سنوات جوبز الضائعة.. القصة الخفية فى حياة مؤسس «آبل»
- كتاب جديد يكشف أسرار 12 عامًا قضاها ستيف جوبز بعد استبعاده من «آبل»
- تأسيسه شركة «نيكست» فى هذه الفترة أسهم فى الوصول إلى «ماك» و«آيفون»
شهد منتصف الشهر الماضى إصدار كتاب «ستيف جوبز فى المنفى: القصة غير المروية لشركة نيكست وإعادة تشكيل رؤية أمريكية رائدة»، عن دار نشر «بورتفوليو» التابعة لمجموعة «بنجوين راندوم هاوس» ذائعة الصيت.
الكتاب من تأليف الكاتب الصحفى الأمريكى جيفرى كاين، الحائز على عدة جوائز، وهو كتاب شامل وممتع يتعمق فى السنوات التى يتجاهلها معظم الناس عند إعادة سرد قصة التوبة الشهيرة لمؤسس شركة «آبل».
ومن بين جميع رواد تكنولوجيا المعلومات، لا أحد يحظى بنفس التقدير الذى حظى به ستيف جوبز، لكن من السهل نسيان أنه خلال فترة حاسمة فى مسيرته المهنية، أُجبر على مغادرة «آبل»، ليؤسس شركة «نيكست» الناشئة.
ويركز الكتاب على تلك السنوات التى قضاها «جوبز» خارج «آبل»، منذ غادر المؤسس اللامع للشركة مقرها فى عام 1985، مُجبَرًا على ترك الشركة التى أسسها، ولكن ما جرى بعد ذلك لم يغير فقط حياته ومسيرته المهنية، بل مستقبل التكنولوجيا ككل.. فماذا حدث؟


كتاب «ستيف جوبز فى المنفى: القصة غير المروية لشركة نيكست وإعادة تشكيل رؤية أمريكية رائدة» هو عمل استقصائى، استند فيه جيفرى كاين إلى مواد لم تُنشر من قبل، ومقابلات جديدة مع الشخصيات الرئيسية، بالإضافة إلى مقدمة كتبها دانيل ليوين، الشريك المؤسس لشركة «نيكست» أحد رواد الصناعة.
وشارك «ليوين» المؤلف بمصادر الكتاب، كاشفًا عن القصة الخفية لـ«العقد الضائع» فى حياة ستيف جوبز من ١٩٨٥ إلى ١٩٩٧، تلك السنوات التكوينية التى صقلت شخصيته، وتعلم خلالها كيفية القيادة، وكيف أصبح فشلًا ذريعًا أساسًا لواحدةٍ من أعظم العودات فى تاريخ الأعمال.
ويصحح الكتاب، الذى يضم بين دفتيه ٤٠٠ صفحة، الرواية الأسطورية الشائعة، كاشفًا عن أن «جوبز» لم يُستبعد لكونه «عبقريًا جدًا» بل بسبب إدارته الصعبة. وعلى عكس الاعتقاد السائد، لم يُطرد «جوبز» من «آبل»، بل وُضع فى منصبٍ غير مُجدٍ حتى استقال بدافع الإحباط، كما يروى «كاين»، مستعرضًا هذه المرحلة المحورية التى نضج فيها «جوبز» ليصبح القائد الذى أعاد «آبل» لاحقًا من حافة الإفلاس.
وعلى مدى ١٢ عامًا، من ١٩٨٥ إلى ١٩٩٧، جاب ستيف جوبز عالم الأعمال مع مشروعه الجديد «نيكست»، فى فترة مليئة بالإخفاقات المذهلة، وكادت تُؤدى بالشركة إلى الإفلاس، وتعرّض لإذلالٍ قاسٍ، لكن من رحم هذه الهزيمة، انبثق القائد صاحب الرؤية الثاقبة الذى أبدع لاحقًا أجهزة «iPod» و«iPhone» و«iPad»، مُحوّلًا شركة «آبل» إلى أغلى شركة فى العالم.
ومن خلال إطلاعه غير المسبوق على لقطات لم تُبثّ لـ«جوبز» فى اجتماعات شركة «نيكست»، والوثائق الخاصة للشركة، ومقابلات مع أقرب زملائه، يُقدّم «كاين» الرواية الحاسمة لكيفية تحويل الفشل لشابٍ طموحٍ وجرىء إلى عبقرىٍ حقيقى فى عالم الأعمال.
ويعد الكتاب ثمرة سنوات من البحث، وتوسع بشكل كبير من خلال مقابلات مع ١١١ شخصًا خصصوا وقتهم وشاركوا تجاربهم الحياتية قبل وأثناء وبعد سنوات عزلة ستيف جوبز. ويشمل ذلك مؤسسى شركة «نيكست» مثل دانيل ليوين وسوزان بارنز وريتش بيج وجورج كرو وباد تريبل، وإد كاتمول، المؤسس المشارك لشركة «بيكسار»، وجون روبنشتاين وبرتراند سيرليت، موظفا «نيكست» اللذين أصبحا مديريّن تنفيذييّن سابقين فى شركة «آبل»، والمصور دوج مينوز، وجان لويس جاسى، المدير التنفيذى السابق فى شركة «آبل».
وينقسم الكتاب إلى ٣ أجزاء تضم ٢٨ فصلًا وخاتمة، ويسرد قصة يعرف معظم الناس نهايتها، مقدمًا معلومات جديدة مستقاة مباشرة من الأرشيفات الشخصية، وذكريات الشخصيات الرئيسية التى كانت حاضرة فى مناقشات وأحداث لولا ذلك لكان طواها النسيان.
وحرص المؤلف على تقديم القدر المناسب من التفاصيل التقنية من دون إرباك القراء الأقل دراية بالتقنية، والذين قد يهتمون بـ«سنوات جوبز الضائعة»، دون التقليل من شأن القارئ.
ويقفز المؤلف من أهمية الجوانب التقنية، إلى أدق تفاصيل المحاسبة وتعويضات الأسهم، بما فيها جاذبية الحاسوب الأمريكى بالكامل، وتطوير البرمجيات بدون كتابة أكواد، إلى التشكيك فى التقنيات الجديدة الثورية.
ويتناول كذلك الصفقات غير المريحة مع الجيش الأمريكى، ومشكلة الحكومة مع التشفير، وحتى رغبة ستيف جوبز فى أن يتمكن مستخدمو «نيكست» من الوصول إلى استديو إبداعى متكامل، على عكس إطلاق «آبل» الأخير لمجموعة «Creative Studio» التى تعتمد على الاشتراك فقط، ليتبين أن استعادة ذكريات ستيف جوبز عن «سنواته الضائعة» فى «نيكست» بدت معاصرة بشكلٍ لافت.
وبالنسبة لـ«ستيف جوبز» نفسه، هناك سمة مألوفة فى شخصيته، ربما يكون معظم متابعى «آبل» على دراية بها الآن، فهو يتمتع بشخصية متقلبة المزاج، ولكنها أيضًا كريمة ومترددة، وهذا متوقع، فهو فى النهاية إنسان. لكن كتاب «ستيف جوبز فى المنفى» يُضيف بُعدًا جديدًا لتلك التناقضات، عبر إظهار «جوبز» كقائد مُتردد أكثر بكثير مما تُصوّره الأسطورة، مع محاولته للتأقلم مع الحياة التى كان «يُضحّى بها ليعيش الحياة التى كان يعيشها»، بتعبير الرجل نفسه.


يبدأ كتاب «ستيف جوبز فى المنفى» وينتهى فى منطقة مألوفة جدًا، لكنه يُقدّم تفاصيل، واقتباسات رائعة، وحكايات أروع، وقدرًا مناسبًا من التشويق السينمائى، ليجعل القارئ يتساءل كيف بقيت بعض هذه القصص طى الكتمان لفترة طويلة، ويشعر بالامتنان لأنها لم تُطوَ فى غياهب النسيان.
من أبرز حكايات الكتاب حكاية واعدة لم يسمعها معظم القراء من قبل، تتعلق بتسمية الشركة الثانية لستيف جوبز، فبعد استقالته من «آبل» فى منتصف الثمانينيات، أراد ستيف جوبز فى البداية تسمية شركته التالية «تو» أى «رقم ٢»، وهو اسم كان سيرتبط دائمًا بالجودة المتدنية أو الأقل جودة.
لكنه اقتنع بخلاف ذلك عندما شاهده صديق يتحدث عن تقنية الأقراص المدمجة، وكان «جيتس» يردد كلمة «نيكست» باستمرار، كما فى «الشىء الكبير القادم»، و«المعيار القادم»، و«سيصدر فى العام القادم»، وما إلى ذلك.
وقتها أخبر الصديق ستيف جوبز بأن اسم الشركة الجديدة يجب أن يكون «نيكست». بعد لحظات من الصمت، هتف «جوبز» قائلًا: «أحب هذا الاسم!»، وبعد ذلك بوقت قصير، سجّل اسم شركة «نيكست» لدى ولاية كاليفورنيا.
بعد ذلك انطلق ستيف جوبز وشركة «نيكست» فى مشروع لبناء حاسوب «٣M» بسعر ٣٠٠٠ دولار، بقوة معالجة تصل إلى مليون تعليمة فى الثانية، وذاكرة وصول عشوائى سعتها ١ ميجابايت، وشاشة عرض بدقة ١ ميجابكسل، مع تخصيصه لسوق التعليم.
لكنهما فشلا فشلًا ذريعًا، فقد وصل أول جهاز «نيكست كيوب» متأخرًا عدة سنوات بسعر ابتدائى قدره ٦٥٠٠ إلى أكثر من ١٠٠٠٠ دولار، وكلف شركات «آى بى إم» و«روس بيرو» و«كانون»، ومستثمرين آخرين، مئات الملايين من الدولارات، ولم تتجاوز مبيعاته بضع مئات من الوحدات سنويًا فى أحسن الأحوال. بينما غمرت «نيكست» السوق بآلاف الوحدات لتضليل المبيعات.
كان جهاز «كيوب» مُزوَدًا بتقنيات مذهلة، خاصة النواة المصغرة «ماخ»، التى تعد واحدة من أشهر النوى المصغرة «Microkernels» فى تاريخ أنظمة التشغيل، وتم تطويرها فى جامعة «كارنيجى ميلون» بين عامى ١٩٨٥ و١٩٩٤، وتشكل القلب النابض لأنظمة «آبل» الحديثة، إلى جانب نظام التشغيل «نيكست ستيب»، ومجموعة أدوات إنشاء التطبيقات «إنترفيس بيلدر»، وهى أداة مرئية لتصميم واجهات المستخدم تعتمد على السحب والإفلات، وتُستخدم بشكل أساسى لبناء تطبيقى «iOS» و«macOS».
ووفق ما جاء فى الكتاب، كان ستيف جوبز عدو نفسه اللدود، إذ كان ينفجر غضبًا فى وجه شركائه المؤسسين وموظفيه، ويدمر علاقاته مع المستثمرين والشركاء والعملاء، بينما ينفق مبالغ طائلة على أمور تافهة كتصميم شعار بـ١٠٠ ألف دولار، ومصنع قادر على إنتاج ١٥٠ ألف وحدة سنويًا، وعقود إيجار مكاتب باهظة، وأثاث مكتبى فاخر، وغيرها من مظاهر النجاح الذى لم يتحقق، وكان كل ذلك باسم الكمال.
وحسب الكتاب أيضًا، كان «جوبز»، فى رحلة البطل، بحاجة إلى الفشل ليصبح شخصًا وقائدًا أفضل، وقادرًا على إحداث أكبر نهضة فى تاريخ الشركات عند عودته إلى «آبل».


تعد هذه الفترة من المسيرة المهنية لستيف جوبز، التى طُمست وضاعت وسط نجاحه الكبير فى سنواته الأخيرة بشركة «آبل»، مهمة لفهم هذه العبقرية المعقدة، فهى لا تُسلّط الضوء على الرجل الشهير بقدر ما تُصوّر جميع إخفاقاته، وهو ما تبيّن لاحقًا أنه كان بمثابة إعدادٍ لدوره المحورى كرئيسٍ تنفيذى لشركة «آبل».
خلال هذه الفترة، كان لدى «جوبز» دافعان لتأسيس شركة «نيكست»، فقد رأى سوقًا محتملة لمحطات عمل متطورة فى قطاعى التعليم والصناعة، وكان يعلم أن هذه السوق لم تكن محل اهتمام شركة «آبل»، ما مكّنه من تجنب الدعاوى القضائية المكلفة والمُشتتة مع الشركة التى كان يُجبر على تركها، لكن ذلك لم ينجح.
وعلى الرغم من روعة المنتج النهائى لحاسوب «نيكست»، إلا أنه كان باهظ الثمن ومختلفًا تمامًا عن كل شىء آخر، ما حال دون نجاحه.
ويقدم جيفرى كاين، فى الكتاب، تحليلًا دقيقًا ومفصلًا لهذه الحادثة التى غالبًا ما يتم تجاهلها فى تاريخ «جوبز»، وتعد بمثابة تذكير، قبل كل شىء، بمدى صغر سنه حين حدث ذلك «لم يكن قد تجاوز الـ٣٠ من عمره»، مع سرد قصص رائعة عن التغلب على كل شىء بصعوبة، من التحديات التقنية إلى الصعوبات التى سببتها شخصية ستيف جوبز نفسه.
ومن خلال فصول الكتاب، يتضح جليًا أن كارثة شركة «نيكست» كانت ضرورية لنضج «جوبز» ليصبح القوة الأكثر فاعلية التى كان عليها حين عاد إلى «آبل»، وذلك بعد الانهيار الفعلى لشركة «نيكست».
ومع أن المفارقة تكمن فى أن «جوبز» أصبح مليارديرًا بفضل فيلم «حكاية لعبة»، الذى حقق نجاحًا باهرًا لشركته الأخرى «يكسار»، لكن إعادة إحياء «آبل»، التى يختتم بها الكتاب، لا تقل إثارة عن قصة نشأة «نيكست»، فلا أحد كان يعرف مدى سوء حالة «آبل» آنذاك، وكيف تم دمج خبرة «نيكست» فى أنظمة التشغيل الخاصة بـ«آبل»، ما أتاح ظهور نظام تشغيل «ماك» الجديد الإبداعى.
وعلى الرغم من أن القارئ قد يجد فى الكتاب تفاصيل كثيرة لا يحتاج معرفتها، خاصةً أن التطويرات على مدى سنوات كانت أشبه بحادث سيارة بطىء ومتواصل، تتأرجح من كارثة إلى أخرى، يُقدم صورة رائعة لخطوة محورية فى مسيرة ستيف جوبز، خاصةً عندما عاد إلى «آبل»، وما تلاه من خطوات أدت إلى ظهور أجهزة «ماك» المذهلة التى يستخدمها العالم اليوم.







