"الناشر المحترف".. و"المتوسط الشبيح".. متى صار مقبولًا أن يصف ناشرٌ كُتَّاب داره بأنهم "مبتزون وبلا قيمة"؟!
- أين اتحادات الناشرين العربية واتحادات الكتاب من إساءة لاجيء سوري لأعضائها وتطاوله الدائم عليهم؟!
- حين يسيء الناشر لبعض كُتَّاب داره فهو يسيء لجميع المتعاونين معه وإن كبرت أسماؤهم وأعمارهم.. ويسيء لنفسه قبل أي شيء
- وحين يتهم بلديات عضو "الكنيست" الصهيوني وربيبه شعراء مصر بأنهم "متسولون باسم الثقافة" فهو يصف من يوافقون على "فُجره في الخصومة" ويصف عمله ووجوده وأثره الذي لن يبقى
الأصل في صناعة الكتاب هو علاقة التكامل بين الناشر والمؤلف، يكتسب كل منهما حضوره وتأثيره من الآخر، فترتفع أسهم الناشر كلما ارتفعت قيمة ومكانة الكُتَّاب الذين يتعامل معهم، وتتراجع إذا ما ضمت قائمة إصداراته كتبًا أو كُتابًا متوسطي الجودة..
يكتسب الناشر سمعته وحضوره من جودة كتبه، سواء من حيث الإخراج والتصميم وحتى نوعية الورق والتغليف وشبكة التوزيع، لكن ذلك كله لا يعني شيئًا إن لم تكن الكتابة جيدة، وتلبي حاجة لدى القراء..
ويكتسب الكاتب حضوره وانتشاره من موثوقية ناشر كتبه، وسعة دائرة توزيعه وحضوره في المنتديات ومعارض الكتب في مختلف الدول.. فلا كِتاب من الأصل بدون كتابة جيدة تحترم قارئها وتفيده، ولا كُتَّاب دون ناشر يمتلك شبكة توزيع جيدة، ولا توزيع إن لم يحترم الناشر تعاقداته مع المكتبات والقراء، ومنها ألا يقدم لهم كتابات رديئة أو حتى متوسطة الجودة، ولا تلبي حاجة لدى جمهور الموزعين والقراء، ألا يقدم لهم كتابات بلا طلب، ولا يُقبل على شرائها أحد.
هذا ما تعارفت عليه الأوساط الثقافية في كافة بقاع الأرض، ومنذ بداية التاريخ.. ولهذا فمن المعلوم بالضرورة أن كل منهما يعيش في رحلة بحث لا تتوقف عن الآخر، يحتاجه ويكمل به صناعته.. لن يُقبل القراء على شراء كتب إن لم يكن مؤلفوها ممن يثق الناس بهم وبكتابتهم، ولن يعرف القراء بكتابة كاتب إن لم تكن دار النشر ذات موثوقية وحضور مؤثر في المكتبات وشبكات التوزيع وفي عقول القراء، هي معادلة بسيطة جدًا، وواضحة جدًا، ويتفق عليها الجميع.. فمن أين جاء الخلل؟!
كيف أصبح من المقبول أن يصف ناشرٌ كُتَّاب داره بأنهم "محدودي الأدوات"، و"لم ينجحوا في بناء مشروع حقيقي"، أو "يحولون الكتابة من فعل إبداع إلى وسيلة ضغط ومساومة"؟! بحسب عبارات ناشرٍ متوسط القيمة، و"غير معلوم الهوية" في الرد على بيانٍ لشاعرة طالبت فيه بحقوق كتابها المنشور من قِبله!!
1. الإنفاق السفيه لغير معلوم الهوية
ماذا ينتظر الناشر "المتوسط" و"غير معلوم الهوية" من الكتاب الحقيقيين الذين يحترمون أنفسهم وكتاباتهم، ويحترمون قراءهم؟! هل يقبل كاتب جاد أن ينشر أعماله مع شخص لا يتردد ولو للحظة واحدة في إهانة من ينشرون معه والحديث عنهم بمثل هذه اللغة المسيئة؟! حتى وإن أعجبت عباراته "المنحطة" بعض الكتاب هنا وهناك، حتى وإن تعامل معه كُتَّاب آخرون مشهورون ويملكون من كثافة الحضور ما يغنيهم عن مساءلته بخصوص حقوقهم المالية، وإن طالهم رذاذ شتائمه وتطاوله على كتاب داره والمتعاونين معه؟!
ووصف "غير معلوم الهوية" هنا مصدره الناشر نفسه، فهو من يقدم نفسه على أنه "فلسطيني" من "الناصرة"، وهو من يكتب على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي أنه "سوري"، وهو المقيم كلاجيء في مدينة ميلان الإيطالية، والذي تحصل دار نشره على دعم الحكومة الإيطالية من خلال أحد برامجها لدعم مشاركة الناشرين في معارض الكتب، ومنها شراء عدد غير قليل من نسخ مطبوعاتها بسعر الغلاف الذي يحدده الناشر، كما كان يفعل صندوق التنمية الثقافية المصري في بداياته مع المطبوعات المستقلة المتخصصة في الآداب والفنون مثل مجلة "الكتابة الأخرى"، وبعض دور النشر ذات التوجهات الإبداعية مثل "شرقيات" و"ميريت"، فكان الصندوق يشتري مائة نسخة على الأقل وبالسعر الذي يحدده الناشر، وعادة ما يكون أضعاف سعر البيع الطبيعي، يغطي كامل التكلفة ويضمن للناشر بعض الأرباح، فيما يتبقى لديه عدد كبير من النسخ التي يمكنه بيعها بأي سعر، أو حتى إهدائها لمن يريد.. لأنه يحصل على أرباحه مسبقا من الحكومة الإيطالية، وإن قيل أنه يعمل بأموال عزمي بشارة، الإسرائيلي الجنسية، والعضو السابق في "الكنيست"، والمولود في "الناصرة" أيضًا، والمقيم في العاصمة القطرية؟! وإن كان هناك ما يدعم هذه الأقوال، خصوصًا وجود منشوارت داره الممولة كضيف دائم في قوائم جوائز كتارا القطرية، ومنها ما حضرته وشاهدته بعيني من إنفاق "سفيه" على استضافة 50 شاعرة وشاعر من مختلف المنافي العربية في سهرة بمطعم وبار "الجريون" بوسط القاهرة خلال إحدى الدورات القريبة من معرص القاهرة الدولي للكتاب، وكنت حاضر في المكان ليلتها، فطلب مني أحد الأصدقاء الدخول إلى القاعة للتعرف على بعض الأصوات الشعرية التي لا أعرفها.. وكان من الملفت أنه لم يكن من بين من استمعت إليهم غير خمسة أو ستة أصوات حقيقية وتنم عن موهبة شعرية تستحق الوقت، بينما لم يكن البقية أكثر من محبين للشعر، مقلدين لشعراء كبار، راحلين أو أحياء.. بالنسبة لي كان وجود خمسة شعراء جيدين من بين خمسين يكفي للجلوس، ولمواصلة الاستماع إلى بقية التجارب، وإن كانت الأجواء نفسها لا تليق بالشعر، لكن هذا دأب الشعراء في كافة بقاع الأرض، لا يحلو لهم قراءة نصوصهم، والاستماع أيضًا، إلا حين تدور الرأس والكؤوس، لكن السؤال هنا، أليس في هذا العدد وهذه النسبة مؤشر على مستوى الجودة المتوقعة لكتب الدار، وطبيعة عملها، والكيفية التي يدير صاحب دار النشر أموال مموليه؟!
ربما كان ذلك هو السبب في أنني لم أندهش عندما وصف صاحب دار النشر تلك بعض كُتاب داره بأنهم "مبتزون"، وأن منهم من "يحول الكلمة إلى سلاح رخيص" و"متسولون باسم الثقافة"؟! فهذا هو ما يصف به عمله، ووجوده، وأثره الذي لن يبقى.
المدهش أن يتكرر رد الفعل المتبجح والبذييء من ذات الناشر اللاجيء على كل من يتحدثون عن سوء تعامله معهم من كتاب ومبدعين، مصريين وعرب، والأكثر إثارة للدهشة أن تجد مثل هذه اللغة المنحطة من يعجبون بها ممن يحترفون الكتابة الأدبية، ويقدمون أنفسهم كقدوة للأجيال الجديدة من المبدعين الشبان.. فحين يسيء الناشر إلى بعض من ينشر لهم، فهو يسيء إلى نفسه، وإلى جميع من يتعاونون معه من كتاب مهما كبرت أسماؤهم، وهو من حيث لا يدري يعترف بأن دار نشره تروج للكتابات الرديئة، ولكتاب مبتزين، يحولون "الكلمة إلى سلاح رخيص"، الوصف الذي ينسحب بالضرورة على جميع المتعاونين معه أيًا كانت أسماؤهم، ويضع الكثير من علامات الاستفهام حول الدور الذي يقوم به هو وداره المتوسطة القيمة، خصوصًا مع تعدد الشكاوى والشهادات بحقه، وجميعها تتفق على أن كتبه لا تحظى بتوزيع مقبول، ولا تتوفر في المواقيت المتفق عليها، وتتفق في غياب التعاقدات الجادة، وفي مماطلته، وسوء ردوده وإدارته، بل وفي وقوع بعض علاقاته تحت طائلة الشبهات، وإن كانت بعض هذه العلاقات لا تهمنا ولا دخل لنا بها، لكن وجود اسم عضو "الكنيست" الإسرائيلي بينها لا بد يهمنا، ويؤثر على وضعية وأسماء من يتعاونون معه من كتاب ومفكرين وأدباء.
2. النشر صناعة جماعية
نعم، "الثقافة لا تبتز. والكاتب الحقيقي لا يبيع نفسه عند أول أزمة، لأن القيمة الحقيقية لا تقاس بما تأخذه من الناس بل بما تبنيه رغم كل شيء"، كما جاء في أحد منشورات ذلك الناشر الشبيح.. لكن يبدو أنه لا يعرف، أو لم يسمع، بأن الثقافة أيضًا لا تعض اليد التي تمتد إليها بالمساعدة، وبالمشاركة في مشروعها، والناشر المثقف لا يتطاول على من وثقوا به، وسلموه أعمالهم التي تعبوا في تنفيذها وتقديمها في أفضل صورة ممكنة، وقبل ذلك لا يهين من يتكسب من أرباح مجهودهم ولو كان متوسطًا، من يتكسب من حضورهم وتأثير كلماتهم.. فهو من يعيش حياته على نسبة من مبيعات كتبهم وإن أنكر ذلك، أو حاول الإيحاء بأنه ليس "مشروعًا تجاريًا"، فالنشر صناعة، شاء ذلك أم أبى، كان يعرف ذلك أم يجهله، والنشر صناعة جماعية، متعددة الأطراف، تتعاون جميعها لتقديم مُنتجٍ فكري وإبداعي يليق بهم، جميعًا، فلا يجوز أن يكون من بينهم "شبيح" أو "بلطجي"، لأن انحطاط أحد الأطراف يلقي بظلاله على المجموع، وينسحب على البقية، أيًا كانت أسماؤهم، وأيًا كانت مواقعهم.

ولمن لا يعرف، فالقصة بدأت ببيان نشرته الشاعرة المرموقة نجاة علي بصفحتها على موقع "فيسبوك"، تتحدث فيه عن حقوقها لدى أحد الناشرين، وسوء تعامله معها، في البداية قلت لنفسي ربما كان هناك سوء فهم، وقلت إن الوسط الثقافي به كثير من العقلاء الذين ربما يتدخل أحدهم لإنهاء الأمر، وإعادة حق الشاعرة، ثم انشغلت في أموري المعتادة، ولكن.. سامح الله مواقع التواصل التي تعرض لك منشورات غير الأصدقاء إذا ما علق عليها أو تفاعل معها واحد ممن تتابعهم.. فكان أن ظهر قدامي "بوست" مسيء للشاعرة، ولشريحة كبيرة من الكتاب والمثقفين، مصحوبًا بعبارة توضح أن كاتبًا كبيرًا، لن أذكر اسمه، قد أبدى إعجابه بهذا "البوست"، قرأته فوجمت، أهذه العبارات الحقيرة أعجبت هذا الكاتب الكبير؟! كيف؟! ألا يعرف أن المقصود بها شاعرة مصرية متحققة، تترجم أشعارها وكتاباتها إلى كثير من اللغات الحية، وتطلبها مهرجانات الشعر في أوروبا وأمريكا لإلقاء قصائدها، ولا تحتاج إلى مثل هذه المزايدات الرخيصة؟! ألا يذكر أنه هو شخصيًا من نشر على صفحته مقاطع من قصائدها إعجابًا بما كتبته؟!
ولأنني من محبي الكاتب الكبير، توقعت أنه ربما لم يقرأ المكتوب، أو قرأه ولم يتوقع أن يكون المقصود بالكلام هي الشاعرة المصرية نجاة علي، وأنه ربما أشار بعلامة الإعجاب من باب المجاملة لناشره الذي سبق وأن تعاون معه في ثلاث روايات، وربما أوفاه حقه المالي وزيادة، وإن كنت أشك في أنه أوفي بمواعيد وصول رواياته إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب.. وأنا هنا لا أريد أن أحاكم ذلك الكاتب الكبير، أو أفرض عليه وصاية من أي نوع، له مطلق الحرية فيما يعجبه، وما يريد أن يجري به ذكره في قادم الأيام، لكني سأكتفي بأن أقول له أن مثل هذه الأفعال التي قد يراها غير مهمة، تخصم من رصيد المحبة الذي راكمه لسنوات طويلة بين أبنائه من كتاب الأجيال الجديدة، فبعضهم قد يراها مجرد إثبات حضور، وربما يراها البعض الآخر مداهنة لصغار لمجرد أنهم يستطيعون الدفع، لكن الجميع لن يصدق إعجابه بمثل هذا المنشور، ولن يقبل بمثل هذا التطاول على شاعرة مصرية وإن لم تكن معروفة كنجاة، وإن لم تكن بذات الحضور في المشهد في الأدبي العربي الحديث.

وكان أن كتبتُ تعليقًا على صفحتي بخصوص ذلك الشبيح، وبخصوص تطاوله وجهله بمن ينشر لهم، والحقيقة أنني لم أندهش من كثرة الحكايات والمواقف التي وردتني بعدها، فلم تكن نجاة علي هي الوحيدة التي تعرضت لتجاوزاته وسوء إدارته وتطاوله، كتبت الشاعرة والكاتبة الفلسطينية فاتنة الغرة عن وقائع مماطلته في نشر أحد كتبها، وكتب الشاعر السوري حسام الدين درويش المقيم في ألمانيا عن الممارسات التي دفعته إلى فسخ تعاقده معه، وعلمتُ أن ديوان الشاعر الكبير ياسر الزيات الذي نشره هذا "المتوسط" لم ير غلافه سماء القاهرة، ولا تعرف به مكتبات مصر، ولم يسمع به شعراؤها، وعلق الشاعر الكردي الكبير جان دوست على ما كتبته نجاة قائلا ما نصه: " قصتك تشبه قصتي مع المتوسط استاذة نجاة. كل التضامن معك.. وهذه الدار ليست سوى فخ أدبي للنصب على الكتاب، صاحبها، ناهيك عن كونه لصًا أدبيًا، بذيء اللسان لا يحترم الآخرين ويفجر في الخصومة"..

وقبل ذلك كله ما حدث منه في حق واحد من اهم المترجمين العرب وهو المترجم الراحل الكبير صالح علماني عندما دخل إليه على الخاص ليسبه ويسائله عن علامة الإعجاب الزرقاء التي وضعها على منشور لفلسطيني كتب عن علاقة "المتوسط" بصهيوني الهوى عزمي بشارة.

الوقائع كما يبدو كثيرة، ومتعددة الأطراف والجنسيات، ولا تحتاج إلى إعادة للنشر، لكنها تحتاج إلى موقف، وإلى تحرك محترم من اتحاد الناشرين العرب، ربما لا يكون ذلك "الشبيح" عضوًا به، لكن الاتحاد يملك القدرة على التوصية بمنع من يتطاولون على الكتاب والمؤلفين ويهينونهم من المشاركة في معارض الكتب العربية.. يتطلب موقفًا من الهيئة المصرية العامة للكتاب ضد من يفجرون في الخصومة مع كتاب مصر، وتملك منعهم من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. يتطلب موقفًا محترمًا من اتحاد كتاب مصر، وكافة اتحادات الكتاب العربية، للرد عن أعضائها ومنتسبيها، ووقف من تسول لهم أنفسهم إهانة كاتبة أو كاتب.. وقبل كل هؤلاء، يتطلب موقفًا محترمًا من الكتاب المصريين والعرب، خصوصًا من الشباب، ومن يبدأون طريقهم، بعدم النشر مع هذه الدار.. إذ يبدو أن بعض الكبار لا يجرؤن على مجرد إلغاء علامة إعجاب زرقاء على "بوست منحط" بموقع التواصل الاجتماعي.







