الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

كتالوج السعادة.. دليل صحفية بريطانية شهيرة لـ«حياة أكثر بهجة»

حرف

- إزالة الموبايل من جيبك تضبط مستويات هرمون «الكورتيزول» لديك

تعددت الأفلام والروايات التى تناولت رحلة هروب البطل أو البطلة إلى الريف كملجأ روحى عندما يعانى حياة المدينة أو أى سبب آخر، وفى النهاية تكون النتيجة الشعور بالسعادة واستعادة الاتزان، والتوصل لحلول المشكلات التى جعلته يلتجئ إلى الأرض البراح.

لكن هل يستطيع أى شخص منا الآن أن يترك كل شىء ويعيش فى مكان ريفى بسيط بعيدًا عن الأخبار السلبية والمحبطة التى نسمعها ونراها كل يوم، ونشعر بقلق مرير فى كل مرة نشاهد فيها نشرات التلفاز التى تزيد من الأرق والتوتر النفسى فى العصر الحديث؟ 

للإجابة عن ذلك السؤال، حاولت كيتلين موران، الكاتبة الصحفية البريطانية، أن تهرب إلى الريف، لكن للأسف تبين للكاتبة البالغة 51 عامًا أن المزارع النائية فى ويلز باهظة الثمن، وأنه لا يمكن لأى شخص لديه وظيفة أن يقطع مسافة 600 ميل سيرًا على الأقدام.

لذا، قررت «كيتلين» بدلًا من ذلك خوض رحلة استكشافية داخل المدينة التى تعيش فيها، لترى ما إذا كان بإمكانها كإنسان البقاء فى نفس منزله وشارعه ومدينته ومع ذلك يشعر بشعور أفضل تجاه هذا العالم الحديث.

وبعد عام كامل من تجربتها، تأكدت الكاتبة أن التفاؤل ليس مجرد شعور ننتظره، بل هو قرار وممارسة يومية، وألفت كتابها الذى يحمل عنوان «كيف تكون متفائلًا: عامى فى عيش الحياة ببهجة»، الصادر الخميس الماضى، عن دار نشر «بنجوين راندوم هاوس».

«حرف» تسلط الضوء على أبرز الأفكار والخطوات العملية فى الإصدار الذى يعد مرجعًا ودليلًا شاملًا لعيش حياة أكثر بهجة وتفاؤلًا، لتسردها على لسان مؤلفته الصحفية البريطانية كيتلين موران كما ورد فى الكتاب.

السعادة أمرٌ يجب ممارسته مرارًا وتكرارًا. تمامًا مثل غسل الملابس. أو ممارسة الجنس. إنها ليست حالة نكون عليها، بل فعلٌ نقوم به. صحيح أنه قد لا نتمكن من تغيير العالم بأسره، لكننا بالتأكيد قادرون على تغيير أيامنا، لذلك اتخذت قرارًا حاسمًا لتغيير أيامى واستعادة حيويتى وتفاؤلى والتغلب على القلق والتشاؤم اللذين كانا يغمراننى بشكل متزايد كل صباح.

كيتلين موران
كيتلين موران

وقد كتبتُ هذا الكتاب لأننا- بالفعل- بحاجة ماسة إلى شىء يحمل عنوان «كيف تكون متفائلًا» فى هذه اللحظة. لقد بدت السنوات الخمس عشرة الماضية وكأنها صدمة عنيفة هزت كياننا: «صعود ترامب، ونظريات المؤامرة، والأخبار الزائفة والكئيبة وحالات التشهير العلنى والإلغاء وإقصاء الآخر، وانقسام عائلات ومجموعات اجتماعية بأكملها بسبب خلافات أيديولوجية عميقة».

السؤال الذى يطرحه «فيسبوك» على صفحتى الرئيسية- «ما الذى يدور فى ذهنك يا كيتلين؟» - لو أُجيب عنه بصدق فى معظم الأيام، لكان الرد: «أشعر بضغط هائل وتشاؤم شديد يا مارك زوكربيرج. أنا شبه متأكدة من أن البشرية تسير فى الاتجاه الخاطئ. وأفكر فى أنه لو توفر لدىّ المال، لفعلتُ ما فعلتَه أنت: شراء مخبأ محصّن ضد نهاية العالم فى هاواى، والاستعداد لهجر الحضارة خلفى».

كان هذا بالفعل ما أستعد للقيام به، فقد قُبِل عرضى لشراء كوخ منعزل فى ويلز، وكنت عازمة تمامًا على إقامة بيوت زراعية بلاستيكية، وشراء بعض الماعز، ومجرد الهروب من كل شىء. ومع ذلك، وبمجرد الاطلاع على الأسعار، أدركتُ السبب وراء اقتصار امتلاك الملاجئ المخصصة للنجاة من «نهاية العالم» على المليارديرات من أباطرة التكنولوجيا، فالأمر مكلف للغاية حين يتعلق بتأسيس حضارة خاصة بك فى مكان ناءٍ ومن الصفر.

أدركتُ أن الكارثة الوحيدة ذات التأثير الهائل التى وقعت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية -أو نحو ذلك- تكمن فى الطريقة التى نتفاعل بها مع العالم، من يملى علينا ما يجب أن نفكر فيه، وكيفية طرحهم لذلك علينا. 

تلك الأجهزة «الهاتف الجوال والحواسيب المحمولة» فى جيوبنا التى ترفع مستويات هرمون الكورتيزول لدينا فى كل مرة نقرأ فيها شيئًا ما. وذلك الركام الرقمى الذى يفرزه الذكاء الاصطناعى، والأخبار الزائفة، وروبوتات الدعاية واللجان الإلكترونية.

بمجرد حذف تلك المصادر من هاتفك، تبدأ فى البحث عن الأخبار الجيدة- وهى موجودة بالفعل، كل يوم. يصبح لديك الوقت للعثور على الأشياء التى تحبها والدفاع عنها. وتدرك أنك لا تستطيع تغيير العالم بأسره، لكن يمكنك تغيير عالمك الخاص: حيك السكنى، والقضايا التى اخترت تبنيها. وحينها تبدأ فى الشعور بالتفاؤل.

بعد بلوغى سن الثامنة والأربعين بقليل، وإدراكى أننى أعانى إدمان القلق، قررتُ التخلى عن هذا الإدمان. كان أمرًا يثير فى نفسى رعبًا حقيقيًا، فقد أقنعتُ نفسى بأننى سأصبح شديدة الكسل والغباء وهشةً بلا حماية إذا تخلصتُ من القلق. وأن أطفالى سيكونون فى خطر ما لم أكن فى حالة يقظة مفرطة ومستمرة تجاه كل حركة يقومون بها.

فى البداية، قمتُ بالخطوة البديهية: زرتُ طبيبى وأخبرته عن معاناتى مع القلق. وعلى الفور، وصف لى عقاقير مهدئة وبدا مندهشًا لأننى لم أطلبها من قبل. قال وهو يدون ملاحظاتٍ سريعة فى دفتره: «هل تشعرين بهذا منذ ٣٠ عامًا؟» فأجبتُ بفخر: «منذ خمسة وثلاثين عامًا». 

وذات مرة، اضطررتُ لمغادرة مكتبى والذهاب إلى الحديقة مرارًا وتكرارًا، لدرجة أننى فى النهاية لم أتكبد عناء خلع معطفى أو حذائى. كنت أجلس على الكرسى بمظهر شخص مستعد للذهاب فى رحلة مشى لمسافات طويلة فى منطقة «البحيرات» إذ كنت أرتدى قبعة صوفية وكل ما يلزم لتلك الرحلة، بينما كان الجو باردًا جدًا فى الخارج. وكان قلقى عنيدًا.

كان القلق يهمس لى- وأنا جالسة فى الحديقة أمارس التنفس العميق وأرتشف شاى الأعشاب— قائلًا: «حسنًا... لقد تأخرتِ الآن فى إنجاز عملكِ. أنتِ تفسدين يومكِ حقًا. ستحتاجين إلىّ عندما تعودين إلى مكتبكِ، ستحتاجين إلى تلك الدفعة المفاجئة من الأدرينالين، وإلا فلن تتمكنى من كتابة أى شىء على الإطلاق. هل تذكرين سبب ظهورى فى المقام الأول؟ السبب هو أنكِ- دونى- بطيئة وكسولة. أنتِ من أردتِ وجودى». اتخذ اليوم طابعًا روتينيًا محمومًا: العودة إلى المكتب، تدفق الأدرينالين، النهوض من المكتب، الذهاب إلى الحديقة، العودة إلى المكتب، تدفق الأدرينالين... وهكذا دواليك.

أدرك تمامًا أن السهر حتى الواحدة صباحًا يمثل إغراءً هائلًا، سواء كان ذلك بسبب تصفح الأخبار الكئيبة بلا توقف، أو مشاهدة مسلسلات «نتفليكس» بنهم، أو الرغبة فى معرفة ما الذى سيفعله «السيد كاسوبون» فى رواية «ميدل مارش».

لكن فى الواقع، ينبغى النظر إلى هذه الأمور بالطريقة نفسها التى ننظر بها إلى الإفراط فى الشرب: إذ يجب عليك التوقف بحلول الساعة العاشرة مساءً. فتمامًا كما أن السهر فى الشرب يحرق يوم الغد، فإن السهر فى أى نشاط آخر، بخلاف النوم، سيقضى تمامًا على يوم الثلاثاء الخاص بك.

وجدت أن أفضل طريقة لمنع نفسى من فعل ذلك هى تذكير نفسى بعبارة مفيدة من ابتكارى الخاص: «من منظور وجودى: افعل الصواب فى الوقت المناسب».

والوقت المناسب للسهر حتى الواحدة صباحًا لمشاهدة مقاطع فيديو لامرأة تصنع تنانير داخلية وقمصانًا داخلية على الطراز الفيكتورى، ليس حين أكون متمتعة بلياقة بدنية معقولة ولدىّ وظيفة سأعود للعمل فيها بعد ٦ ساعات تقريبًا، بل حين أبلغ الـ٨٦ من عمرى، وأكون منهكة بآلام التهاب المفاصل وموصولة بمحلول «المورفين»، حينها ستقتصر حياتى بأكملها على الاستلقاء فى السرير ومشاهدة التلفاز فى وقت متأخر من الليل.

الهدية الحقيقية للنوم مبكرًا تكمن فى أنك تكتسب فجأة حق الدخول إلى «المملكة الذهبية»، أى الوقت الذى يسبق التاسعة صباحًا، أو «ذلك الجزء من اليوم الذى يسبق وصول بقية الناس وإفسادهم للأمر عليك».

لن يرسل لك أحد رسالة بريد إلكترونى قبل التاسعة صباحًا، ولن يتصل بك أحد. واعتمادًا على روتين عملك أو ترتيبات رعاية أطفالك، تُعد هذه الساعات المبكرة الوقت الوحيد فى اليوم الذى يمكنك فيه الانفراد بنفسك تمامًا وفعل ما يحلو لك. هذه الساعات تشبه إضافة طابق علوى جديد لمنزلك، مساحة جديدة ومفاجئة فى مكان تعيش فيه بالفعل.

ذكّر نفسك بأن الأنشطة التى يمكنك ممارستها فى هذا الوقت ليست واجبًا كئيبًا يفرضُه عليك «الآخرون»، سواء كانوا أطباء أو مدربين رياضيين، بل هى هدية رائعة تقدمها لنفسك فى الثامنة من مساء اليوم.

هل يبدو شريك حياتك اليوم غير جذاب جنسيًا على الإطلاق؟! هل يبدو العمل اليوم شاقًا ومقززًا بشكل خاص؟! هل يبدو العالم اليوم مصممًا خصيصًا لإثارة غضبك واستفزاز أعصابك لأقصى درجة؟! بالطبع، كل هذه الأمور يمكن أن تحدث، وتحدث بالفعل، ببساطة لأن الآخرين يتصرفون بطريقة سيئة أو فظيعة.

لكن ما لاحظته شخصيًا هو أنه فى كثير من الأحيان، عندما أظن أننى أمر بحالة عاطفية تتعلق بعامل خارجى، أكتشف عند الفحص الدقيق أننى أمر بما يمكن تسميته «لحظة تعاسة جسدية».

أشعر بالانتفاخ، بالسمنة، بالتعب، بالحزن تجاه شعرى. تؤلمنى ساقى. يضغط بنطالى بقوة على منطقة ما بين الفخذين. أشعر بأن مؤخرتى مترهلة وإسفنجية. باختصار: لقد تناولت طعامًا سيئًا للغاية، ولم أمارس أى تمرين، وحان موعد غسل شعرى، أو أننى منهكة تمامًا.

مع تقدم المرء فى الحياة، تتغير جذريًا نظرته لما يُعد اعترافًا مخجلًا أو مثيرًا للسخرية أو محفوفًا بالمخاطر. عندما كنت فى أوائل العشرينات من عمرى، كان من الصعب جدًا علىّ الاعتراف بحلم جنسى راودنى عن تونى بلير فى الليلة التى فاز فيها بانتخابات عام ١٩٩٧.

الآن، وأنا فى الـ٥١ من عمرى، أتردد فى مشاركة مدى حماسى الشديد عندما أتذكر أننى نظفت اليوم درج أدوات المائدة بالمكنسة الكهربائية بدلًا من ذلك. ولكن! يا له من شعور رائع! بالأمس، كان ذلك الدرج بمثابة مقبرة مقززة لبقايا فتات أصابع السمك، وحبات بازلاء شاردة ومتحجرة، وذبابة ميتة هنا أو هناك.

أما غدًا؟ عندما أنزل لاختيار ملعقة الإفطار لتناول الزبادى؟ حسنًا، سأنظر إلى عالم عجيب ولامع ومنظم يضم السكاكين والشوك والملاعق، وكلها نظيفة ومعقمة تمامًا مثل خزانة الأدوات الطبية فى المستشفى. يمكننى أن أتخيل أننى فى شقة راقية مستأجرة.