الثلاثاء 02 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

صاحبى.. قراءة فى كتاب الصديقين محمد ثروت وهانى شاكر

حرف

- خرج الاثنان من نفس الطبقة المتوسطة بين باب اللوق وطنطا فى شهور الثورة الأولى

«اللهم اشفِ أخى وحبيبى وعِشرة عمرى هانى شاكر» 

عندما كتب محمد ثروت هذه الجملة أثناء معركة صديقه الأخيرة مع المرض، كانت الجملة لها وقع مختلف عما كتبه الجميع، على الرغم من أن أغلب الفنانين ممن عاصروا هانى أو حتى لم يعاصروه، وكتب وصرح أغلبهم راجين الشفاء لهانى، رحمه الله ، مثلما فعل ثروت تمامًا، لكنى أزعم أن محمد ثروت لم يكتب هذا الكلام على صفحته بدافع اجتماعى ومهنى وإنسانى فحسب، فقد شعرت بنبضات قلقة متضرعة إلى المولى أن يحفظ له صديق عمره الذى يختزن بداخله كثيرًا من ذكرياته، نضح الحزن من بين حروف بوست ثروت حينها، وبدا أن هانى شاكر يقف على أمتاره الأخيرة فعلًا، لذلك كان دعاؤه مغلفًا باليأس، لكن غير خال من الرجاء، فالدعاء يرد القضاء.

بعد ساعات من هذا البوست نفدت إرادة الله وانتقل الصديق والرفيق وعشرة العمر هانى شاكر إلى البر الآخر تحوطه دعوات الملايين، وظهر ثروت فى العزاء حزينًا شاردًا، واختفى عن الأنظار أسابيع حتى فوجئنا بمنشور آخر قلق، لكن هذه المرة من ابنه الجميل أحمد ثروت يطلب من الجمهور الدعاء لوالده لدخوله غرفة العمليات.

شخصيًا أصابنى القلق العميق على هذا الفنان الرائع الذى لم يأخذ ربع ما يستحق من مكانة، ووجدتنى أتذكر تلقائيًا وجه الاثنين المشرق- ثروت وهانى- فى أغنيتهما الأيقونية الخلابة «بلدى»، التى شاركت فى تشكيل ملامح صورة الوطن فى وجدانى ووجدان جيلى الذى ولد ونشأ وترعرع فى مرات عرضها الأولى خلال النصف الأول من الثمانينيات. 

ليس هناك مَن هو أقرب لقلب المرء من صديق عمره ورفيق أيامه، وهناك من تحولهم سنوات الصداقة الطويلة إلى توأم متطابق، حتى تشعر بأن الملامح انصاعت للأقدار وتقاربت استجابة لمخزون إنسانى هائل تكوّن عبر السنين، قد يكون حدث شىء من هذا القبيل بين ثروت وهانى جعل الاثنين يتشابهان ملامح وروحًا ، وحتى الصوت الشجى لكل منهما لم يخل من رابط خفى يحيلك إلى صوت الآخر .

يا بلادى يا قبلة أحبابك.. كاتبين أسامينا على بابك

شخصيًا علىّ أن أعترف بأننى فى طفولتى كنت دائم الخلط بين ثروت وشاكر من فرط تلاقى روحيهما، وترسخ فى يقينى أنهما شقيقان أو «توأم»، وعندما نقبت عن سبب تلك القناعة الطفولية، وجدت أنه ارتباطى بذلك الفيديو الساحر لهما وهما شابان يقفان على مركب شراعى فى وسط النيل.. بينما ينشدان معًا: 

إن كان ع القلب مالوش غيرك

وإن كان ع الحب مفيش غيرك

ده جناحى مرفرف فـ سماكى

والقلب اتربى على خيرك

بلدى.. بلدى يا بلدى

تجمعهما نفس قسمات الثمانينيات الطيبة لشابين يحبان مصر، نفس تصفيفة الشعر، نفس دفء الصوت المشع من بين حروف الأغنية التى اقتنصها عبدالرحمن الأبنودى من قريحته فى لحظة الفرحة الكبيرة بتحرير سيناء ليغنيها الاثنان فى عيد التحرير الأول لأرض الفيروز فى ٢٥ أبريل ١٩٨٣.

ينشد هانى شاكر بصوته الدافئ وهو يتجول فى سيارته «اللادا» فى شوارع القاهرة، بينما يقطع «جميل المغازى» المخرج التليفزيونى العبقرى، على لقطات أخرى له جالسًا على المركب الشراعى.. وفى الخلف العربات تجرى على كوبرى قصر النيل، فيقول هانى: 

يا بلاد الثورة العربية * يا مصر يا أم الوطنية

على صفحة نيلك وقنالك * صورة لتاريخك ونضالك

يا أصيلة يا بلدى يا ست الحسن * يا بلد النور والدفا والحضن

ما هو إنت الأب وإنت الأم * مهما أقولك برضه شوية

هانى شاكر فى بداياته
هانى شاكر فى بداياته

ثم يدخل ثروت ليغنى الكوبليه الثانى.. وخلفه تقف الأهرامات راسخة كالجبال مع قطع كاميرا «المغازى» على لقطات أخرى له، جالسًا على نفس المركب الشراعى ولقطات أخرى يقود نفس السيارة فيقول:

يا بلادى يا كلمة مسموعة * رايتك فى قلوبنا مرفوعة

اسألى يا بلادى عن حبى * يا ساكنة فـ عروقى وقلبى

أنا مهما أشرّق وأغرب * مهما أبعد أتارينى بقرب

وأملا كفوفى م النيل وأشرب * حلوة المية لو مصرية

ثم يقتسم الثنائى الكوبليه الأخير من الأغنية قسمة عدل كما هندسها موسيقار بديع اسمه «جمال سلامة».. فيبدأ هانى قائلًا:

يا بلادى يا قبلة أحبابك 

فيرد ثروت: كاتبين أسامينا على بابك

ثم هانى يغنى: يا أحلى كلمة فى كلامى

فيكمل ثروت: أحلى لياليا وأيامى

ثم يدخلان بصوتيهما معًا ليغنيا آخر شطرين فى نفس واحد: 

يا أحلى ما فينا تنادينا * فى الليل فى الصبح حتلاقينا

حنور بيكى ليالينا * ونقدم أرواحنا هدية

وينهى الكورال مع صوتيهما الكوبليه الأساسى للأغنية كما بدأها: 

بلدى.. بلدى يا بلدى

إن كان ع القلب مالوش غيرك

وإن كان ع الحب مفيش غيرك

ده جناحى مرفرف فـ سماكى

والقلب اتربى على خيرك

بلدى.. بلدى يا بلدى

لتنتهى بذلك واحدة من أفضل الأغانى التى عزفت على لحن الوطن داخلى وداخل جيلى الذى ولد فى نفس سنوات نشأتها، وفُطم وعيه على معانيها، بل إننا حفظنا حتى كادرات جميل المغازى الودودة العذبة التى تداعب قاهرة الثمانينيات الساحرة فى ذاكرتنا، وتنشط ما اختزنته «راداراتنا» الطفولية حينها من صور جميلة، لذلك لم يكن غريبًا ما حدث قبل شهور من حالة احتفاء كبير بالحفل الذى جمع الاثنان فى أكتوبر الماضى ليغنيا معًا نفس الأغنية، وفرحنا بأن يضم كادر واحد مرة أخرى الرفيقين هانى شاكر ومحمد ثروت لينشدا معًا مجددا أغنيتنا المفضلة «بلدى».

الموجى تبنى موهبة هانى منذ البداية
الموجى تبنى موهبة هانى منذ البداية

عبد الوهاب والموجى كانا طوقى النجاة لموهبة الشابين لإنقاذهما من مشهد ضبابى صنعه رحيل الكبار فى السبعينيات

بقليل من التأمل تكتشف أن الأقدار قد جمعت بين هانى شاكر ومحمد ثروت فى ترتيب حياتهما دون أن يقصدا ذلك، فالبداية مثلًا كانت متشابهة اجتماعيًا وأسريًا كثيرًا، هانى ولد فى قلب القاهرة فى نفس سنة ثورة يوليو ١٩٥٢ بحى باب اللوق، وأبوه كان موظفًا فى مصلحة الضرائب، بدأ يقلد المطربين فى سن الثالثة فتحمس له الأب جدًا وألحقه بالكونسرفتوار، الكيان الموسيقى الجديد وقتها، تعلم فيه بجانب دراسته حتى وصل للثانوية العامة فالتحق بقسم الغناء فى المعهد العالى للتربية الموسيقية، كما أنه راسل المدرسة الملكية الموسيقية فى لندن وانضم طفلًا إلى فرقة كورال الأطفال تحت إشراف الدكتورة رتيبة الحفنى وشارك فى الحفلات وكان يغنى صولو لسيد درويش الذى أدى دوره طفلًا فى فيلم أحمد بدرخان عن قصة حياة الشيخ سيد فى عام ١٩٦٦.

وعلى مقربة من القاهرة كانت روح فنية أخرى تنمو فى نفس الوقت فى وسط الدلتا وتحديدًا «طنطا» حيث منزل شبيه لمنزل الأستاذ شاكر موظف الضرائب فى باب اللوق، منزل ينتمى لنفس الطبقة المتوسطة بكل ما فيها من مخزون ثقافى وفكرى، وهو منزل المهندس ثروت الذى رُزق ابنًا سماه محمد، ورث عنه النباهة وحب الهندسة بجانب حب آخر وشغف أكبر بالغناء، حيث ظهرت موهبته مبكرًا وشجعه الوالد الديمقراطى أيضًا على ممارسة هوايته وتطويرها لكن بشرط ألا يؤثر ذلك على تفوقه الدراسى، وهو ما كان.

وفى مرحلة مبكرة جدًا من عمره غنى الطفل محمد ثروت فى برنامج مسابقات للغناء وحصل على المركز الأول، فشاهده مُعد برنامج جنة الأطفال ماما سميحة، البرنامج الأشهر فى التليفزيون الوليد بداية الستينيات، فاشترك وغنى وصار وجهًا مألوفًا فى البرنامج، وهو بالصدفة أيضًا نفس البرنامج الذى دخله الطفل هانى شاكر أيضًا.

محمد عبدالوهاب كان عنصرًا مشتركًا بين هانى شاكر ومحمد ثروت، فقد كشفت مجلة الشبكة فى عددها ٤ يونيو ١٩٧٣ عن أن مأمون الشناوى الذى تبنى موهبة هانى فى البداية قد اصطحب الفتى إلى بيت موسيقار الأجيال ليسمعه، وعندما رأى القبول على وجه عبدالوهاب لصوته بعد أن قال له: أنت لك مستقبل، فاتخذها مأمون ذريعة لطلب لحن له فقال عبدالوهاب: قدام شوية، وهنا ضحك مأمون قائلًا: ابسط يا هانى الأستاذ حطك على الخطة الخمسية.

لكن يبدو أن الأيام مرت وجرفت هانى الشاب الصغير فى معركة ليس له يد فيها مع الصوت الرجالى الأول حينها عبدالحليم حافظ، عندما تبناه محمد الموجى تبنيًا كاملًا وتسربت إلى سطور الصحافة جملة قاسية على قلب العندليب وهى خليفة عبدالحليم، وهو ما اعتبره الأخير تحديًا وإعلان حرب عليه من جانب الموجى الذى مرت علاقتهما بفترة من الشد والجذب فى السنوات الأخيرة، وقد يكون ذلك هو ما عطل التعاون المباشر مع عبدالوهاب.

محمد ثروت فى أول الطريق
محمد ثروت فى أول الطريق

ويبدو أن عبدالوهاب قد تدارك هذا الأمر عندما عثر على محمد ثروت، فتحكى مجلة الشبكة أيضًا فى عدد أغسطس ١٩٧٨ عن اللقاء الأول بين ثروت وعبدالوهاب حيث سمع منه أول أغنية فلما انتهى سأله: هل تقرأ القرآن؟ فأجاب بنعم، فقال الموسيقار: إذن أسمعنى من آيات الله، وراح الموسيقار يتمايل طربًا وتنقل ثروت إلى الموال والتواشيح وعلى مد ساعتين يستمع فيهما عبدالوهاب للصوت الجديد.. ثم قال له: لك مع صوت الفن عقد، وسأحدث حسين السيد ومأمون الشناوى لكى يعطياك أغنيات لائقة وأنا سوف أعطيك لحنًا.

موسيقار الأجيال كان سند المهندس الشاب الموهوب
موسيقار الأجيال كان سند المهندس الشاب الموهوب

وكان كلام الموسيقار إيذانًا بفتح طاقة القدر أمام المهندس الموهوب وفتحت أبواب المجد للمطرب الشاب الذى يتبناه الملحن الأعظم، وهنا تتشابه بداية هانى وثروث فى فكرة أن كليهما قد قابله ملحن كبير وقرر أن يتبناه ويقف خلفه بكل ما يملك، فهانى يعتبر محمد الموجى هو أستاذه الأول وصاحب الفضل الأكبر فى حياته، فلولاه لما وقف على أرض صلبة وكذلك عبدالوهاب بالنسبة لثروت.

وبقيت الأمور على هذا النحو بعد أنا صار الاثنان هانى شاكر ومحمد ثروت رقمين مهمين فى معادلة الأغنية المصرية فى النصف الثانى من السبعينيات وبداية الثمانينيات، حتى وجد ثروت الفرصة بأن يجتمع مع صديقه فى تلك الأغنية الوطنية التى كتبها صديقه الأقرب عبدالرحمن الأبنودى وهى أغنية «بلدى»، والغرض غناؤها فى عيد تحرير سيناء الأول ٢٥ أبريل ١٩٨٣، فعرض ثروت على هانى مشاركته الدويتو وهو أمر غريب حينها، لأن المتعارف عليه فى الدويتو أن يكون بين مطرب ومطربة، لكن هانى وافق على الفور وتحمس ثم خرجت الأغنية من تحت أوتار جمال سلامة شديدة البهاء لتصير الأغنية الأنجح فى هذا العام، ويتخذها ثروت عنوانًا لألبومه الجديد، ما شجع التليفزيون على أن يصورها جميل المغازى بهذا الشكل العذب الذى حفظناه عن ظهر قلب.

الغريب أن الأقدار جمعت أيضًا هانى وثروت فى الأوجاع، فقد عانى الاثنان فى أولادهما.. الأول هانى فقد ابنته الكبرى بفعل المرض.. والثانى ثروت أنقذ الله ابنه الجميل من براثن المرض بعد أن ذاق الأب ويلات القلق على ولده سنوات حتى عافاه الله.

لكن لأن القسوة هى سمة القدر، فإننا نجد أنفسنا الآن نقف فى اللحظة الراهنة مشاركين الصديق قلقه ودعاءه وتضرعه إلى الله أن يمُن على رفيق عمره الراقد هناك فى باريس خلف أجهزة صماء لا تألو على صداقة ولا تهتم بحرقة قلب صديق، فقط صوت رتيب لا نهائى من «تيت.. تيت … تيت» وكأنها ساعة القدر تحصى الثوانى نحو مجهول لا يعلمه إلا الله.