الأحد 30 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

من هنا نبدأ.. مؤرخ بريطانى: أول قلم فى التاريخ «صُنع فى مصر»

حرف

- سيمون جارفيلد يوثق لتاريخ التدوين عبر كتابه «سيرة القلم» 

- استخدام أدوات خشبية ومعدنية وألواح طينية فى تدوين العقود التجارية قديمًا

ظاهريًا ربما يكون القلم أبسط الاختراعات، مجرد عصا فيها حبر أو عليها، غايته لم تتغير عبر العصور، إلا أنه أحد أهم أدوات تقدمنا، ومن بين كل هذه الأدوات، هو الأكثر تواضعًا والأرخص سعرًا، لم يرافقنا شىء آخر- لا الأبجدية، ولا المطبعة، ولا الكتاب- لفترة طويلة بطول الحياة نفسها مثل القلم، فقد أقسم الخالق وعلَّم به فى سورتى «القلم» و«العلق».

ولطالما انتظر «القلم» كاتب سيرته، لكنه وجد أخيرًا فى المؤرخ البريطانى سيمون جارفيلد المؤلف الأمثل، الذى قرر أن يأخذ القراء فى كتابه الجديد «القلم: تاريخ إنسانى»، فى رحلة لتاريخ الكتابة والفكر والثقافة من خلال قصة القلم ودوره المحورى فى تشكيل حياتنا وحضاراتنا حتى القرن الحادى والعشرين.

فى السطور التالية، تكشف «حرف» عن أبرز تفاصيل الكتاب، كما تنشر مقتطفات منه يوثق خلالها مؤلفه «جارفيلد» تاريخ القلم وأبرز محطاته التاريخية.

يصدُر كتاب «القلم: تاريخ إنسانى» The Pen: A Human History فى ١٠ سبتمبر المقبل، عن دار «كانونجيت» للنشر ومقرها إدنبرة والحائزة على جائزة أفضل دار نشر بريطانية فى عامى ٢٠٠٣ و٢٠٠٩، لينضم بذلك إلى قائمة مؤلفات سيمون جارفيلد المؤلف الأكثر مبيعًا، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز».

والكتاب عبارة عن سيرة شيقة لأداة الكتابة، بدءًا من القصبة والريشة وصولًا إلى قلم آبل، الذى يعد علامةً راسخةً فى ثقافتنا المعاصرة، وكيف لا يزال يُشكّل أسلوب حياتنا فى العصر الرقمى.

ويكشف «جارفيلد» فى كتابه المكون من ٣٠٥ صفحات، كيف رافقنا القلم لآلاف السنين، إذ وقع القلم على إعلان استقلال الدول، ومعاهدات السلام، وهو تاريخ الحضارة، وتكنولوجيا الفكر نفسه.

وقال إنه فى آليات غرف الطباعة ورءوس أقلام الحبر الجاف، يكمن تاريخ الأفكار-من أبسطها إلى أروعها- ومن أحاديثنا وأساطيرنا، إلى أعظم تصريحاتنا وأعمق اعترافاتنا، مبينًا أن القلم هو أقدم صلة ملموسة والرابط الدائم بين الكاتب وكل من يستطيع قراءة كلماته وإبداعاته.

ويتتبع المؤلف تاريخ القلم المذهل عبر الزمان والمكان، ويتناول الأحبار والأدوات التى استخدمها العديد من الأدباء المحبوبين، فقد كتب تشارلز ديكنز وجين أوستن رواياتهما بريشة الكتابة، وفضل السير آرثر كونان دويل وجراهام جرين قلم «باركر دوفولد»، واستخدم إرنست همنجواى قلمى «مونت بلانك» و«مونت جرابا».

ويروى سيرة القلم بدءًا من القصبة القديمة مرورًا بالريشة، واختراع السن، والعصر الذهبى لأقلام الحبر السائل، وصولًا إلى ظهور قلم الحبر الجاف الذى حطم هيمنة الأقلام التقليدية.

وبالاستناد إلى تلك الأبحاث الثرية والمقابلات الحصرية، يقدم المؤلف طرحًا جديرًا بالاهتمام للمجتمعات من خلال تطور أداة الكتابة، ويأخذنا فى رحلة عبر الزمان والمكان، من موطن أقلام القصب على ضفاف النيل فى القرن الرابع قبل الميلاد، إلى مصانع «مونت بلانك» و«بيك»، وصولًا إلى أقلام آبل التى نستخدمها اليوم، ويُعرفنا على الرواد الذين أسهموا فى تطوير مختلف إصدارات القلم، مثل جوزيف بريستلى، الذى كان من أوائل من قاموا بتثبيت رأس فولاذى على ريشة الكتابة عام ١٧٨٠.

ويشير إلى بارثولوميو فولش، الذى ابتكر قلم الحبر ذى الخزان المعروف باسم قلم الحبر السائل أو النافورة عام ١٨٠٩ والذى يعود التاريخ المبكر لهذا الاختراع إلى عام ٩٥٣ فى مصر فى عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمى، ليصبح الجد الأكبر للأقلام الحديثة، وميلتون رينولدز، الذى قدم للعالم أول قلم حبر جاف «والذى كان يتسرب منه الحبر بكثرة».

وبرغم مرور كل تلك العصور وتطور التكنولوجيا الحديثة، يرى «جارفيلد» مستقبلًا واعدًا للقلم الذى لا يتوقف فى هذا العالم، مختتمًا كتابه بتفاؤل حيث لا يزال القلم يرمز إلى كل ما كُتب، وإلى كل الإمكانات الكتابية التى لم تُكتب بعد.

القلم شاهد صامت، وتجسيد للتمكين، فمع قلم فى يدك، يبدو أن الكثير من الأشياء ممكنة. إن تاريخ القلم هو أيضًا تاريخ الحضارة، فهو أداة العقل، وخادم آلياته اللامحدودة.

على أوسع نطاق، كل شىء يُعد قلمًا. فالقصبة قلم، بالطبع، وكذلك كل ضربة فرشاة أسست فن الخط فى الصين خلال عهد أسرة «تانج». والطباشير على السبورة قلم، وكذلك كل علبة رذاذ هزها كيث هارينج، وكل رسالة حُفرت على جدران «هيركولانيوم». كتلة المغرة التى رسمت نقشًا متقاطعًا فى كهف «بلومبوس» على ساحل كيب فى جنوب إفريقيا قبل أكثر من ٧٠ ألف عام «والتى يُعتقد، حتى وقت كتابة هذا النص، أنها أقدم نقوش بشرية» هى قلم. 

كذلك قلم «آبل»، على الرغم من اسمه، هو مجرد قطعة إلكترونية تُحاكى القلم. إنه فى جوهره كتابة، فى جوهره أداة، فى جوهره تكنولوجيا. إنه ببساطة سبب تواصلنا عبر السنين.

يبدأ تركيزى بالقلم والحبر، فكما القصبة التى نُسجت منها المخطوطة، فإن الأداة الخشبية أو المعدنية التى طبعت عقودها التجارية على ألواح الطين البابلية لم تترك لنا سوى القليل من الأمل فى سردٍ دقيقٍ أو مُتقن. 

يُركز الكتاب على الغرب، المنطقة التى أعرفها أفضل معرفة. وبالمثل، سأركز على أداة الكتابة لا أداة الرسم. 

لن أتطرق إلى ضربة الفرشاة الصينية، وباستثناء استخدام المشاهير لقلم شاربى، لن يكون هناك الكثير عن قلم اللبدى أو قلم التحديد «المعروفان بالماركر»، فقصصهما مملةٌ كشكل سنونهما. 

أما قصة القلم فى الحرب، على النقيض فهو يُمثّل سلاحًا فكريًا وتوثيقيًا موازيًا للسلاح المادى، وأداة للمقاومة الفكرية، وتوثيق الجرائم، ونقل الحقيقة، وعادة ما يُنظر إليه على أنه الخالد بعد انقضاء المعارك لصياغة التاريخ وتشكيل الوعى، وولادة قلم الحبر الجاف واستخدامه، فهى أشبه برحلاتٍ مُتعددة المسارات فى مدينة ملاهٍ.

اليوم، يحق للمرء أن يتساءل، وبكل حق، ما إذا كان يحتاج إلى قلم أصلًا. هل هذا الكتاب وثيقة تاريخية أم أنه يتناول الحاضر؟ لطالما أحببتُ الهواة - معرفتهم الدقيقة، وهواجسهم الرائعة- لكن معارض الأقلام تُشبه معارض الطوابع والخرائط هذه الأيام: لن تصادف الكثير من المراهقين، ولن تصادف فى الواقع الكثير ممن هم دون الخمسين. 

كانت فكرة جمع أقلام الحبر فى صغرى مثيرة للسخرية، أشبه بجمع كرات القدم المثقوبة فى الملاعب. بل كان المرء يفقدها، ويلعنها، ويتخلص منها بأسرع ما يمكن ليستبدلها بقلم حبر جاف. شعرتُ بالشىء نفسه من العشرينات إلى الخمسينات من عمرى، وهى فترة كنتُ أجمع فيها أشياء أخرى، كأسطوانات الموسيقى والطوابع والخرائط.

لكن جمع الأقلام لا يقل أهمية عن أى شىء آخر فى تحديد ماضى المرء، وفكرتُ أن جمع القصص المتعلقة بالأقلام قد يكون وسيلة شيقة لدراسة كيفية الحفاظ على تاريخ هذه التقنية تحديدًا فى عالمنا الرقمى. 

كيف يُشرح سن القلم المطلى بالذهب لطفل فى العاشرة من عمره فى متحف برمنجهام للأقلام؟ كيف يُخلد ذكرى قلم الحبر الذى وقّع معاهدة السلام لإنهاء الحرب العالمية الأولى؟ كيف يمكن ربط جين أوستن والملك تشارلز ودونالد ترامب إن لم يكن من خلال قلق مشترك تجاه أدوات الكتابة الخاصة بهم؟

كلما ذكرتُ موضوع هذا الكتاب لأصدقائى، تذكر الجميع أيام دراستهم. لم يفكر أحد فى أقلام الحبر الجاف، بل فكر الجميع فى أقلام الحبر السائل، تلك الأقلام التى تعلموا الكتابة بها واستخدام حروف الجر، تلك التى كانت تصنعها فى الغالب شركتا أوزميريد وبلاتينيوم اللتان اندثرتا ثم اندمجتا، والتى كانت تلطخ أصابعهم. 

كنت مخطئًا بشأن معارض الأقلام. لم تكن المعارض التى حضرتها مكتظة فقط بالشباب المتحمسين- حسنًا، أولئك الذين فى الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، لم يكن هناك مراهقون بعد- الذين يعودون إلى الأدوات التناظرية الكلاسيكية بقوة «الكثير من الأحبار والدفاتر الجميلة إلى جانب الأقلام».

كانت هذه الصناعة بعيدة كل البعد عن الموت، وهو ما يؤكده انتشار متاجر مولسكين وغيرها من متاجر الأدوات المكتبية المتخصصة المزدحمة فى شورديتش، ولو ماريه، ونوليتا. 

ثم هناك الحماس الشديد على الإنترنت. تضج صفحات كثيرة بمواضيع تبدأ بعبارات مثل: «أقلام الحبر تجعلنى أعشق الكتابة أكثر» و«اشتريت أول قلم حبر حقيقى لى اليوم من معرض فيلادلفيا للأقلام!». 

أخبرنى الباعة فى المعارض أن هذا الإقبال على أقلام الحبر كان واضحًا منذ عقد من الزمان تقريبًا، ولا يبدو أنه سيتراجع.

تتجاوز صناعة الأقلام العالمية حجم صناعة الشموع العالمية بقليل «حوالى ١٨ مليار دولار» فى عام ٢٠٢٤ مقارنةً بـ١٤ مليار دولار للشموع، وفقًا لشركة الاستشارات «كوجنيتيف ماركت ريسيرش»؛ وهذا يشمل الأقلام الحبرية فقط، بينما تُضيف الأقلام الرقمية ٥ مليارات دولار أخرى. 

وتشير التوقعات إلى نمو مطرد، ومن دواعى السرور أن الأقلام تشترك مع الشموع فى بعض الخصائص، فهى لم تعد عنصرًا أساسيًا فى الحياة العصرية، وكلاهما يُضفى لمسةً روحيةً مميزةً على ظاهرة «هيجى» التى انتشرت فى أوائل القرن الحادى والعشرين.

بالنسبة لى، يتحول الاهتمام الأكاديمى بالأقلام بسلاسة إلى استهلاكها. فبعيدًا عن تاريخها وفائدتها، يُعد القلم المتوازن جيدًا متعةً حقيقيةً عند حمله. إن شراء قلم- حتى لو كان من إنتاج مصنع متقن مثل «لامى سفاري»- يُتيح لك تجربة شعور بالرضا التام بأسعار معقولة. 

فى نهاية زيارتى إلى «مونت بلانك هاوس» الرائع فى هامبورج، كدتُ أقتنع بأن قلم الحبر أداة أساسية فى الحياة. لكن الحقيقة غير ذلك. لا أحد- حتى الرئيس الذى يُنصّب نفسه فى منصبه أو الملك تشارلز الثالث الذى يُنصّب نفسه ملكًا- يحتاج إلى قلم حبر من «مونت بلانك»، فضلًا عن قلم يبدأ سعره من ٥٥٥ جنيهًا إسترلينيًا ويرتفع بشكلٍ جنونى. 

قلم «بيك» يفى بالغرض: ٢٦ بنسًا للواحد إذا اشتريت علبة من خمسين قلمًا. وكان فى الماضى رائعًا فى لفّ أشرطة الكاسيت. كيف وصلنا إلى قلم الـ٢٦ بنسًا؟ هذا أيضًا محور هذا الكتاب.

فى هذه الأيام، بالطبع، تتراجع أقلامنا أمام هواتفنا. ستستمر الأجهزة الرقمية والذكاء الاصطناعى فى إيجاد طرق أكثر قوة وربحية لجعلنا ننقر على لوحات المفاتيح والشاشات. 

إنّ المتع البسيطة التى تعود إلينا عندما نقاوم- كالتصاق الحبر الفريد بالورق، وبطء تدفق أفكارنا- قد تنقلب رأسًا على عقب أحيانًا عندما ندرك مدى سوء خطنا، لم يكن رائعًا قط، ولكن الآن ثمة شىء مخيب للآمال حقًا فى أظافرى المقضومة عندما أستخدم قلمًا متقن الصنع، وكأننى أخون عادة مثالية بأخرى سيئة. 

لكن السعادة التى أستمدها من الكتابة فى دفترى، وصوت الرسالة المكتوبة بخط اليد وهى تسقط من تحت الباب، تتجاوز الإحراج. لم نفقد هذا الفن، رغم جاذبية «الآيباد» والهواتف القابلة للطى.

قبل أن توحى وسائل التواصل الرقمى الجماهيرية بأن اللعبة قد انتهت «وهو اعتقاد خاطئ، كما يوحى المزاج السائد»، اعتادت شركات الأقلام الإعلان عن منتجاتها بادعاءات خيالية. 

كان لا بد لهم من ذلك: كيف يمكنهم التميز فى سوق يبيع فيه الجميع تقريبًا الشىء نفسه؟ لذا، يُقال إن رءوس أقلام «ووترمان» كانت تكتب لمسافة ٣٨ ميلًا قبل أن تظهر عليها علامات التلف. 

صنعت شركة أقلام «شيفر» «القلم الوحيد فى العالم المصمم علميًا لتحقيق التوازن». وطلبت شركة «إيفرشارب» من الناس «تخيل قلمًا لا يزيد طوله كثيرًا عن السيجارة.. مصمم بدقة متناهية بحيث يمكنك الكتابة من أى زاوية!»، ودفعت للنجم همفرى بوجارت للترويج له. 

جميع الكُتّاب، كجميع الحضارات، يميلون إلى التطور مع تطور أدواتهم. لطالما فرض القلم، بجميع أشكاله، سرعة الكتابة وإيقاعها، وربما سرعة التفكير وإيقاعه أيضًا. 

وقضى قلم الحبر السائل على مشكلة تخزين الحبر، لكنه لم يُلغِ الحاجة إلى مسح الحبر أو منع تسربه، بينما كان قلم الحبر الجاف يُنظف كل شىء. لم تتزامن تقنية القلم مع نمو مستوى التعليم فحسب، بل سهّلته أيضًا، فى حين ضمنت التحسينات فى إنتاج الحبر وموثوقيته استمرار نتاج هذا التعليم.

وعلى الرغم من المتعة الكبيرة التى أشعر بها عند حمل قلم واستخدامه، إلا أننى أدرك أن وصف شىء بطول خمس أو ست بوصات قد يكون أمرًا صعبًا، بل ومملًا. 

حاولت الإجابة عن أسئلة: ما هى أهم المحطات المفصلية فى تاريخ أدوات الكتابة، وما هى أكثرها إثارة للاهتمام؟ ما رأى فرجينيا وولف وجوليان بارنز فى أقلامهما؟ لماذا يُعتبر قلم «باركر ٥١» أفضل قلم على الإطلاق؟ كيف تُستخدم الأقلام أحيانًا فى أعمال عنف، قد تكون مميتة؟ وكيف يبدو الوضع داخل مصنع «بيك» فى مدينة مارن لا فاليه؟ 

هل القلم هو أكثر الأشياء التى نفقدها ونستعيرها فى حياتنا؟ ولماذا؟ كنتُ أحتفظ بقلم ثمين على مكتبى، وأضعه فى علبته عند السفر، ومع ذلك، حتى مع الحرص الشديد، كنتُ أفقده مرات أكثر بكثير مما أفقد المفاتيح أو الهواتف أو الكتب أو حتى النقود. 

أحيانًا، كانت الأقلام الثمينة تظهر بعد شهور أو سنوات، ولم تكن قد ذهبت بعيدًا -فى قاع حقيبة، حافة درج، ثم تعود للكتابة كما كانت دائمًا، حتى أقلام الحبر السائل، وبعد أسابيع قليلة، تعود لتختفى من جديد. 

لذا، هى تُوضع فى غير مكانها بدلًا من أن تُفقد، فترة غياب، إجازة. وإذا فُقدت، فماذا فى ذلك؟ إن لامبالاتنا هى التى تُبقى صناعة أقلام الحبر الجاف مزدهرة، والمحيطات مليئة بالبلاستيك.