حجاب المعاصرة.. شعراء التسعينيات.. الآباء الفعليون لقصيدة النثر
- الكتابات المترجمة لا ريادة لها فى غير لغتها ومعظمها لم تُترجم إلا بعد أن فرض شعراء التسعينيات حضورهم
- أمجد ريان فى مقدمة الآباء الحقيقيين للقصيدة الجديدة وحجازى وعصفور والخراط أقوى من دعموها ومهدوا لها
توقفت كثيرًا أمام سلسلة المقالات التى نشرتها «حرف» للشاعر كريم عبدالسلام تحت عنوان «الآباء المؤسسون لقصيدة النثر المصرية»، وهى المقالات التى تحدث فيها عن عدد من التجارب والمحاولات السابقة للظهور الفعلى والفاعل لقصيدة النثر المصرية.. ورغم إعجابى بتناوله تجارب مجموعة من كبار الكتاب المصريين الراحلين، وممن يحتلون مكانة مرموقة فى ذاكرة الأدب العربى، مثل لويس عوض وبدر الديب وجويس منصور وجورج حنين، لكننى لم أفهم لماذا الإصرار على منح البعض مكانة غير التى اختاروها لأنفسهم؟! ما المبرر لوضعهم فى مواقع ليست لهم، ولم يجهدوا أنفسهم فى رحلة الوصول إليها؟!.. كل هؤلاء كتّاب وفنانون ونقاد كبار لا شك فى ذلك، ولكل منهم منجزه المهم، بل شديد الأهمية.. لكنهم لم يفعلوا شيئًا حقيقيًا وملموسًا للانتصار لقصيدة النثر، لم يواجهوا نقدًا مغلقًا، تحكمه قوانين ومناهج سابقة، لم يقفوا فى وجه محاولات الإقصاء والنفى، ولم يكتبوا أكثر من تجارب خجولة، بدائية وساذجة، وتحت مسميات لا علاقة لها بالشعر ولا بقصيدة النثر، بل إن غالبية هذه الكتابات لم تظهر للنور، وتكتسب حيثية وجودها إلا بعد ظهور جيل شعراء التسعينيات، وقتالهم لفرض حضورها القوى والمؤثر فى الشعر العربى عمومًا، خصوصًا أن كتابات هؤلاء «القريبة من قصيدة النثر» تمت كتابتها فى لغات أخرى غير العربية، ولا ريادة لها فى غير اللغة المكتوبة بها، حتى إنها لم تترجم إلى العربية إلا بعدما فرض شعراء التسعينيات حضورهم، وفى مجلات ظهرت فى الأساس بدعمهم ولدعمهم، ولم يكن لها وجود بدونهم.. وفى مقدمتها مجلات «الكتابة الأخرى» و«الجراد» و«الفعل الشعرى»، وكلها مجلات قام عليها شعراء كانوا يكتبون قصيدة النثر من جيلى الثمانينيات والتسعينيات، وأنفقوا الكثير من أعمارهم وقروشهم القليلة فى التحضير لها، وتجهيزها ونشرها.
والحقيقة أننى حتى هذه اللحظة لا أفهم لماذا يصر الكُتَّاب فى عالمنا العربى على البحث عن «أب روحى» لحركة اكتسبت حضورها، وامتد تأثيرها، لسنوات طويلة على المشهد الأدبى، من غير كتّابها أو منتسبيها، ومن غير الفاعلين الحقيقيين فى ذلك الحضور والتأثير؟!

رغم إعجابى بالمجهود الذى بذله الشاعر كريم عبدالسلام فى التأريخ لهؤلاء الكبار، لكننى لم أستطع هضم العنوان الذى وضعت أسماؤهم تحته، فأقرب محاولاتهم للشعر كما قلتُ كُتبت بلغات أخرى، الفرنسية فى مقدمتها، أما ما كتبه أصحابه بالعربية، فهو نفسه يقول عنها إنها «كتابة مرسلة خالية من العَروض»، و«محاولات غير ناضجة، ساذجة، لم تجرؤ على الدخول فى بحر الشعر».. ومنها قوله عن تجربة لويس عوض: «قصائد بلوتو لاند فى معظمها سخيفة وتقليدية حتى النخاع إذا استثنينا سونيتات العامية ومقطوعة أو اثنتين بالفصحى»، وقوله عن تجربة بدر الديب التى لا يخفى انبهاره بها وانحيازه لها: «من هنا كانت تجارب الأحلام وكيانات النوم والعودة إلى لحظات الخلق الأولى واستخدام مفاتيح الحروف والمعرفة الباطنية واستعادة لحظات الخلق الأولى ومعارضتها، بهدف خلق صيغ تعبيرية جديدة».. وغيرها من الآراء التى لا تختلف كثيرًا عما أريد الذهاب إليه، غير أننى أريد التوقف أمام العنوان والفكرة التى بنيت عليها الحلقات، لماذا نريد نسب أى تيارات أدبية جديدة إلى أجيال سابقة على وجودها الفعلى؟! فالثابت أن أول دراسة عن قصيدة النثر بالعربية نشرها أدونيس فى مجلة «الشعر» اللبنانية ربيع عام ١٩٦٠، وكانت متأثرة بأفكار سوزان برنار، ويقول الناقد الفلسطينى الدكتور حمدى الجبالى فى كتابه «قصيدة النثر»: «كان أول من سمى هذا النتاج الشعرى قصیدة النثر، نقلًا عن التسمیة الفرنسیة الواردة فى كتاب سوزان برنار. كما أفاد من أفكارها حول هذه القصیدة»، مضيفًا: «قبل نشوء قصیدة النثر، ظهرت اتجاهات شعریّة قریبة الشبه، حاولت أن تخرج عن الشكل التقلیدىّ الموروث، الذى كان سائدًا فى ساحة الشعر العربىّ شكلًا ومضمونًا، وأقدم هذه المحاولات ما عُرِفَ بالشعر المنثور، الذى كان أمین الریحانى رائده، وأول من استعمله، والشعر النثرى، أو القصیدة المنثورة، التى كان جبران خلیل جبران رائدها، وأول من استعملها، والنثر المركز، والنثر المشعور، وما إلى ذلك من تسمیاتٍ لمحاولات تحررت من الوزن والقافیة، واعتمدت فى بعضها على بعض السجعات، وفى بعضها الآخر على لغة تحاول التّشبُّه بلغة الشعر، إلا أن هذه المحاولات لم تلقَ الاستجابة إلا فى نطاق محدود وضیّق»، والثابت أنه لم يكن هناك شىء اسمه «قصيدة النثر» قبل ظهور شعراء جيلى الثمانينيات والتسعينيات فى مصر، ومن بينهما يظل جيل التسعينيات هو الجيل الأحق بوصف «الآباء الفعليون لقصيدة النثر»، فهو الجيل الذى واجه النفى، وعنف الاتهامات بكثافة الإنتاج، وبذائقة جديدة ومغايرة.. وانتزع الاعتراف بما يكتب، ولو بتحفظات التقليديين ونفورهم.

نعم كانت هناك محاولات سابقة هنا وهناك، لكنها كانت مجرد محاولات متفرقة وخجولة، ودون مشروع حقيقى متكامل، وهى محاولات لا يجوز ردها فقط إلى بعض الكتاب فى جيل الستينيات، أو حتى الثلاثينيات من القرن الماضى، بل ولا قصائد بودلير ورامبو وإدجار آلان بو ولا تنظيراتهم، فلم تكن هى المرجع، ولا تنظيرات سوزان برنار، فكثير من شعراء التسعينيات عادوا إلى كتابات الإمام «النفرى» على وجه التخصيص فى كتابة ما تمور به دواخلهم، وكانت كتابات المتصوفة العرب وغير العرب، والكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن، ومقولات المتصوفة والفلاسفة الكبار، هى المعيار والدليل الذى ذهب إليه قطاع كبير من هؤلاء الشعراء لمعرفة ذواتهم وموقعها من الكون، ومن رحلة الليل والنهار، فراحوا يبحثون فى إيقاعات الشبلى وأفكار الرومى وابن عربى، بينما اشتعل بريق من اعتمدوا قصيدة النثر الغربية لفترة وجيزة، ثم ذهبوا جميعهم إلى ما جاءوا من أجله.. الهجرة والحياة فى الصقيع والأكواخ الجبلية، وغيرها من مفردات الحياة التى كانوا يكتبون عنها دون أن يعايشوها.

ربما لعب «حجاب المعاصرة» دوره فيما ذهب إليه كريم عبدالسلام، فالواقف فى قلب الصورة لا يراها كاملة، وكما تورث المعاصرة المنافسة فإنها تفرض الحرج، وتميل إلى المبالغة والتضخيم أحيانًا، كما تميل إلى التقليل من المنجز أو عدم الإنصاف فى كثير من الأحيان.. لذا فما أريد الذهاب إليه هو أن قصيدة النثر، أو أى حركة أدبية أو فنية أخرى، ليست بحاجة إلى تحديد لجذور وحصرها فى أسماء بعينها، ليست بحاجة إلى بحث عن آباء وفاعلين من غير من دفعوا من أعمارهم ثمنًا لوجودها ووجودهم، فكل حركة أدبية لها من قاموا بها، وقاوموا محاولات طمسها ونفيها، ولكل تيار إبداعى من أثبتوا حضوره، وجاهدوا وتعبوا من أجل حضوره والتأسيس له، وفيما يتعلق بقصيدة النثر المصرية فإن ما أعرفه، وما رأيته وشهدت عليه هو أن الآباء المؤسسين لقصيدة النثر المصرية، دون حصر أو ترتيب، هم شريف رزق وفتحى عبدالله وعزمى عبدالوهاب وأسامة الحداد وكمال عبدالحميد وإبراهيم داود وعبدالحفيظ طايل وياسر الزيات وأمل جمال وبهية طلب ومحمود قرنى وحسن خضر وجرجس شكرى وعماد فؤاد، هم حمدى عابدين وميلاد زكريا يوسف ويوسف إدوار وهيب وفارس خضر وحسين القباحى وفتحى عبدالسميع.. وغيرهم كثير من الأسماء الفارقة والحاضرة فى المشهد الشعرى طوال هذه السنوات الحاسمة.. وهم فى قصيدة العامية مجدى الجابرى ومصطفى الجارحى وصادق شرشر وطارق هاشم وحاتم مرعى وطاهر البرنبالى وعبدالدايم الشاذلى وكثيرون كثيرون من الشعراء الذين تجولوا فى المحافظات والمدن والقرى البعيدة من أجل المشاركة فى ندوة أو حضور أمسية، أو الاستماع إلى محاضرة.

هؤلاء هم الذين تمكنوا رغم حداثة أعمارهم من استمالة حلمى سالم وجمال القصاص ومحمد سليمان وأحمد طه وأمجد ريان ورفعت سلام وغيرهم من كبار شعراء السبعينيات للتحول من التفعيلة إلى النثر، فزاد حضورها واكتسبت شرعيتها فى النشر والتداول بسبب حضورهم المؤثر فى المشهد الشعرى العربى والعالمى كشعراء كبار ومؤثرين.
وهؤلاء هم من أجبروا الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى على قراءة قصائدهم، والإعجاب بها ونشرها فى مجلة «إبداع» رغم معارضته لها، وتمكنوا من انتزاع مباركة ورعاية إدوار الخراط وغالى شكرى ومحمد عبدالمطلب وجابر عصفور.
إن أردنا الإنصاف فإن الأب الفعلى لقصيدة النثر فى مصر، فى تصورى، هو الشاعر الكبير أمجد ريان، تختلف أو تتفق مع ما يكتبه من قصائد وقراءات نقدية، مع طريقته فى التعبير عن نفسه وعن محبته ومساندته لجميع التجارب الشعرية أيًا كانت درجة نضوجها أو جنوحها إلى التهويم فى الفراغ، لكن الثابت والمؤكد أنه هو الوحيد من الأجيال السابقة الذى تقبل الجميع، وناقشهم بجدية واهتمام لم يفعله أحد غيره، فتح بيته وجميع الأماكن التى تواجد بها للحديث عن حاضر الشعر وماضيه ومستقبله، ولم يهدأ فى مواجهة من حاولوا التقليل من أهمية تحرر الشعر من القوالب الجاهزة، وتحليقه فى كل الاتجاهات بحثًا عن مستقر.

وهو الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى الذى هاجم قصيدة النثر فى بداياتها، وأطلق عليها تعبير «القصيدة الخرساء»، لكنه لم يغلق باب مجلة «إبداع» التى كانت قبلة المبدعين والشعراء العرب وقت رئاسته لتحريرها، وكان النشر فيها بمثابة صك اعتراف بشاعرية أى كاتب، وكنت شخصيًا ممن نشر حجازى قصائدهم النثرية فى متن المجلة المصرية الأكثر أهمية فى العالم العربى على الصعيد الأدبى والفنى، كما نشر لكثيرين من قبلى، شعراء كثيرون تكرست أسماؤهم عبر النشر تحت مظلته.. وهو الروائى الكبير خيرى شلبى الذى دعم جيل التسعينيات كله، ونشر قصائدهم جميعًا خلال رئاسته لتحرير مجلة «الشعر»، النهج الذى كرره وسار عليه من بعده الشاعر الكبير أحمد هريدى.

وهو الدكتور جابر عصفور الذى أنشأ سلسلة «الكتاب الأول» لنشر إبداعات الأجيال الجديدة من الكتاب والشعراء، وفى المقدمة منهم شعراء قصيدة النثر، الفصحى والعامية، فكانت إصداراتها الأولى بوابة ملكية لتثبيت قواعد تلك القصيدة الجديدة.

هؤلاء وغيرهم كثيرون من النقاد والكتاب والمفكرين من رعوا قصيدة النثر، وساعدوا كتّابها على الحضور والانتشار وتمهيد الأرض للأجيال الجديدة.. وحتى هؤلاء لا يمكن أن نقول إنهم آباء مؤسسون للقصيدة الحديثة، هم بشكل أو بآخر.. رعاة ومشاركون وداعمون.. لا أكثر ولا أقل.







