المحرر العام
محمد الباز

هل أبكيتَ امرأة.. هل تسببتَ فى لوعةِ قلب؟... إلى سيد العديسى

الشاعر سيد العديسى
الشاعر سيد العديسى

صنعتُ جمال كل شىء 

علّمت كل دابةٍ على الأرضِ المشاعر والحب 

علّمت الغريبة معنى الدموع

والغريبَ كيف يخلد وجه أبنائه

علّمت الأرض صبوتها 

جاءنى غزاة ولحى

لم يغيروا ماء النيل

لكنهم محوا حروف اسمى

فصار الكلام على سمعى غريبًا

وكل اللغات عندى سواء

أنا الذى من عرف «الرجولة» ميزانًا فى ريشةِ «ماعت»

لا سيفًا يقطعُ الألسنة

مسحتُ دمعةَ «إيزيس»

وغرستُ نخلةً فى طريقِ عابرٍ

أنحنى لتقبيل يدِ أمى 

ولست صراخًا فى الطرقات

ولا لِحىً تُكفّرُ الجمال

أنظرُ اليوم إلى رجلٍ يشبهنى فى الملامح

لكنه يتكلمُ بلسانٍ غريبٍ 

يغلقُ الأبوابَ على الحياة

نحتُّ وجه حبيبتى على صخور «الجرانيت»

ليتعلمَ الخلودُ كيف ينحنى للرقة

ليست امرأتى ظلًا

بل هى «إيزيس» أقوى من الموت

الروح التى لا تكتمل إلا بلمسة أنثى

أنا الذى كتبتُ على جدران معابدى:

«يا بنى، لا تكن جبارًا فى بيتك، وقدّر من جعلتْ منكَ رجلًا»

أنا الذى جعلت لنبض القلب «محكمةً» 

فلم يسألنى الآلهةُ عن عدد معاركى

وسألونى: «هل أبكيتَ امرأة؟ هل تسببتَ فى لوعةِ قلب؟»

حين ألقيتُ بزهور اللوتس فى النيل

لم يكن مجرد طقسٍ

بل اعتراف بسُلطان الجمال على الكون

ورغم الغبار الذى يملأ الحناجرَ

والكلمات الغريبة التى تحاول وأدَ رقتى

لا زال فى أعماقى «العاشق»

الذى يرى فى عين المرأة مرآةَ السماء

وفى صوتها صدى الناى القديم

الذى عَزَفتْهُ يدى منذ فجرِ الزمان

لم أمت

صرتُ أتكلم همسًا

أخبّئ نفسى فى الأغانى

وفى دعاء الأمهات

وفى يدٍ تشقّ الأرض

وتعرف متى تغرس الزرع

وأين تنتهى حدود السماء

ولو نسيَت كيف تكتب

لم أمت 

بل صرت حربًا

على الرمل، وقد كادنى الرمل حينًا

حفظتُ نيلى

ونحتُّ الوقت حجرًا 

حتى يصبح للتاريخ عمودٌ فقرى

مرّوا علىّ 

كريحٍ تظنّ أن الصفير انتصار

تكلموا باسمى 

ثم قالوا: هذا ليس أنت

فصرت فى الموال حزنه

وفى قطعة بردى تخايل كل الحضارات

فى ورد على وجه النيل

فى حائط لونته يداى 

وظل يخايلهم

فى مزحة أرقتهم

نسيتُ لغتى؟ 

ربما

لكننى كامن فى الصخور

حين تفيض

ولا يعرفون كيف تفيض

ولا كيف يحن مثلى 

إذا استكان

ولا كيف يثورُ حين يُهان

قد أُهزمُ قرنًا

وأصمتُ قرنًا

لكنّنى حين أتكلم 

أصبح أغنية

وعاصفة وأجيالًا وقمحًا

أقفُ على شُرفة التاريخ

أرانى فى مرآة النهر، فأعرفنى 

وهذه التجاعيدُ بقايا جيوش عبرت فوق صدرى 

استبدلوا لغتى التى كانت ترسمُ الطيرَ والشجرَ

بكلماتٍ لا تُشبه طين أرضى

أسمعُ أصواتهم فى الميادين 

يرفعون راياتٍ تلمعُ ولا تُدفئ قلبى

كلُّ لسانٍ يطالبنى ببيعةٍ

وكلُّ غازٍ يمنحنى اسمًا 

وأنا كما كنت دائمًا

صامتٌ كأبى الهول

أحملُ فى صدرى وجعَ «إيزيس»

وهى تجمعُ أشلاءَ حلمها

أنتظرُ فجرًا لا يشبه الأمس

فجرًا يعيدُ لى حروفى التى سُرقت

ليقول قلبى أخيرًا:

أنا هنا