أحزان «سيد الضحك».. رحلة تشارلى تشابلن من الطفولة القاسية إلى الأعلى أجرًا فى هوليوود
- والدته كانت تخيط 54 قميصًا أسبوعيًا على ماكينة «سنجر» مستعارة مقابل 6 شلنات
- جسد معاناته فى أعماله الأولى واستلهم شخصية «المتشرد الصغير» من جاره السكير
- والده طلق والدته وتخلى عن رعاية طفليّه والأم دخلت مستشفى المجانين مرتين
على رصيف فى جنوب لندن، يجلس صبى نحيل، يرتدى ملابس رثة، بينما العزف ينساب من «الهارمونيكا» و«الكلارينيت»، قبل أن يكتب بعد عقود: «نسيت يأسى، وعبرت الطريق إلى حيث كان الموسيقيون. جمال الموسيقى النادر أسعدنى، وطاردنى منذ تلك اللحظة».
هكذا تذكر تشارلى تشابلن العاصمة البريطانية لندن، تلك المدينة القاسية التى شهدت على فقره المدقع فى طفولته، لكنها كانت فى نفس الوقت المكان الذى ألهم بعضًا من روائعه الخالدة حتى الآن.
الدكتورة جاكلين رايدينج، المؤرخة الفنية المتخصصة فى التاريخ والفن البريطانى خلال القرن الثامن عشر، تستحضر حديث «تشابلن» عن مدينة لندن فى العصر الفيكتورى، الذى يُعد موضوعًا نادرًا ما يجرؤ المؤرخون على الخوض فيه، وذلك فى أحدث كتبها «شوارع قاسية»، الذى صدر عن دار نشر «بروفايل بوكس» البريطانية المتخصصة فى التاريخ والسير الذاتية والمذكرات، الشهر الماضى.

هنا لندن
كان تشارلى تشابلن ابنًا لضواحى «لامبيث وساوثوارك» اللندنية، وهى منطقة تعانى من بعض الفقر حتى يومنا هذا، لكنها عانت من فقر مدقع خلال طفولته.
فى هذا العالم تحديدًا تجوب الدكتورة جاكلين رايدينج، وتروى قصة صعود أيقونة السينما الصامتة من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش. فمن خلال طفولته المعدمة التى عاشها، وسترته الرثة، وسرواله الفضفاض، وتعبير وجهه الحائر، تشكّلت شخصية «المتشرد» التى ابتكرها «تشابلن» من مدينة طفولته لندن ليصبح أحد أشهر الكوميديين على مر العصور.
وتكشف «رايدينج» عن العالم القاسى الذى أنجب «تشابلن»، فى كتابها الذى يضم بين دفتيه حوالى ٤٣٢ صفحة، مشيرة إلى أن والديه فنانان، وأن مسيرة والدته هانا تشابلن انتهت مبكرًا، بينما كان والده غائبًا فى أغلب الأحيان، وغير داعم له ولشقيقه «سِد»، وأكثر من مرة، عاشت العائلة واقعًا مريرًا بسبب إدمان والدتهما.
وترسم المؤلفة صورةً آسرةً لزمان ومكان كانت فيهما المشقة هى السائدة، وفى نفس الوقت يلوح بصيص أمل وسط هذا الظلام، فقد كان بإمكان الموهبة والعزيمة والحظ أن تجلب الفرص والنجاح، مع تصوير لندن فى الكتاب باعتبارها «مدينة التناقضات»، حيث يتعايش الثراء والفقر، وتتعايش المعاناة والبقاء رغم الصعاب.
ومن خلال بحثها المضنى، تعيد جاكلين رايدينج بناء صورة آسرة ومؤثرة للغاية عن شوارع طفولة تشارلى تشابلن القذرة والنابضة بالحياة، ومعاناة سكان لندن العالقين فى شبكة معقدة من العمل والفقر والإدمان والعنف والحياة الأسرية المفككة.
وقلّما استطاع مؤرخون أن يجسدوا نسيج حياة فقراء العاصمة البريطانية بهذه الدقة دون كآبة، وكأن رايدينج تذكّرنا بأسلوب تشارلى تشابلن، من خلال قدرتها على مزج المأساة والضحك، والمعرفة والعاطفة، والقذارة والجمال فى آن واحد.
بالاستناد إلى المذكرات الشخصية، وتقارير التعداد السكانى، وسجلات المحاكم، وغيرها من الوثائق، تتتبع «رايدينج» مسار عائلة «تشابلن» فى أحياء وشوارع لندن القاسية، وهى عائلة تمثل الغالبية العظمى من الطبقة العاملة، التى كانت تقضى ساعات يقظتها قلقة بشأن مصدر المال اللازم لتأمين أساسيات الحياة.
وتلفت «رايدينج» الانتباه أيضًا إلى شخصية بولى كار، العقل المدبر الإجرامى الذى كان مولعًا بالأطفال، فقد كان الأطفال آنذاك، فى سنوات «تشابلن» الأولى، «موردًا مربحًا»» على حد تعبير بيتر أكرويد فى كتابه «لندن: السيرة الذاتية»، وذلك باعتبارهم قوة عاملة تُستغل.

أم مريضة وأب ندل!
تبرز قصة حياة «هانا»، والدة تشارلى تشابلن، كأكثر قصص الحياة المؤثرة والبطولية فى كتاب «شوارع قاسية»، خاصة أنها أُدخلت إلى مصحة «كين هيل» للأمراض العقلية للفقراء عام ١٨٩٨، ورغم خروجها لاحقًا، إلا أنها أُعيد إدخالها عام ١٩٠٣، بعدما تدهورت صحتها العقلية، قبل أن يتمكن «تشابلن» بعد نجاحه فى النهاية من نقلها إلى كاليفورنيا، وتوفير رعاية خاصة كاملة لها.
تقول المؤلفة إن من الأسباب التى أسهمت فى دخول «هانا» المصحة هو قلقها من صعوبة الحياة، ومعاناة الفقر المزمن، وعدم الاستقرار، ما أدى إلى انهيارها التام فى النهاية.
بدأت «هانا» مسيرتها الفنية فى سن السادسة عشرة باسم «لك المغنية الصغيرة الساحرة ليلى هارفى»، ثم انهارت على خشبة المسرح ولم تتمكن أبدًا من كسب مال لائق مرة أخرى.
بعد انفصالها عن زوجها، وانقطاع أى دعم مالى منه، ومع وجود طفلين ترعاهما، كانت تخيط ٥٤ قميصًا أسبوعيًا على ماكينة خياطة «سنجر» مستعارة مقابل أجر زهيد لا يتجاوز ٦ شلنات و٩ بنسات.
وفى خضم معاناتها من الجوع، أنقذت من رصيف «كينينجتون» امرأة متشردة قذرة كانت تتعرض لمضايقات من قبل صبية المدارس، ثم تعرفت عليها صديقة سابقة لها من قاعة الموسيقى، تُدعى إيفا ليستر، فأسكنتها فى سطوح منزلها، ما أثار حرج ابنها الصغير واشمئزازه.
ومن خلال تتبع سجلات جدة «تشارلى» لأمه، وتدعى مارى آن هيل، فى سجل تقارير مستشفى «سانت سافيور» للأمراض العقلية، وجدت جاكلين رايدينج مدخلات متكررة تُفصّل البؤس والجنون، وهو تسلسل أحداث أصبح نمطًا مألوفًا داخل عائلة «تشابلن»، وتردد صداه بين جيرانهم.
بعد دخول «هانا» المصحة، كان «تشارلى» الصغير وشقيقه الأكبر «سِد» يتلقيان الطعام والملابس والتعليم بشكل متقطع من منظمات الرعاية الاجتماعية.
وعندما عُثر على الأب «تشارلز»، وأُجبر على رعاية ابنيه، كانت عشيقته «لويز»، التى لديها طفل رضيع، هى المسئولة، ولم يكن لديها سبب أقل للاستياء من غياب «تشارلز» من «هانا»، التى تحملت بمرارة عبء إطعام فمين إضافيين.
وكان «تشارلز»، والد تشارلى تشابلن، ممثلًا كوميديًا فى قاعات الموسيقى، ناجحًا إلى حد ما، لكنه كان عرضة للبطالة أو السفر فى جولات فنية.
أما «تشارلى» فكان طفلًا فقيرًا، قصير القامة، نحيل، وعيناه اللامعتان تتطلعان إلى الفرصة الأنسب، وهو يتجول بين «كينينجتون» و«نيو كت»، حيث كانت أكشاك السوق تفيض بالبضائع التى لم يكن يملك ثمنها، وربما أصبح بارعًا فى سرقتها.
وعندما حصل تشارلى تشابلن على أول دور تمثيلى له فى سن التاسعة، كان المال مفيدًا جدًا لفتى اعتاد التحديق بشغف فى واجهات محلات بيع الطعام.
وتكشف «رايدينج» أنها سكان المنطقة أيضًا، حيث توفى جدها الأكبر فى دار إيواء الفقراء فى «لامبيث»، ونشأت هى فى هذه المنطقة، وتعرف هذه الشوارع جيدًا، ودخلت جدتها لأبيها إلى مصحة «كين هيل» بعد ثلاثين عامًا من دخول «هانا»، فى عام ١٩٢٨، وتوفيت هناك، وكان جدها، وهو إسكافى، مدمنًا على الكحول، ويميل إلى العنف.
لكن «رايدينج» كان حظها مختلفًا، فقد كان والدها لا يشبه والد تشارلى تشابلن، بل والد متسامح فى شبابه، متفهم للضغوط الهائلة التى تُثقل كاهل العمال، الذين لا تكفى أجورهم إلا لتغطية احتياجاتهم الأساسية، وأحيانًا لا تكفى حتى هذه الاحتياجات.

المتشرد الهوليوودى
يغطى الكتاب الفترة من أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر حتى مغادرة تشارلى تشابلن لندن، وبريطانيا نهائيًا، إلى الولايات المتحدة، فى القرن العشرين، بعد أن تبنّاه فريد كارنو فى عام ١٩١٢.
ورغم زيارة «تشابلن» لندن بعد مرور ١٠ سنوات على هجرته إلى الولايات المتحدة، وشهرته الواسعة آنذاك، كان يخشى آثار الماضى، ومن المستحيل عليه العيش فى إنجلترا، لأن شوارع «لامبيث» الفقيرة «لا تزال قادرة على إيقاعه فى دوامة اليأس» كما كان يقول.
وتشير المؤلفة إلى أن «تشابلن» وظف معاناته وتجاربه فى شوارع لندن القاسية، فى الأفلام التى جلبت له الشهرة، وعلى رأسها فيلم «الطفل»، الذى عُرض عام ١٩٢١، ويعد سيرة ذاتية تُجسّد تحقيق الأمنيات.

فى هذا الفيلم، يعثر «المتشرد» على طفل يتيم ويربيه كابنه. وعندما يُنتزع الطفل قسرًا من قبل موظف الرعاية الاجتماعية، نلمح لمحات مريرة من تجارب «تشابلن» مع الانفصال عن أمه فى صغره، فقد كانت الطريقة الوحشية التى تعاملت بها السلطات مع الطفل تُشير بوضوح إلى شعوره هو شخصيًا تجاه مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
مع ذلك، جعل «تشابلن» قصة الفيلم أكثر إشراقًا فيما يتعلق بوالدة الطفل، صحيح أن الفيلم بدأ بتصوير طفل مهجور ومتشرد يُنقذه، وأم تخلّت عن طفلها لمتابعة مسيرتها المهنية فى قاعات الموسيقى، حيث بدأت والدته «هانا» مسيرتها، إلا أنها على عكس «هانا» تُصبح غنية وناجحة، وتسعد بلم شملها مع ابنها، إذ تُظهر اللقطة الأخيرة الثلاثة وهم يدخلون منزلًا فخمًا، ويُغلق الباب خلفهم.

وعلى الرغم من صعوباتها وقسوتها، ألهمت لندن بعضًا من أشهر شخصيات «تشابلن»، فشخصية «المتشرد الصغير» كانت قبل كل شىء «روح مجتمع».
وتوضح مؤلفة الكتاب أن «تشابلن»، المولود عام ١٨٨٩، مُقلّد بالفطرة، فقد كان يؤدى عروضًا فى فرقة رقص بالأحذية الخشبية فى سن التاسعة، واستلهم عروضه الكوميدية اللاحقة من دراسة دقيقة للظواهر التى لاحظها فى شوارع ومساكن وحانات طفولته.
وتشير إلى أن «تشابلن» كتب فى مذكراته عام ١٩٦٤: «من هذه التفاصيل الصغيرة، أعتقد أن روحى وُلدت»، مضيفة: «خزّن هذا الطفل الوحيد مشاهد وأنماطًا ستجعله فى نهاية المطاف نجمًا عالميًا».
وتشرح: «على سبيل المثال، أسهم رومى بينكس، السكير ذو الساقين المقوّستين الذى كان يراه خارج حانة كوينز هيد بشارع برود، فى ابتكار شخصية (المتشرد الصغير)، فقد كان يقلد مشية بينكس لإمتاع أصدقائه، قبل أن يُجسدها فى مشيته المميزة على شاشات هوليوود الكبيرة».
كان تشارلى تشابلن فى طفولته يراقب جاره السكير رومى بينكس، فى شوارع «لامبيث»، والذى كان لديه أنف منتفخ، وجسم مُنهك بسبب الروماتيزم، وقدمين متورمتين ومشوهتين، وسروال غريب للغاية لم يره فى حياته، لدرجة أن تشارلى تشابلن تصور أنه لا بد أن «بينكس» حصل على سرواله من عملاق، بينما كان هو رجلًا قصير القامة.
ويقول عن ولعه بشخصية «بينكس»: «عندما رأيته يجرّ قدميه على الرصيف ليمسك حصان سائق عربة، ويطلب بقشيشًا زهيدًا، انتابنى الذهول. كانت مشيته مضحكة جدًا بالنسبة لى لدرجة أننى قلّدتها. عندما أريت أمى كيف يمشى، توسلت إلىّ أن أتوقف لأن تقليد مصيبة كهذه قسوة. لكنها توسلت إلىّ وهى تضع مئزرها فى فمها. ثم ذهبت إلى المخزن وظلت تضحك لعشر دقائق».
كانت عبقرية «تشابلن» تكمن فى تحويل المعاناة الحقيقية إلى ضحكات صادقة، لذلك سرعان ما أصبح «المتشرد» أداته للسخرية والكوميديا التهريجية. ومن المفارقات أن شخصية «المتشرد» التى جسدها، جعلته فى نهاية المطاف الممثل الأعلى أجرًا فى هوليوود.







