المحرر العام
محمد الباز

فَإِذَا هُمْ مُبْصُِرونَ.. كنوز المستقبل.. لسه صوت مصر بخير

حرف

فى نهايات العام الماضى قدمت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وبالتعاون مع وزارة الأوقاف، ما يشبه بالكنز الذى لطالما تميزت به مصر وهو الأصوات الخاشعة التى عُرف بها قراء القرآن المصريين وفقًا للمقولة الشهيرة «نُزل القرآن فى مكة وقرأ فى مصر»، وذلك عبر برنامج دولة التلاوة الذى ضم ما يزيد على ١٤ ألف متسابق من مختلف محافظات الجمهورية، يُختار منهما أفضل الأصوات عبر لجنة تحكيم البرنامج التى تضم نخبة من أبرز القامات الدينية والعلمية فى مصر والعالم الإسلامى، وهم الشيخ حسن عبدالنبى وكيل لجنة مراجعة المصحف الشريف بالأزهر، والقارئ الشيخ طه النعمانى ، والدكتور طه عبدالوهاب خبير الأصوات والمقامات، وكذلك الداعية الإسلامى مصطفى حسنى، كما شارك فيها كضيوف شرف الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، والدكتور نظير محمد عياد، مفتى الديار المصرية، والدكتور على جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والقارئ الشيخ أحمد نعينع، والقارئ الشيخ عبدالفتاح الطاروطى، والقارئ البريطانى محمد أيوب عاصف والقارئ المغربى عمر القزابرى إمام مسجد الحسن الثانى.

برنامج دولة التلاوة نجح فى تسليط الضوء على فئة من قراء القرأن الكريم هم الأبرز بين القراء فى مصر، فهم من حرمهم الله من نعمة البصر ولكن منحهم نعمة البصيرة، مثل القارئ الشيخ محمد أحمد حسن، والقارئ الشيخ عطية الله رمضان، والقارئ الشيخ أحمد على، والذين تألقوا بشكل كبير ولافت للنظر خلال مسابقة دولة التلاوة، منهم القارئ محمد أحمد حسن، الذى خاض السباق حتى النهاية وينتظر النتيجة النهائية، ومنهم من لم يحالفه الحظ مثل الشيخان عطية الله رمضان وأحمد على.

فى التقرير التالى نبذة عن أبرز القراء المكفوفين فى سباق دولة التلاوة..

محمد أحمد حسن..الصوت الوقور

نجح المتسابق محمد أحمد حسن، فى إبهار لجنة التحكيم خلال حلقات برنامج دولة التلاوة، حتى إن إحدى الحلقات شهدت قيام الداعية مصطفى حسنى بترك مقعده على منصة لحنة التحكيم والتوجه إليه وتقبيل يده، نظرًا لتلاوته المميزة التى خطفت القلوب. 

الشيخ والقارئ محمد أحمد حسن، ابن محافظة الإسكندرية، ويبلغ من العُمر ١٩ عامًا، يدرس بكلية أصول الدين فى جامعة الأزهر، وتميز فى القراءت العشر، وكانت بداية مسيرته مع كتاب الله عز وجل فى سن الثالثة وأتم حفظ القرآن فى الثامنة من عمره، كما تشرف بأداء صلاة التراويح إمامًا بالمصلين فى الجامع الأزهر الشريف العام الماضى.

القارئ محمد أحمد حسن نجح خلال مسابقة دولة التلاوة فى حصد تقييمات هى الأعلى بين أقرانه من المتسابقين، ما أهله لأن يكون فى المرحلة النهائية من المسابقة التى ستعلن نتيجتها نهاية شهر رمضان.

أحمد على.. صوت الإرادة

الشيخ أحمد على، أحد أبرز الأصوات القرآنية الشابة فى برنامج دولة التلاوة، فهو قارئ كفيف يجسد التحدى والالهام بصوته القوى والخشوع العميق، حيث بدأ رحلته مع كتاب الله فى سن مبكرة، حفظ القرآن كاملًا معتمدًا على قوة السمع والذاكرة، وتدرب على يد مشايخ متخصصين فى القراءات، مما منحه أداء منضبطًا يجمع الصحة اللغوية بالإحساس الروحى العميق. شارك فى مسابقات قرآنية عالمية عديدة، نجح فى تمثيل بلده بصورة مشرفة، وحصد إشادة لجان التحكيم والجمهور، قبل أن يلمع فى دولة التلاوة كنجم يحول إعاقته إلى طاقة إيمانية تلمس القلوب. برز القارئ أحمد على فى الحلقات النهائية كواحد من أبرز المواهب، حيث أبهر لجنة التحكيم بتلاواته لسور مثل مريم والبروج والتوبة، متقدمًا بدرجات عالية فى الترتيل والقراءة الحرة.

بكى تاثرًا أثناء التلاوة، ووصفت بـ«نموذجية تدرس» من الدكتور طه عبدالوهاب، والشيخ حسن عبدالنبى يراه «مستقبلًا واعدًا»، كما شارك فى مواجهات مع نجوم مثل محمد القلاجى، وأشاد به مفتى الجمهورية، مؤكدين تناغم صوته وإتقانه للمقامات. لا يقدم أحمد على التلاوة كفن صوتى فحسب، بل كطريق للاجتهاد والتحدى والإرادة، ملهمًا ذوى الهمم بحضوره الهادئ ورسالته الملهمة، مجسدًا روح القرآن بعيدًا عن الرياء بصوت يقشعر له الجلد، يتوقع له دور كبير فى الإذاعة القرآنية.

عطية الله رمضان.. اسم على مسمى

يعد الشيخ عطية الله رمضان، أحد نجوم برنامج دولة التلاوة البارزين، قارئ قرآنى مصرى ينتمى للجيل الشاب الذى يعكس التراث الأزهرى الأصيل بأدائه الوقور والمتقن. 

يدرس فى كلية الشريعة بجامعة الأزهر الشريف، ويتميز بإتقانه الاستثنائى للقراءات السبع والعشر، معتمدًا على حفظ مبكر للمصحف الكريم منذ سنوات طفولته. 

بدأ مسيرته فى المساجد الأزهرية، حيث تتلمذ على يد مشايخ كبار، مما شكّل صوته الجهورى الذى يجمع بين سلامة التجويد وجمال المقامات، خاصة فى الترتيل البطىء الذى يلامس القلوب بعمق روحانى. برز عطية الله فى حلقات البرنامج كمتسابق يحصد إعجاب لجنة التحكيم باستمرار، حيث أبهر الدكتور طه عبدالوهاب والشيخ حسن عبد النبى بتلاواته لسور مثل الرحمن والانفطار والقمر، محققًا درجات عالية فى المواجهات والقراءة الحرة.

شهدت إحدى الحلقات لحظة مؤثرة عندما نهض الداعية مصطفى حسنى ليقبّل يده تقديرًا لأدائه الذى وُصف بـ خشوع يُدرس، مما جعله من المرشحين الأقوياء للنهائيات قبل إعلان النتائج برمضان. شارك فى مواجهات مع نجوم مثل أحمد على ومحمد القلاجى، مؤكّدًا تناغم صوته مع أحكام الإخراج والمخارج بدقة متناهية.

لا يقدّم عطية الله التلاوة كعرض فنى فحسب، بل كعبادة تجسّد الاجتهاد الأزهرى والإرادة الشابة، ملهمًا الشباب بقراءاته الهادئة التى تبعث الطمأنينة بعيدًا عن الرياء. يُشاد به كصوت يحيى الترتيل الصحيح، ويتوقع له دور كبير فى الإذاعة القرآنية والإمامة بمساجد كبرى، مؤكّدًا أن مصر لا تزال دولة التلاوة بأمثاله.

الشيخ حسن عبدالنبى: قرأوا القرآن من أجل القرآن.. ولم يبتغوا التباهى أو التفاخر

«صوتك حلو ولكن».. الجملة الأشهر فى حلقات برنامج مسابقة دولة التلاوة الذى حقق رواجًا ونسبة مشاهدة تاريخية خلال الآونة الأخيرة، جملة اعتادت الآذان سماعها على لسان أحد حراس القرآن الكريم، الذى لقب بالصارم والحارس الأمين نظرًا لخشيته الدائمة على كلمات كتاب الله عز وجل من الإخلال بالأحكام والمعانى، وهو الشيخ حسن عبدالنبى وكيل لجنة مراجعة المصحف الشريف المشرف على مسابقة الأزهر لحفظ القرآن الكريم.

برنامج دولة التلاوة الذى عُرض فى الآونة الأخيرة على شاشات التليفزيون من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بالتعاون مع وزارة الأوقاف المصرية، نجح فى تحقيق نجاح كبير نظرًا لجودة اختيار المتسابقين فى تلاوة كتاب الله، وهى الجودة التى يتابع تقييمها الشيخ حسن عبدالنبى أحد أعضاء لجنة التحكيم بصحبة الدكتور طه عبدالوهاب والقارئ حسن النعمانى، حيث قدم البرنامج نجومًا من المتوقع لهم مستقبل باهر فى دولة التلاوة المصرية، كان عدد منهم من فاقدى نعمة البصر الذين وصفهم الشيخ حسن عبدالنبى فى حواره مع «حرف» بخير جنود كتاب الله عز وجل.. وإلى نص الحوار.

■ محمد رفعت وعبدالعزيز على فرج وغيرهما كوكبة من أعمدة دولة التلاوة اختبرهم الله عز وجل فى عينيهم، وعلى الرغم من ذلك أصبحوا من كبار القراء فى مصر والعالم.. من وجهة نظر الحارس الأمين ما السر وراء ذلك؟

- قراءة القرآن الكريم وحفظ كلمات كتاب الله عز وجل نعمتان من الله سبحانه وتعالى يمنحهما لعباده المخلصين، وحين أراد الله بعباده من فاقدى البصر خيرًا منحهم نعمة حفظ وتلاوة كتابه الكريم، ومن وجهة نظرى أنه لو كان هناك سر وراء تميز هؤلاء القراء من المكفوفين أو فاقدى نعمة البصر، سيعود فى المقام الأول لأنهم حين درسوا وحفظوا كلمات كتاب الله وحملوا القرآن الكريم، كانوا يبتغون وجه الله جل جلالة وفقط، يقرأون القرآن الكريم للقرآن وفقط، لا للناس من أجل التباهى أو التفاخر والاستعراض، لا يريدون من ورائه إلا رضا الله سبحانه وتعالى وخدمة كتابه الكريم، ونقل آياته للناس عبر ألسنتهم وصوتهم، على الرغم أنهم لم يروها على الإطلاق.

■ بحكم توليك منصب مدير معاهد القراءات فى وقت سابق، وباعتبارك من كبار العلماء والأساتذة بالأزهر الشريف.. هل تختلف المواد أو طرق الدراسة بالنسبة للطلاب المكفوفين عن غيرهم؟

- بالتأكيد، لأنهم خلال دراستهم فى المعاهد الأزهرية يدرسون مواد القراءات، خاصة متن الشاطبية ما جعلهم مختلفين ومتميزين عن الطلاب المبصرين، فالمبصر يدرس مادة التجويد بجانب دراسة القرآن الكريم، بينما الطالب الذى يندرج فى فئة المكفوفين يدرس مادة القراءات السبع ومتن الشاطبية كما ذكرت إلى جانب مادة التجويد، علميًا وعمليًا، خاصة فى المعاهد الأزهرية الإعدادية والمعاهد الأزهرية فى المرحلة الثانوية، أما فى المعاهد الابتدائية فيتساوى الجميع فى الدراسة.

■ هذا بالنسبة للدراسة.. ولكن هل ترى أن الموهبة لدى فاقد البصر تختلف عن غيره من المبصرين، خاصة أن أغلب مشاهير القراء كانوا من المكفوفين؟

- الله عز وجل أراد حين حرم الله عباده من نعمة البصر أن يمنحهم نعمة البصيرة، أراد الله أن يعوضهم، ويجعلهم لا يشعرون أبدًا أنهم فاقدو إحدى نعمه، أو لديهم نقص فى شىء، فالعمى هو عمى القلوب لا عمى الأعين، حيث أراد الله إنارة بصيرتهم، للدرجة التى تجعل منهم من يحفظ آيات الله من مرة واحدة بمجرد أن تقرأها أمامه فى معجزة نادرة الحدوث من وجهة نظرى، فلا تحتاج لتكرارها عليه لكى يحفظها، بل يكفيك قراءتها مرة واحدة لتجده حفظها عن ظهر قلب.

■ هل غياب بعض رفاهيات الحياة أو مشاغلها عن فاقدى نعمة البصر كان عاملًا مساعدًا جعل تركيزهم ينحسر حول كتاب الله فحسب؟

- بالفعل، أعتقد ذلك، فحياتهم لا فيها ملهيات أو مباريات كرة قدم مثلًا، أو هوايات تجعلهم ينصرفون عن كتاب الله وحفظ آياته والتعمق فيها، حيث يجدون فى كتاب الله خير ونيس وجليس، يحفظون آياته ويرتلونها ويجودونها بكل دقة وفهم.

العالم الأزهرى مصطفى الدسوقى: حولوا فقدان البصر من محنة إلى منحة

الدكتور مصطفى الدسوقى من علماء وزارة الأوقاف، قال إن ظاهرة القراءة عند المصريين وخاصة فاقدى البصر هى ظاهرة إيمانية وفنية فريدة، تتجلى فى قوله تعالى «فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ»، ونور البصيرة حين يتحول فقد البصر إلى فيض من النور والجمال، ففقدان البصر الذى قد يراه البعض حرمانًا، تحول فى تاريخ المدرسة المصرية للتلاوة إلى منحة ربانية صقلت الأرواح، وجعلت من هؤلاء العمالقة قناديل تضىء القلوب قبل الآذان، حيث يقول النبى- صلى الله عليه وسلم- فى الحديث القدسى عن رب العزة: «إذا ابتليتُ عبدى بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة»، ومن هنا ندرك أن فقد البصر ليس مجرد حرمان، بل هو اصطفاء وابتلاء يحمل فى طياته عطايا ربانية لا يدرك كنهها إلا من صفت روحه وعلت همته، فلقد كان فقدان البصر لهؤلاء الشيوخ بمثابة انقطاع عن صخب الدنيا للتركيز فى ملكوت السماء؛ لنرى كيف أثر هذا الابتلاء على مسيرتهم.

العالم الأزهرى انتقل للحديث عن ركائز دولة التلاوة المصرية مثل الشيخ محمد رفعت، حيث قال عنه: الشيخ رفعت لم يكن يقرأ بلسانه، بل كان يرى الآيات بقلبه، ويقال إن جودة التصوير النغمى لديه نابعة من خيال واسع لم تلوثه المشاهد المادية، فكان صوته يجسد الجنة والنار وكأن المستمع يراهما رأى العين، كما كان هناك الشيخ عبدالعزيز على فرج وسيدنا الشيخ عبدالعزيز حصان الذى لقب بـ«قارئ العقول» و «ملك الوقف والابتداء»، وكل ذلك يؤكد أن فقدان البصر جعل أذن هؤلاء القراء شديدة الحساسية، فدققوا فى مخارج الحروف وأحكام التجويد ببراعة تفوق المبصرين، لأن طاقة التركيز لديهم انصبت بالكامل فى حاسة السمع والإدراك الصوتى.

وأضاف «الدسوقى» أن مصر عاصمة التلاوة فى العالم الإسلامى، حيث إن برنامج «دولة التلاوة» الذى يذاع على شاشاة التليفزيون المصرى، ومن إنتاج الشركة المتحدة أعاد تسليط الضوء على خصائص هذه المدرسة التى تعتمد عل المقامات الموسيقية العربية وتوظيفها لخدمة المعنى «التصوير الصوتى»، الخُشوع والوقار البعيد عن التكلف أو التقليد الأعمى، وإبراز أحكام التجويد كقاعدة أساسية لا غنى عنها قبل الموهبة، حيث لعب البرنامج دور «المصفاة» التى استخرجت لآلئ مدفونة فى القرى والنجوع المصرية عامة، وأثبت هذا البرنامج برعاية الدكتور أسامة الأزهرى وزير الأوقاف أن مدرسة المكفوفين فى التلاوة لا تزال ولادة، فهؤلاء الشباب يستلهمون من الرواد فكرة أن فقد البصر ليست نهاية المطاف، بل هو بداية لعلاقة جديدة مع كتاب الله، حيث ينعدم التشتت البصرى ويزداد الخشوع، لذا نرى فى الأجيال الحديثة أن فقد البصر كان سببًا فى التفرغ التام للقرآن الكريم، حيث ينصب التركيز بالكامل على الترتيل والتدبر، بعيدًا عن مشتتات النظر.

وأضاف العالم الأزهرى، أن هؤلاء الأعلام لم يكونوا مكفوفين بالمعنى الحقيقى، بل كانوا مبصرين بالوحى، بعد أن أثبتوا أن الموهبة حين تمتزج بالصبر على الابتلاء، تنتج نورًا لا يخبو أثره بمرور السنين.

الدكتور مصطفى الدسوقى انتقل للحديث عن أمر بالغ الأهمية والجدل، وهو فكرة استخدام المقامات الموسيقية فى تلاوة القرآن الكريم، حيث تعد من المواضيع الجدلية التى يمتد فيها النقاش بين الجانب الفقهى، والجانب الفنى، والجانب الروحانى وبين القبول الفنى والتوقير التعبدى على حد وصفه، فبينما يرى البعض أنها وسيلة لإبراز جماليات النص، يخشى آخرون أن تتحول التلاوة إلى طرب يفقد القرآن هيبته وقداسته.

ويرى العالم الأزهرى، أن الصوت الحسن فى قراءة القرآن مطلبًا نبويًا، حيث قال النبى- صلى الله عليه وسلم- «زينوا القرآن بأصواتكم»، ومن هنا انطلق القراء عبر العصور لتحسين أدائهم، مستعينين بما يُعرف بـالمقامات، وهى باختصار سلالم صوتية وتنظيم لطبقات الصوت يساعد القارئ على إيصال المعنى، ومع دخول علم المقامات «وهى القوالب اللحنية التى تنظم المسافات بين النغمات» إلى عالم التلاوة، انقسمت الآراء بين مؤيد يراها وسيلة للتدبر، ومعارض يخشى عليها من «التمطيط» والانشغال بالألحان عن المعانى، بينما يرى المعارضون أن هناك خشية من أن يطغى اللحن على القول، فينشغل المستمع بجمال العُرب والتنقلات المقامية بدلًا من تدبر الآيات، حيث إنه أحيانًا، ولضبط مقام معين، قد يضطر القارئ لتمطيط حرف أو تقصير مد، ما يعد إخلالًا بالقواعد التعبدية «التجويد»، كما أن حصر القرآن فى قوالب موسيقية بشرية ينزل به من مرتبة الوحى الإلهى إلى الفن البشرى.

ومن وجهة نظرى الإجابة تكمن فى القصد والكيفية، فالمقامات فى حد ذاتها وسيلة محايدة، وتأثيرها على الهيبة يعتمد على القارئ، فإذا كانت المقامات وسيلة، حيث يطوع القارئ المقام ليخدم الآية، مع الالتزام التام بأحكام التجويد، فإنها تزيد من هيبة القرآن وتجعل الكلمات تلامس شغاف القلب، أما إذا كانت المقامات غاية حيث يصبح الهم الشاغل هو استعراض العضلات الصوتية وإطراب السامعين، هنا نعم، تتأثر الهيبة ويتحول المجلس من مجلس ذكر إلى محفل غنائى، ولهذا أرى أن المقامات هى وعاء، إذا مُلئ بالوقار والإخلاص زاد الكلام بهاءً، وإذا مُلئ بالاستعراض أفرغ النص من محتواه الروحانى، فالقرآن الكريم له سلطة ذاتية على القلوب، والقارئ البارع هو من يختفى خلف الآيات لا من يبرز أمامها.