الأحد 05 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

تأليف: مدمن سابق..

يوميات متعاطىّ مخدرات حول العالم: «التعافى ممكن»

حرف

قبل أيام قليلة بدأ صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى فى مصر تنفيذ مبادرة جديدة تحت عنوان «شوفها.. قبل ما تجرب تعيشها»، والتى تتضمن تقديم محاكاة لتجربة الإدمان باستخدام تقنية «الواقع الافتراضى»، فى إطار رفع الوعى بمخاطر هذه الظاهرة الخطيرة.

التحرك المصرى يعد ضمن تحركات واسعة يشهدها العالم الآن ضد الإدمان، خاصة بعدما أصبح الحديث عن الإدمان والتعافى، فى عام 2026، أكثر انفتاحًا من أى وقت مضى، ما أدى إلى زيادة عدد الباحثين عن المعلومات المتعلقة، ومشاركة المزيد من المؤلفين تجاربهم الشخصية بكل صراحة، وإتاحة المزيد من الأبحاث فى صيغ سهلة الفهم للقراء العاديين.

بعض كتب وإصدارات هؤلاء الباحثين والمؤلفين عبارة عن مذكرات شخصية، والبعضر الآخر قائم على أسس علمية، بينما النوع الثالث عبارة عن كتيبات عمل مُصممة للتفاعل النشط، لعل أحدثها «مذكرات مدمن مخدرات سرى»، الصادر عن دار نشر «هاربر كولينز» ذائعة الصيت، فى مارس الماضى، إلى جانب كتب حديثة أخرى، تسلّط «حرف» الضوء على أبرز ما جاء بها فى السطور التالية.

صدر كتاب «مذكرات مدمن مخدرات سرى: الإدمان والاعتماد والتعافى»، فى مارس الماضى، عن دار نشر «هاربر كولينز» ذائعة الصيت، والتى لم تكشف عن هوية كاتبه، وذلك لإبعاد وصمة العار عنه إذا ما تم نشر اسمه.

يكشف الكاتب عن رحلته من الإدمان إلى التعافى، وكيف نشأ فى كنف أسرة مضطربة، ولم تكن الحياة سهلة عليه. وبحلول الـ١٩ من عمره هدد تعاطيه المزمن والمكثف للمخدرات حياته ومسيرته المهنية. لكن بعد دخوله مركز إعادة التأهيل وخضوعه لبرامج علاجية متنوعة، تمكن من التخلص من الإدمان وبدأ حياةً خالية من المخدرات يومًا بيوم.

حاول الكاتب أن يشارك قصته من خلال هذا الكتاب، المكون من ٢٨٨ صفحة، والموجّه لكل من يعانى من الإدمان أو يشك فى وجود مشكلة لديه، بالإضافة إلى توجيهه للعائلة والأصدقاء الذين يعيشون تبعات الإدمان ويرغبون فى معرفة المزيد عن هذه الكارثة، وكيفية الحصول على المساعدة.

الكتاب ملىء بالأمل والواقعية، ويُظهر أن رحلة التعافى من إدمان المخدرات والكحول والطعام والجنس والقمار وغيرها ممكنة، مع إتاحة فهم أعمق لحياة أحد مدمنى المخدرات، الذى ذكر أن الخلل لا يبدأ فى طفولة الشخص فحسب، بل ربما فى طفولة جده الأكبر، موضحًا أنها «مأساة موروثة»، فعادةً مدمنو المخدرات يعانون من الوحدة، لذا فإن من يبيعون ويصنعون المخدرات يزيدون من وحدة الكثيرين.

ويؤكد المؤلف أن الوحدة هى سبب الإدمان، وهى أيضًا نهاية كل مدمن، مضيفًا: «يموت المدمنون وحيدين، يموتون صغارًا، ينقطع عنهم الأصدقاء، لا يحضر جنازاتهم إلا القليل، ويختفون تمامًا. لا أحد يتحدث عنهم، ولا أحد يتحدث عن الأثر العظيم الذى تركوه فى حياتهم، ولا عن الخسارة الفادحة التى تُمثلها وفاتهم. فهل تريد أن تموت وحيدًا؟!».

الكتاب يعد مذكرات ويوميات منقسمة إلى قسمين، الأول يوثّق المؤلف فيه بالتفصيل رحلته فى إدمان المواد المخدرة والجنس والكحول المزمن، مدفوعًا بتاريخ عائلى مضطرب، ثم يوضح نقطة التحول التى بدأت فى سن الـ٢٩ حين أدرك خطورة الإدمان على حياته.

أما القسم الثانى فيركز على إعادة التأهيل وبرامج العلاج والتعافى اليومى، بالإضافة إلى تقديم نصائح عملية. فعلى عكس السِير الذاتية والمذكرات التقليدية، يُعد الكتاب بمثابة «دليل للمتعافين» يشرح آلية الإدمان ويقدم رؤى قيّمة حول كيفية الحصول على المساعدة.

الكتاب نال استحسانًا كبيرًا، لأنه يقدم نظرةً واقعيةً وصريحةً، بل وساخرةً أحيانًا، على حقائق الإدمان، وقد أشاد به النقاد والقراء لصدقه الشديد وسهولة فهمه. كما أنه يلامس واقع أولئك الذين قد يكافحون الإدمان، ويؤكد دور الأحباء والمقربين، ليكون بذلك مصدرًا لا يُقدّر بثمن للأصدقاء والعائلة الذين يسعون لفهم خطورة ما يعيشه المدمن واكتشاف كيفية دعم شخصٍ ما فى رحلة التعافى.

جافين ديكسون
جافين ديكسون

الكتاب الثانى المتعلق بقضية الإدمان هو «الشيطان: يوميات مدمن»، المكون من جزءين، الأول صدر فى يناير الماضى، والثانى فى يونيو المنقضى، وهو الكتاب الأكثر مبيعًا على «أمازون» فى فئة «الإدمان والتعافى»، ولاقى صدىً واسعًا لدى القراء فى جميع أنحاء العالم، ووصفه الكثيرون بأنه غيّر حياة المدمنين والآباء والشركاء والعائلات المتضررة من الإدمان.

لم يخفِ المؤلف اسمه، وبدأ كتابه بقوله: «اسمى جافين ديكسون، وأنا مدمن»، موضحًا أنه بينما كان غارقًا فى الإدمان، بحث عن كتب تعكس ما كان يعيشه، لكن ما وجده كان إما كتيبات علاجية ذاتية كتبها أشخاص لم يختبروا الإدمان قط، أو مذكرات مشاهير مُنمّقة تهدف إلى بيع النسخ لا إلى قول الحقيقة، ولم تُلامس هذه الكتب واقعه مع الإدمان، لهذا السبب كتب «الشيطان: يوميات مدمن».

يقول المؤلف فى كتابه المكون من جزءين، وكل جزء يتضمن حوالى ٢٩٠ صفحة، إنه بحث مطولًا قبل كتابته فى كيفية تأثير الإدمان والصدمات النفسية واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط والقلق والاكتئاب والحزن والضغط النفسى على القراءة والتركيز، مشيرًا إلى أن الجزء الأول يُقدّم مدخلًا مُبسطًا للقصة، بينما يُكمل الجزء الثانى الرحلة بأسلوب مذكرات أكثر تقليدية.

ويضيف: «يروى هذا الكتاب قصتى، لكنها ليست قصتى وحدى. إلى جانب واقعى، ستجدون تأملات الشخص الذى آذيته أكثر من غيره: أمى. لأن الإدمان ليس مشكلة فردية، بل هو مشكلة عائلية. وقد دخلت هى جحيمى معى، دون أن تتعاطى جرعة واحدة. ويُظهر كل فصل واقعين: عالمى كمدمن، ووجهة نظر أمى، كاشفًا كيف يمكن للحب أن يتحول تدريجيًا إلى تساهل، وكيف يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة».

ويواصل: «بعض ما ستقرأونه سيكون مؤلمًا. فهناك روايات عن الصدمات والعنف والجرعات الزائدة والتلاعب والاعتداء الجنسى وتدمير الذات. لم تُدرج هذه اللحظات للصدمة أو التمجيد، بل لقول الحقيقة، لأن إخفاء الحقيقة كاد يودى بحياتى. لذلك أشارككم كيف حوّلنى الإدمان من حياة الإفراط والسيطرة الزائفة إلى فقدان كل شىء، مرارًا وتكرارًا، لأجد نفسى معزولًا بلا مأوى، وأكذب على كل من أحبنى».

ويكمل: «أشارككم كيف حاولت الانتحار ٣ مرات، وفى المرة الثالثة توقف قلبى.. لـ٤ دقائق ونصف الدقيقة كنتُ ميتًا. استسلم المسعفون، لكن أمى لم تستسلم».

ويتابع: «هذه ليست مذكرات شخصية مشهورة، وليست مكتوبة من قِبل كاتب آخر، وليست من تأليف شخص يشاهد المدمنين من الخارج. لقد كتبتها وأنا أعيش واحدة من أشدّ دوامات الإدمان والصدمات النفسية والتدمير الذاتى التى يُمكن تخيلها. هذه ليست قصة أعيد سردها بعد سنوات من الذاكرة، بل هى حقيقة ما كنت أعيشه فى ذلك الوقت».

ويقول أيضًا: «ما بدأ بالكوكايين تحوّل إلى حقن الكوكايين النقى، والذهان، والجرعات الزائدة، والهلوسة، وجنون الارتياب، والعنف، ومحاولات الانتحار، والانهيار العاطفى، والدمار الشامل من الداخل»، مؤكدًا أن «المخدرات لم تعد مصدرًا للمتعة، بل أصبحت وسيلة للبقاء».

ويضيف: «أدمنتُ حافة الخطر نفسها، والفوضى، والذهان، والتدمير الذاتى، والخط الرفيع بين الحياة والموت. لم يُجدِ نفعًا أى شىء، لا مراكز إعادة التأهيل، ولا الاجتماعات بمفردى، ولا تغيير الأماكن، ولا حتى التظاهر بأننى بخير».

ويواصل: «بعد سنوات من المحاولات الفاشلة قيل لى مرارًا وتكرارًا إننى ميئوس من شفائى، وإننى مُحطّم نفسيًا، ومُصاب بصدمة نفسية شديدة، وإننى قد تجاوزت كل الحدود. فى النهاية، أصبح الكثيرون ينظرون إلىّ على أننى غير قابل للإصلاح».

ويرى أن «الإدمان لم يكن أبدًا المشكلة الكاملة، بل كان وراءه صدمة نفسية شديدة لم تُحل، قضيت حياتى كلها أحاول الهروب منها. ولأول مرة، تُروى هذه المذكرات من خلال ثلاثة أصوات: المدمن، والأم، والمرأة التى اختارت أن تعيش معى هذا الجحيم».

ويكمل: «ستقرأون قصتى وأنا أعيش الإدمان والصدمة النفسية. ستقرأون تأملات أمى وهى تشاهد ابنها يتلاشى تدريجيًا فى دوامة الخوف والذنب والحزن والإرهاق، حتى وصلت إلى قاع اليأس، وأدركت أن وضع الحدود ليس عقابًا، بل هو سبيل للبقاء. ستستمعون أيضًا إلى خطيبتى (آمى)، التى اختارت أن تقف بجانبى خلال جرعات زائدة، ونوبات ذهانية، وجنون العظمة، ومحاولات انتحار، وانهيار عاطفى، لتُترك فى النهاية تحمل صدمتها الخاصة وتحتاج إلى العلاج النفسى لتبدأ بالتعافى من الضرر الذى سببه الإدمان».

لكن فى النهاية، وبالتعاون مع طبيب نفسى بارز، والحديث لا يزال لـ«ديكسون»، خضع لعلاج مكثف يركز على الصدمة النفسية، مصمم لمعالجة الأسباب الجذرية لإدمانه بدلًا من مجرد الأعراض.

ويضيف: «من خلال هذه العملية، وبالاستناد إلى تجربتى الشخصية، طورتُ إطارًا حديثًا للتعافى من ١٣ خطوة، قائمًا على المساءلة، والتواصل، والهدف، والتعافى من الصدمة، والتغيير طويل الأمد، لأن كل حالة إدمان، وكل حالة تعافٍ، فريدة من نوعها».

ويؤكد أن «هذه ليست قصة تعافيى فحسب، بل هى أيضًا قصة الأشخاص الذين نجوا من الإدمان معى. اضطرت والدتى لمواجهة المأساة، واضطرت خطيبتى للتعافى من الصدمة التى خلّفها الإدمان. ما يتبين ليس قصة تعافٍ واحدة، بل ٣ قصص، ٣ قصص لأشخاص تضرروا من الإدمان بطرق مختلفة، ٣ قصص أجبرتهم على مواجهة آلامهم، و٣ قصص شقّت طريقها نحو الشفاء قبل أن تجد فى النهاية سبيلًا لإعادة بناء حياتهم معًا».

ويختتم بقوله: «لا أكتب عن الإدمان بصفتى باحثًا أو متخصصًا أو مراقبًا، بل أكتب عنه بصفتى شخصًا عاش واحدة من أفظع الصدمات وأشد حالات الإدمان التى قد تقرأ عنها، ونجا منها. لذلك يتحدى هذا الكتاب أيضًا الأساليب القديمة لعلاج الإدمان. لم يُنقذنى العلاج التأهيلى وحده، ولا البرامج وحدها. لم أستطع البقاء مُتعافيًا حتى واجهتُ صدمتى بمساعدة مختصين وبمساعدة من يحبوننى: أمى وحبيبتى».

باتريك ماكيلوين
باتريك ماكيلوين

كما شارك مدمنون قصصهم مع الإدمان والتعافى، شارك أيضًا أطباء قصصهم مع مدمنين ساعدوهم على التعافى.

من أبرز تلك الكتب الطبية فى هذا السياق يأتى كتاب «قوة التعافى»، الذى صدر عن مؤسسة «دكتور ماك»، فى مايو الماضى، من تأليف وجمع الدكتور باتريك ماكيلوين، الأخصائى النفسى السريرى.

الكتاب الجديد يضم ٢٣٨ صفحة، ويحتوى على قصص صادقة ومؤثرة لأفراد يواجهون الإدمان وتحديات الصحة النفسية وعملية التعافى.

يستهدف الكتاب الأفراد الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية أو الإدمان، والمتعافين، وعائلاتهم، والمتخصصين فى مجال المساعدة، ويؤكد أن التعافى ممكن، وأن النكسات جزء من النمو، وأنه لا أحد مضطر لخوض رحلة التعافى بمفرده.

ويقول الكاتب إن الإدمان لا يؤثر على فرد واحد فحسب، بل يمسّ العائلات والصداقات والمجتمعات بأكملها، ولكن فى خضم الألم، تكمن القوة والصمود والأمل.

ولذلك فإن الكتاب يتضمن مجموعة مؤثرة من قصص واقعية لأفراد عانوا من الإدمان والتعافى والشفاء بأنفسهم، مشيرًا إلى أن هذه الأصوات كانت شجاعة وصادقة مع نفسها، وأن قصصهم تعكس واقعًا إنسانيًا، وتُتيح للقراء نافذة على معاناة الإدمان والشجاعة اللازمة للتغيير.

حظى الكتاب بإشادة واسعة، لأنه يقدم أملًا عميقًا وفهمًا ثاقبًا للشفاء من الإدمان والصدمات النفسية وتحديات الصحة العقلية، بالإضافة إلى تجاوزه النصائح السريرية التقليدية، كاشفًا روايات مباشرة وصادقة عن النكسات والنمو وإعادة البناء من أفراد كانت لديهم تجربة مباشرة مع الإدمان والأمراض العقلية.