى العصر الحديث، وذلك من خلال منظور نابع من تجربة ميدانية مباشرة.

ويقدم الكتاب لمحة عن الحياة اليومية للمصريين، من خلال تناول موضوعات مثل نظام التعليم، والمطبخ، وثقافة المقاهى، وتقاليد الزواج، وفيه يعقد المؤلف آمالًا كبيرة ومفعمة بالمودة على إمكانات مصر الهائلة التى تغذيها موارد وفيرة مثل الغاز الطبيعى، وبيئة طبيعية خلابة، وقاعدة من الشباب الموهوبين الذين يفتخرون بكونهم «أحفاد الفراعنة»، علاوة على التحديات التى تواجهها مصر.

ومن خلال هذه الرؤية متعددة الأبعاد، يدرك القراء الكوريون أن مصر ليست مجرد بلد غامض مفعم بالأساطير القديمة، بل هى شريك عالمى يواجه قضايا مماثلة وينمو ويتطور جنبًا إلى جنب معنا.

ولذلك، بدلًا من التركيز على الآثار المحفوظة فى المتاحف، يقدم المؤلف هنا سردًا حيًا وواقعيًا، ينقل تفاصيل أزقة القاهرة وأسواقها الصاخبة، والمشهد الحضرى الذى تتخلله خطوط المترو الحديثة، وتاريخ نهر النيل، واقتصاديات قناة السويس.

ويتطرق أيضًا إلى المزيج الدينى والثقافى، فضلًا عن الشباب المصرى الشغوف بموسيقى «الكيبوب» والدراما الكورية، معتبرًا أن رؤية جيل شاب فى مصر يشعر بارتباط وثيق بكوريا الجنوبية يفوق ارتباطه بدول آسيوية مجاورة له، ويُبدى شغفًا كبيرًا بالثقافة والفن الكورى، تجعل هذا البلد، الذى كان يبدو بعيدًا، يبدو أقرب وأكثر ألفة.

ويشير المؤلف، فى كتابه الذى يقع فى ٢٦٥ صفحة، إلى التناغم بين الماضى والحاضر، مسلطًا الضوء ليس فقط على التراث الحضارى القديم مثل الأهرامات وعصر الفراعنة، بل أيضًا على جوانب السياسة والمجتمع والدين والثقافة فى مصر المعاصرة.

ويتناول الطاقة الحيوية لمصر، بالإضافة إلى الحياة اليومية لشبابها، متطرقًا إلى السحر المزدوج للمصريين الذين يرحبون بالغرباء بحرارة، حيث تأسرُك مشاعر الود لدى المصريين الذين يبادرون بابتسامات مشرقة بمجرد أن تقول: «أنا كورى»، وفق المؤلف.

كانج إن سوك
كانج إن سوك

ويصف هان سانج يونج مصر بأنها «بلد آسر لا يمكن التنبؤ بما سيحدث فيه»، مضيفًا: «إنها مكان للتجارب غير المتوقعة والمُحيرة أحيانًا، وفى الوقت نفسه تفيض بروح الجوار الدافئة، حيث يهبّ عدد من الأشخاص بحماس للمساعدة وتشمير سواعدهم إذا تعرضت سيارتك لثقب فى الإطار».

يوجه المؤلف سؤالًا للقراء: «هل تقتصر مصر على الأهرامات وأبو الهول فقط؟»، ثم يجيب: «لا، مصر أم الدنيا، تلك الأرض التى تحتضن تاريخًا يمتد لـ٧ آلاف عام، وتعيش واقعها فى الوقت الحاضر، هى بلد ينبض بالحياة، وليست مجرد مجموعة من الآثار القديمة».

ويضيف: «إذا كانت الأهرامات وأبوالهول والفراعنة هى كل ما يتبادر إلى ذهنك عند التفكير فى مصر، فأنت لا تزال عالقًا فى الماضى، وقد يفوتك بذلك التعرف على «أمة شابة»، بلد يضم شعبًا يعيش حياة مفعمة بالحيوية ويتطلع للمستقبل بتفاؤل».

ويواصل: «هناك أشياء تتجلى فى صورة جديدة كلما تعمقت فى معرفتها»، معربًا عن أمله فى أن يكون هذا الكتاب دليلًا لرحلة لا تقتصر على استكشاف جوهر مصر الحقيقى فحسب، بل تمتد لتشمل تاريخ الشرق الأوسط، فضلًا عن التاريخ والثقافة الإنسانية.

ويُكمل: «لولا مصر، لما وُجدت تلك الثقافة الرائعة التى نتمتع بها اليوم».

ويقول المؤلف مجددًا: «غالبًا ما نحصر تصورنا لمصر فى الماضى، ونفترض بسبل سهلة أن المعابد المهيبة والمومياوات والصحارى الممتدة بلا نهاية هى ما يحدد هوية البلاد بالكامل، لكن من خلال خبرة مباشرة امتدت لـ٦ سنوات ونصف من السفر والتجوال فى أرجاء البلاد، يكشف كتابى «مصر كما هى»، أن مصر ليست مجرد موطنًا للآثار القديمة فقط، بل هى مركز جيوسياسى يربط بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، ومكان ديناميكى ينبض بالطاقة الحيوية لشعبها البالغ عدده ١٠٠ مليون نسمة، وحيث تشكل فئة الشباب الغالبية العظمى من السكان».

ويحاول «يونج» أن ينقل فکر القارئ الكورى عن مصر، من أرض يلفها غموض ساكن إلى مكان يعج بالحياة النابضة، ساردًا قصة مصر «الحقيقية» المستمدة من معيشته ٦ سنوات على أرضها.

وتكمن أعظم نقاط قوة الكتاب فى طابعه المباشر، وارتكازه على التجربة الواقعية للأحداث، فقد وصل المؤلف إلى القاهرة بصفته مراسلًا صحفيًا خلال حقبة «الربيع العربى» المضطربة عام ٢٠١١. ومن ميدان التحرير إلى شبه جزيرة سيناء، عايش تاريخ مصر الحديث عن كثب ومن قلب الحدث.

ويشير المؤلف إلى أن مصر بلد التناقضات المدهشة، حيث تلتقى الحضارة القديمة بأحدث تقنيات المعلومات، فمصر ليست أمة تقف مكانها، قبل أن يُبرز التحولات التى تشهدها البلاد، من خلال وصف القطارات فائقة الحداثة التى أدخلتها مؤخرًا شركة «هيونداى روتيم» الكورية، كرمز معبر عن مصر فى العصر الحديث.

كما يستعرض النكهات المصرية الأصيلة التى يمكن العثور عليها فى كل زاوية من شوارع البلاد، بدءًا من طبق «الكشرى» المكون من مزيج الأرز والمكرونة والعدس والبصل المقلى مع الصلصة، واصفًا إياه بأنه «وجبة مصرية بامتياز، تجمع بين المذاق اللذيذ والتكلفة المعقولة».

ويُقرّب المؤلف القراء الكوريين أكثر من نمط الحياة المصرى عبر قصص عن «الشاى»، ذلك المشروب الأساسى الذى لا يفارق أيدى المصريين تمامًا كما هو الحال مع قهوة «الأمريكانو» لدى الكوريين، إلى جانب ثقافة الطهى التى تفضل الأطباق المقلية والمُشوّحة على الحساء نظرًا للمناخ الصحراوى.

ويرى المؤلف أن مصر طاقة ومستقبل وأمة شابة، وسيكون من الخطأ النظر إليها باعتبارها «أمة قديمة» فحسب، مؤكدًا أنها قوة كبرى وبلد يزخر بالإمكانات، قبل أن يصف طلاب الجامعات المصرية بأنهم مطلعون جيدًا على الثقافات الأجنبية، ويتمتعون بالثقة بالنفس، ولديهم شغف واضح بكوريا.

ويتألف الكتاب من ٥ أجزاء، تبدأ بمقدمة تعد بمثابة مدخل ودود يربط بين ماضى مصر وحاضرها، ثم الجزء الأول: «السلام عليك يا مصر»، والثانى «جوانب من الحياة المصرية»، والثالث «مصر عبر التاريخ»، والرابع «مصر من منظور ثقافى»، وأخيرًا الخامس «أماكن تكشف جوهر مصر».

 

تقدم كانج إن سوك، الكاتبة والناقدة الأدبية، مديرة متحف «يونجين» للأدب، فى كتابها «رحلة إلى الثقافة المصرية: من سول إلى القاهرة»، الصادر عن دار نشر «نانوك» فى ٣١ يناير ٢٠٢٦، نظرة متعمقة على الثقافة المصرية.

وتستند «سوك» فى كتابها إلى خبرة ورؤية إنسانية تمتد لأكثر من ٤٠ عامًا، لتضع يدها على الأسباب التى جعلت مصر تتخذ هذا الشكل الحضارى الفريد، وتطرح تحليلات حول الحضارة والدين والفن والسياسة مع تجاربها الشخصية فى التجول بكل أنحاء مصر ومشاهدة معالمها، واستشعار روحها الاستثنائية.

ويُعد الكتاب، الذى يضم بين دفتيه ٣٩٠ صفحة، أعمق طريقة لفهم مصر، إذ تأخذ المؤلفة القراء فى رحلة لفهم الحضارة المصرية القديمة كبنية متماسكة ونظام ثقافى متكامل.

وتستعرض بهدوء وتأنٍ كيف تضافرت عناصر شتى مثل الأهرامات والمعابد، والآلهة والفنون، ونظام الحكم والصحراء، والمدن والمعتقدات الدينية لتشكيل هذه الحضارة العريقة، مع المزج بين التفسيرات الإنسانية للحضارة والدين والفن والسياسة، وتجارب المؤلفة الشخصية فى التجوال والمشاهدة ومعايشة مصر وجدانيًا.

فالمؤلفة جابت مصر بشكل شخصى من أسوان إلى الإسكندرية، بمحاذاة نهر النيل وفق قولها، ووثقت رحلتها من منظور باحثة فى العلوم الإنسانية، ووظفت عقودًا من الرؤى العميقة فى العلوم الإنسانية لصياغة كتاب أدبى يتجاوز مجرد السجلات التقليدية للبلاد، ليقدم بدلًا من ذلك منظورًا حول تاريخ التطور الحضارى لمصر. وبذلك، يتجاوز القراء الكوريون مرحلة المشاهدة السطحية لمصر إلى فهم طبيعى وعميق للأسباب التى صنعت تلك الحضارة العظيمة.

وتعمل المؤلفة على أن يستكشف القارئ مصر كحضارة متكاملة، لا مجرد مجموعة من المعالم السياحية، كاشفة عن دلالات ومعانٍ تتجاوز بكثير مجرد كونها مناطق جذب سياحى.

وبمنهجيتها المميزة فى فهم الحضارة المصرية، مع طرح تساؤلات حول سبب وجود الأشياء على تلك الهيئة بدلًا من الاكتفاء بسرد ما تمت رؤيته، تقدم «سوك» منظورًا جديدًا لمصر يتجاوز مجرد تقديم معلومات تقليدية.

وتوفر الكاتبة سياقًا معرفيًا لمن يتعرفون على الحضارة المصرية لأول مرة، مع تقديم رؤى جديدة لمن هم على دراية مسبقة بها. وسواء قُرئ الكتاب بعد زيارة فعلية لمصر أو دون زيارتها، فإنه يتيح للقراء استيعاب الأهمية التاريخية والحضارية لما يُعد أطول كيان دولى «دولة موحدة» استمرارًا فى تاريخ البشرية.

وتشرح مؤلفة الكتاب كيف استمر نظام تلك الحضارة القديمة ليبقى ثقافةً حيةً نابضةً بالحياة، مع تفكيك رموز الحضارة المصرية القديمة باعتبارها نظامًا قائمًا على البنية والنظام الثقافى.

لذا، وبدلًا من الاكتفاء بسرد المواقع السياحية الشهيرة، يتتبع الكتاب بهدوء كيف تضافرت عناصر مثل الأهرامات والمعابد والصحراء والملكية والدين والمدن الإسلامية بشكل مثالى لتشكيل حضارة واسعة النطاق وإدارتها.

وترى المؤلفة أنه بحلول الوقت الذى عُقد فيه أول اجتماع على تلة «الكابيتول» فى روما، كانت مصر بالفعل قوة عظمى قد أتمت بناء أهراماتها ومسلاتها قبل ذلك بآلاف السنين، مؤكدة أنها كتبت هذا الكتاب لتشارك الآخرين تلك المشاعر العميقة التى انتابتها على ضفاف نهر النيل الغامض والجميل.

ويتكون الكتاب من حوالى ١٠ فصول جاءت معنونة على النحو التالى:

مقدمة: حضارة بزغت مكتملة التكوين

الفصل الأول: من سيول إلى القاهرة

الفصل الثاني: رحلة عبر الصحراء

الفصل الثالث: لقاء الله فى الصحراء

الفصل الرابع: ازدهار الفن فى الصحراء

الفصل الخامس: مشاهد من مقبرة الفرعون الشاب

الفصل السادس: رحلة إلى النوبة

الفصل السابع: رحلة نيلية

الفصل الثامن: الإسكندرية

الفصل التاسع: أهرامات الجيزة

الفصل العاشر: مصر الإسلامية