صفحات فى حياة نور الشريف.. معارك عاشور الناجى
السباحة عكس التيار كانت إحدى خصال الفنان نور الشريف، حيث إن رسالته لم تقتصر على تقديم عمل فنى يعيش ويترك بصمة لسنوات طويلة، ولكنه كان حريصًا دائمًا على تقديم أعمال تصلح لتخلد فى ذاكرة الفن والدراما، ليس على مستوى مصر فحسب، ولكن عربيًا وعالميًا.
هذا النهج الذى اتبعه نور الشريف جعله دائم السقوط فى معارك، وإن عرقلت مسيرته أحيانًا إلا أنه جعلته يستحق لقب أستاذ المعارك أو الفنان المثقف بحق، حيث خاض العديد والعديد من المعارك، وإن جاء أشهرها أزمة فيلم «ناجى العلى» الذى تم منعه من العرض، وأثار حينها حالة من اللغط، دفعت الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات أن يأتى لمصر، ويطلب من الرئيس مبارك منع عرض الفيلم، مرورًا بتصريحاته الشائكة، وموقفه من ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكذلك الخلاف الذى نشب مع مؤسسة الأزهر الشريف بسبب رفضها تجسيد شخصية الحسين فى الدراما، والتى تبعها تصريحات صادمة للفنان نور الشريف عن التوتر السائد فى المنطقة بين السُنة والشيعة والتى من شأنها أن تصنع حالة حرب بين الطرفين.
أزمات ومعارك «نور» التى لم تنته كان أخطرها والأقل شهرة أزمة فيلم «خيط أبيض وخيط أسود»، وهو الفيلم الذى تم تصويره فى دولة المغرب، وكان يتناول الصراع العربى الإسرائيلى من وجهة نظر غربية بها إنصاف للحق العربى والفلسطينى، إلا أن أيادى خفية امتدت لتنهى هذا المشروع، وتُخفى آثاره تمامًا بسرقة النيجاتيف الخاص به من معامل التحميض فى إيطاليا.
أزمات ومعارك عديدة خاضها «نور» تسلط عليها «حرف» الضوء فى التقرير التالى.

فيلمى الذى لم يَره أحد بسبب إسرائيل!
استكمالًا للمعارك الفنية بل والسياسية أيضًا التى لم تخلُ منها حياة الفنان نور الشريف، أطل على الساحة الفنية فى العام ١٩٩٥ لغز ما زال لغزًا لم يجد من يفك طلاسمه حتى اليوم ألا وهو اختفاء نيجاتيف فيلم «خيط أبيض وخيط أسود» الذى استمر تصويره لمدة ٣ شهور، وبلغت تكلفة إنتاجه أكثر من أربعة ملايين دولار أمريكى، بإنتاج إيطالى فلسطينى.
الفيلم تدور قصته التى لم يرها أحد حول محامية أمريكية يهودية، كانت تعتقد أن إسرائيل دولة مثالية، لكنها أمام ما رأته فى تل أبيب من اضطهاد للعرب الفلسطينيين الذين هم أبناء البلاد الحقيقيون، تتغير نظرتها وتتعاطف مع الشعب الفلسطينى، ومع الأبرياء الذين يعانون العذاب والتعذيب فى سجون إسرائيل.
الفيلم اللغز كان بطولة الفنانة صفية العمرى والفنانة أمينة رزق، ومن أمريكا روبين كيرتس بطلة الجزء الثالث من فيلم «حرب الكواكب» ودانيللا سيلفاريو من إيطاليا، وعدد من الفنانين المغاربة والفرنسيين، وتأليف السيناريست الإيطالى سيرجيو أمادى وأدارالإخراج بوغالب البوريكى.
الفنان نور الشريف قال إن النيجاتيف تمت سرقته من مقر شركة التحميض فى روما بإيطاليا، مشيرًا إلى أن قصة الفيلم كانت تعبر عن رأى أوروبى يدافع عن القضية الفلسطينية، حيث تضمن قيام جماعة إسرائيلية يهودية بتنفيذ تفجيرات ضد مواقع سياحية إيطالية يسقط فيها سياح أوروبيون ويهود، ويتم إلصاق التهمة بجماعات المقاومة الفلسطينية لتبرير الاعتداءات الوحشية على الفلسطينيين واحتلال الأرض الفلسطينية، والتمويه عن الإرهاب الإسرائيلى.
وأضاف الفنان الراحل خلال لقاء مع الإعلامى عمرو زهران فى العام ٢٠١٢ على قناة «سى بى سى»، أن أحداث الفيلم كانت تضمن قيام بطلة الفيلم بزيارة كنيسة القيامة، حيث تم هناك بناء ديكورات بالحجم الطبيعى للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ليوجّه إليها سؤالًا خلال جولته: لو كان المسيح عليه السلام حيًا ماذا ستكون هويته؟! لترد الفتاة: «فلسطينى بلا شك»، لينسف الفيلم الادعاءات الصهيونية حول هوية السيد المسيح، وكذلك مساعى الاحتلال الإسرائيلى لإلصاق تهمة الإرهاب بالشعب الفلسطينى.

«ثورة يناير» كشفت الناس اللى بـ«وشين»
شن الفنان نور الشريف هجومًا حادًا على منتقدى صمته الإعلامى خلال أحداث ثورة يناير، قائلًا: «أنا حُر أسكت براحتى وأتكلم وقت ما أتكلم، لن يستطيع أحد أن يجبرنى على الكلام، وسكوتى جاء من منطلق أنى كنت على دراية وفهم وتوقع لما سيحدث فى المستقبل».
وأضاف الشريف خلال لقاء صحفى أجراه مع مؤسسة أخبار النجوم عقب ثورة يناير ٢٠١١، أن صمته أيضًا أثناء فترة الثورة جاء اندهاشًا من موقف أصحاب الوجوه المتعددة الذين كشفتهم الثورة، والذين غيروا مواقفهم بشكل سريع ومتقلب فى أيام معدودة على الرغم من معرفة الجميع بتاريخهم وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة فى ذلك الوقت، مشيرًا إلى أنه عانى بشكل شخصى طيلة حياته الفنية والشخصية من متقلبى الأوجه.
وطالب الشريف خلال لقائه بضرورة إعادة عرض المسرحيات السياسية العالمية ومتابعتها لكى يتعرف عامة الناس على الأحداث السياسية والظروف المحيطة بكل حدث لكى تكون لهم نبراسًا فى الأحداث المعاصرة.
ولم يكتفِ الفنان الكبير نور الشريف بالحديث عن ثورة يناير وكواليسها خلال لقائه بالزميلة أخبار النجوم فحسب، بل ظهر خلال لقاء آخر على قناة الحوار الفضائية عبر برنامج «قضية وحوار» فى العام ٢٠١٣ ليتحدث عما حدث خلال أيام الثورة منذ البداية وحتى اختطافها على أيدى الأحزاب والتيارات السياسية التى تطمع فى تولى قيادة الشأن السياسى فى البلاد على حد وصفه، حيث قال إن ثورة يناير كانت من دون قائد أو رجل يتفق عليه الجميع، وهو ما أدى إلى وجود تخبط شديد عقب الثورة، علاوة على صُنع نوع من الصراع الدائم بين عدد من الأحزاب والحركات السياسية، التى تطمع فى تولى السلطة فى البلاد.
وشدد الشريف على أن الطيبة الشديدة التى تعامل بها شباب الثورة جعلت الثورة تسرق منه، حيث أخطأ الشباب خطأ فادحًا، لأنه لم يختر قائدًا له يتحدث باسمه، وهو ما جعل نتائج نجاح الثورة تذهب فى النهاية لجماعة الإخوان التى سيطرت على الحكم فى ذلك الوقت.

«ناجى العلى» قهرنى وعرفنى مين صديقى من عدوى!
لم تقتصر مسيرة الفنان نور الشريف الفنية فقط على تقديم أعمال تحمل بصمات أو رسائل فنية فحسب، ولكنها شملت أيضًا رسائل سياسية وأجندة قومية وعربية لما يضاهه أحد فى تقديمها، حيث جاء العام ١٩٩٢ ليشهد تقديمه الفيلم الأكثر إثارة للجدل فى الأوساط الفنية والسياسية عربيًا وعالميًا «ناجى العلى» عن سيرة حياة رسام الكاريكاتير الفلسطينى ناجى العلى والذى تعرض فى ٢٢ يوليو عام ١٩٨٧ لعملية اغتيال بعدما أطلق عليه شاب مجهول النار أثناء تواجده فى لندن بالقرب من مقر صحيفة «القبس» الدولية، فأصابه تحت عينه اليمنى ومكث فى غيبوبة فى المستشفى حتى وفاته فى ٢٩ أغسطس ١٩٨٧، ودفن فى مقبرة بروك وود الإسلامية فى لندن.
فيلم ناجى العلى ضم نخبة من النجوم، سواء على مستوى مصر أو العالم العربى، حيث شارك الفنان نور الشريف بطولته الفنان الراحل محمود الجندى، ليلى جبر، تقلا شمعون، محمود مبسوط، وكتب السيناريو والحوار الكاتب بشير الديك، وتولى إخراجه عاطف الطيب، وظل الفيلم ممنوعًا من العرض لما يقرب من اثنين وعشرين عامًا، ليعرض للمرة الأولى على التليفزيون المصرى فى ٢٠١٤.
حكاية الفيلم الأزمة بدأت حين وجهت سهام النقد للفنان نور الشريف وللعمل بشكل عام سواء داخل مصر أو خارجها ووصل الأمر إلى حد مطالبة الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات بمنع عرض الفيلم.
نور الشريف وخلال لقائه مع الإعلامى مدحت العدل على فضائية سى بى سى فى العام ٢٠١٤، فتح خزائن وكواليس أسرار الفيلم الأزمة، حيث كشف أن الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات جاء فى زيارة إلى مصر ليلتقى بالرئيس الراحل محمد حسنى مبارك، ليطلب منه منع عرض الفيلم فى مهرجان القاهرة السينمائى والذى كان يقام فى هذا الوقت، وحينها كلف الرئيس الأسبق مستشاره أسامه الباز بمشاهدة الفيلم وتحديد موقف تجاهه، سواء بعرضه أم لا، وحينها أكد الباز لـمبارك أن الفيلم لا يتعرض على الإطلاق بأى شكل لمنظمة التحريرالفلسطينية، ليوافق مبارك على عرضه فورًا فى مهرجان القاهرة السينمائى.
الفنان الكبير تطرق إلى الحديث عن الأزمة الشخصية التى تعرض لها إبان عرض الفيلم، حيث قال: أفظع شىء فى الدنيا الإحساس بالظلم، هناك زملاء لى شاركوا فى هذه المذبحة، وبعض الأقلام اتهمتنى أنى خائن، وتقاضيت ٣ ملايين دولار من منظمة التحرير الفلسطينية لتقديم الفيلم، وهذه التجربة أظهرت لى الصديق والعدو، حيث تعرضتُ لهجوم شرس وقاسٍ بسبب الفيلم لمدة عام كامل، ووصل الأمر إلى نصب مذبحة لنور الشريف وكأنه هو المتسبب فى نكسة ٦٧ فتناوبت الصحف والمجلات فى الهجوم على الفيلم وعلى شخصى، إلا أن حزنى الشديد كان عندما وجدت أقرب أصدقائى يهاجموننى بشراسة، إلا أنه للحق هناك مَن وقف بجوارى فى أزمتى ومنهم محمود يس ويحيى الفخرانى وسمير صبرى وشريكى فى الفيلم محمود الجندى، أما بقية الفنانين فكانوا ضدى بل كانوا شمتانين وفرحين لما حدث لى.

الحرب بين السنُة والشيعة على الأبواب
حذر الفنان نور الشريف من أن منطقة الشرق الأوسط على أعتاب حرب شاملة بين السُنة والشيعة، حيث إن طبول الحرب الإسلامية - الإسلامية تدق أبواب المنطقة، موجهًا إنذارًا لقادة العالم العربى والإسلامى بضرورة توخى الحذر وإعمال العقل حتى لا تقع المنطقة فى كارثة الكوارث- على حد وصفه.
وأضاف الفنان الكبير، خلال برنامج «قضية وحوار» والذى تم عرضه على قناة الحوار الفضائية فى العام ٢٠١٣ أن هناك قوى سياسية خارجية تخطط وتدير وتنفذ وتراقب ما يحدث فى المنطقة، فليس من المنطقى اعتبار التوترات المتتالية التى يشهدها العالم العربى والإسلامى ومنطقة الشرق الأوسط من قبيل المصادفة.
وشدد الشريف خلال الحلقة التى أُذيعت تحت عنوان «نور الشريف بين الفن والثورة»، أن ما يحدث من قبل التيارات الإسلامية وبالتحديد تيارات الإسلام السياسى يسىء للإسلام أكثر من أى شىء وبالتحديد فى تلك الفترة مشيرًا إلى أن من يتصور نفسه بعيدًا عن تلك الأزمات ونتائجها مُصاب بالوهم، وسيكون أول من يتضرر من تلك التيارات، مطالبًا دول وقادة العالم العربى والإسلامى بضرورة الاتحاد فورًا من أجل التصدى لمن يريد الشر بالمنطقة.

اسمحوا لى بتجسيد «الحسين» وسأعتزل بعدها!
فكرة تجسيد الشخصيات الدينية والتاريخية كانت راسخة لدى الفنان نور الشريف منذ بداية مشواره، حتى نجح فى تقديم العديد من الشخصيات مثل تجسيده سيرة عمر بن عبدالعزيز، وعمرو بن العاص، وهارون الرشيد، وبن خلدون، وغيرهم من الشخصيات التاريخية، إلا أن تجسيد سيرة الإمام الحسين رضى الله عنه ظلت مُعلقة فى وجدانه الفنى، ولكنها اصطدمت بالعديد من الأزمات كان أبرزها رفض مؤسسة الأزهر الشريف تجسيد الدور فى الإعلام. نور الشريف عبر فى تصريحات صحفية عن خيبته وإحباطه من رفض الأزهر الشريف الموافقة على طلباته المتكررة لتجسيد شخصية الحسين، رضى الله عنه، حيث يرفض الأزهر بشكل قاطع تجسيد شخصيات الأنبياء والصحابة وآل البيت فى أعمال درامية، مشيرًا إلى أن أحلامه الفنية كثيرة، لكن أكبرها هو شخصية سيدنا الحسين الذى تمنى أن يجسّدها حتى إذا اعتزل الفن بعدها، مؤكدًا أن الأزهر الشريف له رأى يُحترم، فهو يرى أنه لا يصح أن يتم تجسيد هذه الشخصيات بغض النظر عن اسم المرشح الذى قد يتناول الخمر أو المخدرات فى أعمال فنية أخرى، وهذه وجهة نظرهم. وأضاف الشريف فى تصريحاته أن تجسيد مثل هذه الشخصيات فى أعمال فنية أمر مفيد للغاية لجيل اليوم، لأنه يقوى العقيدة ويبعث الهمم، كما أنها ستكون محاولة لبعث الثقافة الإسلامية القديمة بداخلهم، خاصة أن آل البيت والصحابة ليسوا معصومين من الخطأ، فأنا أوافق الأزهر فقط فى عدم تمثيل أصحاب العصمة وهم الأنبياء لأن لديهم عصمة إلهية، أما الآخرون فليست لديهم هذه العصمة، لذلك لا أرى أزمة فى تجسيد شخصياتهم، مضيفًا أنه سوف يعتزل التمثيل فورًا فى حال موافقة الأزهر فى يوم من الأيام على تقديم شخصية الحسين.

وشدد الشريف على أنه لن يسىء إلى أهل البيت، وكل ما يتمناه هو تقديم الشخصيات الدينية بتوسع بعدما انقرضت- بحسب رأيه- من الدراما المصرية والعربية، وهو أمر ينذر بخطر محقق، فبعدما تضاءلت تلك الأعمال، واقتصرت على العرض خلال شهر رمضان فقط وأصبح يندر تواجدها على الشاشات العربية هذا إن وُجِدت من الأساس.
وأكد أنه شاهد الكثير من الأعمال التى تطرقت لحياة الصحابة وأهل البيت، على سبيل الذكر لا الحصر قصة حياة السيدة البتول مريم، ونبى الله أيوب، ويوسف الصديق.
وكشف نور الشريف عن أنه عند تقديم التاريخ لا بد من الالتزام بالصحة التاريخية قبل أى اعتبار آخر، لأننى فى النهاية أريد مواطنًا مسلمًا قويًا عالمًا بكل الآراء حول الشخصيات الإسلامية ودور كل منها بعيدًا عن تأليه هذه الشخصيات، وكنت أتمنى تقديم التحكيم بين أتباع سيدنا «على» وأتباع معاوية، فقد عِشت مع هذه الشخصية لمدة شهر فى بروفات عن نص مسرحى «الحسين ثائرًا» قبل سنوات، وكان مقررًا أن يخرجه كرم مطاوع، لكنه لم يَر النور بسبب رفض الأزهر الشريف أيضًا فى ذلك الوقت.







