الثلاثاء 30 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

رحلة الغريق إلـى الحيـاة.. بين ساحرات ماكبث وندّاهات كريم عبدالسلام

حرف

- الرقم 7 سر من أسرار البناء والكتابة فى الديوان بما يحمله من دلالات رمزية ودينية

- الغريق بطل الحكايات فى الديوان يختلف عن البطل فى الأساطير بأنه لا يحقق نصرًا ولا يقدم حلولًا سهلة للقارئ

عندما يبتلع البحر شخصًا، يخفيه فى جوفه أيامًا وأسابيع، قبل أن يسمح له بالظهور على هيئة جديدة، مرتطمًا بالصخور، جوالًا بين الشواطئ. زمان ومكان الظهور يحدده البحر لا الغريق.

كذلك النيل عندما يبتلع شاعرًا، يطوف به بين القرى والنجوع وحدائق النخيل والأعناب ليريه فصولًا من التاريخ ومحطات من الحياة واختلاط الأزمنة، مستقبل الماضى وماضى المستقبل، حتى إذا حانت اللحظة وخرجت الصيحة المعروفة: «غرييييييييييق»، يرى الأحياء الجثمان المنذور للرحلة والرؤية، وقد طفا على سطح المياه المحملة بالأسرار، وتكون رحلة الغريق اكتملت بين الأزمنة، والمياه باحت له بأسرارها وخفاياها، وعلى الأحياء أن يتسلموا وديعتهم وأن ينصتوا لأسرار الرحلة.

هكذا يصنع كريم عبدالسلام فى ديوانه «نَدّاهاتُ بحرِ النيل»، وهو الديوان الثالث من مشروعه الجمالى «بالادات» القائم على ضخ دماء الحكاية الخيالية فى قصيدة النثر، لنكون أمام عالم جديد وعجيب لا ينفصل عن الواقع بكل ما يجرى فيه، وفى الوقت نفسه يقدم خيالًا خلاقًا يدفعنا لتأمل التفاصيل فى الحكايات الواردة وما بها من إحالات وتعبيرات ومساحات واسعة من الصمت المحفز على الكلام.

فى الديوانين السابقين من مشروع بالادات «أيها القارئ السعيد.. ماذا فعلت الحملان بالذئاب»، و«الوحوش دخلتْ البيت»، كنا أمام قصائد/حكايات/حبكات منفصلة، يجمعها منطق الحكى وشطح الخيال ورهافة التساؤل الشعرى وإعادة تفسير الوقائع والأزمنة وترتيبها فى سياقات جديدة، لكننا فى الديوان الثالث «نداهات بحر النيل» نجد أنفسنا أمام عالم متشابك أو ما يشبه شجرة الحكايات أو المعمار الروائى، فلدينا شخوص بعينها مثل النداهات، وهى تحيط بالديوان وأفقه من اللحظة الأولى، وكأن الديوان مقسم إلى سبعة سياقات على رأس كل سياق نداهة من النداهات، التى تسلم كل واحدة منها الأخرى فى تراتب محسوب وظاهر.

أيضًا لدينا شخصية الغريق، الذى يبدو تائهًا باحثًا عن ماضيه ومستقبله، بل باحثًا عن وجوده وتغيير واقعه الحالى من غريق إلى مالك لزمنه ومصيره، وهذا الغريق هو الراوى الأساسى فى الديوان، حيث تستدعيه كل نداهة فى صدر القسم الخاص بها وتطالبه بحكاية تجعلها تضحك أو تبكى، وفى المقابل تمنحه وعدًا بالعودة للحياة إذا تحقق الشرط الموضوع، أن تضحك أو أن تبكى، أما إذا لم يتحقق الشرط يكون العقاب أن تأخذ النداهة عينًا من عينى الغريق.

هكذا الحال يتكرر مع كل نداهة من النداهات السبع، وفى كل مرة يتحقق شرط النداهات، وتذرف الدموع من أثر الحكاية التى يسردها الغريق، لكن الوعد الذى تمنحه النداهات للغريق لا يتحقق، كأنه المستحيل، إذ تنصرف كل نداهة من النداهات السبع بعد الحكاية التى يسردها الغريق متأثرة باكية وتتركه فى متاهة مع مجموعة من المفاتيح المتكررة المرقمة، أو الأبواب المغلقة فى هذا المعمار المتشابك.

بعد كل حكاية يسردها الغريق للنداهات، من النداهة الأولى إلى السابعة، وبعد أن ينصرفن عنه ناكثات بوعودهن إليه، يصادف الغريق ستة أبواب: الدجال/المنفى/الحلم/الرغبة/الزمن/السؤال، وهذه الأبواب أو المتاهات الصغيرة الكاشفة متكررة مع كل نداهة، وإن كانت مرقمة وموصوفة برقم النداهة وترتيبها، وكأنها دورات زمنية متعاقبة ومختلفة، لكنها تشير إلى التكرار والتشابه للأحداث والوقائع.

ومع النداهة السابعة نكتشف أن الغريق مر بالدجال سبع مرات فى سبعة أزمنة مختلفة، ومر كذلك بأبواب المنفى والحلم والرغبة والزمن والسؤال سبع مرات فى سبعة أزمنة مختلفة، وهذا التشابك والتشابه يجعل فصول الحكاية متجاورة ومتقاطعة أشبه بالمرايا المتجاورة يكشف كل باب الأبواب الأخرى، ويضعنا فى النهاية أمام حيرة السؤال: أين الغريق ؟ أكلنا غرقى ؟ ماذا نفعل حتى نسترد وجودنا الضائع؟

يبنى الشاعر كريم عبدالسلام معمار ديوانه «نداهات بحر النيل» على الرقم سبعة، بحمولته الرمزية الدينية والتراثية الغنوصية، فنجد الديوان مقسمًا إلى سبعة أقسام، على رأس كل قسم منها نداهة تحمل رقمًا من الواحد إلى السبعة، كما نجد كل قسم أو كل نداهة تحمل فى جعبتها سبع قصائد ليكون مجموع القصائد فى الديوان تسع وأربعون قصيدة من مضاعفات الرقم سبعة. أيضًا على مستوى قصائد الديوان، نحن أمام متاهة ذات سبعة أشواط أو سبعة مسارات، بعناوين متكررة ولكنها مرتبة من الرقم واحد إلى الرقم سبعة، فنجد النداهات من الأولى إلى النداهة السابعة تطلب الحكاية من الغريق، وبعدها تتوالى القصائد المعنونة بنفس العناوين وإن اختلفت فى الترقيم، وتبدأ بقصيدة أو حكاية «غريق والدجال»، مرقمة فى كل قسم من الواحد إلى السبعة، فالنداهة الأولى تتبعها قصيدة «غريق والدجال ١» كما أن النداهة السابعة تتبعها قصيدة «غريق والدجال٧»، وهكذا الأمر فى سائر القصائد، لنجد الترتيب الذى يبدو وكأنه يحكى مسارًا خطيًا متصاعدًا: النداهة الأولى ويتبعها «غريق والدجال١»، و«غريق والمنفى ١»، و«غريق والحلم١»، و«غريق والرغبة١»، وغريق والزمن١»، و»غريق والسؤال١».

ومع انتهاء القسم الأول من القصائد التى تقوده النداهة الأولى، يبدأ القسم الثانى من القصائد بقيادة النداهة الثانية، وعناوين القصائد نفسها مع تغيير الرقم المسلسل ليكون «اثنين»، وهكذا مع النداهة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة التى تحمل القصائد فيها الرقم سبعة، «غريق والدجال٧»، و«غريق والمنفى ٧»، و«غريق والحلم٧»، و«غريق والرغبة٧»، وغريق والزمن٧»، و«غريق والسؤال٧».

نحن إذن أمام القصائد نفسها وقد وصلت إلى منتهاها، مع اكتمال دورتها وصولًا إلى الرقم ٧، كما يمكننا فى هذه الحال قراءة الديوان أفقيًا سيرًا مع تتابع النداهات، أو رأسيًا، اقتفاءً لمسار كل قصيدة على حدة من الرقم واحد إلى الرقم سبعة، كأن نقرأ قصائد الغريق والدجال أو قصائد الغريق والمنفى، أو الغريق والحلم، وهكذا.

رحلة الغريق الباحث عن وجوده الضائع، هى التيمة الرئيسية المتكررة فى ديوان «نداهاتُ بحر النيل»، وما أشبهها برحلة أوديسيوس إلى إيثاكا التى استغرقت عشرين عامًا، رأى فيها أوديسيوس الأهوال، وطاف بعوالم من الوحوش والغرائب والاختبارات، قبل أن يعود إلى جزيرته وزوجته وابنه وأبيه الشيخ الطاعن فى السن، ليجد زوجته بينلوبى قد أعدت اختبارًا لخطابها الراغبين فى ارتقاء عرش إيثاكا، من يستطيع استخدام قوس أوديسيوس النادر ستوافق بينلوبى عليه زوجًا، لكن لا أحد من الخطاب الطامعين يستطيع وضع وتر القوس فى مكانه إلا أوديسيوس المتنكر نفسه، الذى يعود إلى المشهد والبيت وعرش إيثاكا وإلى قلب زوجته الصابرة لتكتمل رحلة البطل بالفوز والانتصار بعد مجابهة الأهوال.

الغريق فى ديوان «نداهات بحر النيل»، يبحث عن أمر واحد مستحيل، هو العودة من الموت إلى الحياة عن طريق الحكاية، ومع كل نداهة من النداهات السبع، يخضع للشروط المتكررة بحذافيرها «أيها الغريق.. أيها الغريق.. هات حكاية تجعلنى أضحك أو أبكى، ومن يدرى ربما أعيدك للحياة وأدلك على الأرض.. إذا لم أضحك أو أبكى من حكايتك سآخذ عينًا من عينيك».. هكذا الشرط إذن وأيضًا هكذا الوعد الغالى.

مع كل نداهة تكون الحكاية إما بابًا للعودة إلى الحياة، أو عقابًا جديدًا ينضاف إلى الموت غرقًا، بسلب عين من عينى الغريق، وفى كل دورة من الدورات السبع لحكايات النداهات والغريق، يتجاوز الغريق العقاب وينجح فى إبكاء النداهات، لكن النداهات واحدة بعد أخرى يحنثن بوعودهن، ولا يُعدن الغريق للحياة. 

حكايات الغريق للنداهات، جميعها تدفع النداهات للبكاء، فليس فيها شىء مضحك، كما أنها تبدو فى ظاهرها حكاية واحدة تتكرر مع أزمنة مختلفة، عزفًا على موقف الساحرات الثلاث اللاتى يظهرن للفارس ماكبث حاكم «جلامس» ويخبرنه بأنه سيصير ملكًا، فيتحرك بشكل ما ليقتل دنكان ملك اسكتلندا، ويرتقى عرشه.

سبع مرات يحكى فيها الغريق الحكاية للنداهات السبع، وفى كل مرة يبدأ البداية نفسها، لكن بتفاصيل مختلفة تؤدى إلى النهاية نفسها، وكأننا أمام لعبة زمنية يتكرر الحدث نفسه أو الحكاية نفسها فى زمن جديد بشخوص جديدة، وينتهون إلى الموت والانهيار.

رحلة البطل الغريق، ليست هى نفسها رحلة أوديسيوس إلى إيثاكا، فإذا كان أوديسيوس قد نجح فى مجابهة الأهوال والعودة إلى عرشه وبلده وزوجته، فإن الغريق هنا فى دائرة مفتوحة من المواجهة، لا يملك إلا الحكايات يحكيها فى حضرة النداهات، فيذرفن الدموع، وينسحبن فى صمت، لنكون أمام موقف وجودى عابث، لا أمل فيه ولا نجاح معه، على العكس من رحلة البطل فى الأساطير القديمة. 

إن رحلة البطل- الغريق فى أسطورة النداهات لكريم عبدالسلام محكومة بالمصارحة، بالوعى، بالصدمة، لا بالتخدير أو التطهير التى تحدثه رحلة البطل المنتصر فى نهاية الأسطورة التقليدية، رحلة الغريق تفضى إلى ضرورة تغيير المصير، حتى يمكن أن يعود الغريق للحياة، أو حتى يستطيع الغريق انتزاع الحياة ممن سلبها منه، خاصة أن النداهات القادرات على صنع المعجزات وإعادة الغريق للحياة لا يستطعن الوفاء بوعودهن.

فى قصيدة سابقة للشاعر كريم عبدالسلام بعنوان «الزمن يشرب القهوة مع الشيشة» فى ديوان «بالادات.. الوحوش دخلت البيت»، يتخيل الشاعر الزمن شخصًا يصمم ألف سنة جديدة فى المستقبل، ولأن البشر لا يتعلمون من دروس الماضى ولا يتذكرون المستقبل، يصنع الزمن ألف سنة جديدة مشابهة تمامًا للألف سنة السابقة عليها، أو كما يقول الشاعر «الزمنُ/ يجلسُ على المقهى، ويطلبُ قهوتَه مع الشيشة/ لكنه يبدو مهمومًا/ اليوم/ عليه أن يُرتّب ألفَ سنةٍ مقبلةٍ/ بأحداثِها/ وبشرِها/ وأزيائِها/ وكوارثِها/ وموسيقاها/ وشعرائها/ وحشراتِها/ وأوبئتِها/ وزعمائِها المجانين».

لعبة التكرار تيمة مقصودة فى الديوان، بداية من تكرار عناوين القصائد مع اختلاف الترقيم، مرورًا بتكرار البادئة الأساسية فى القصائد الافتتاحية للنداهات، إذ إن كل قصيدة تبدأ بنداء الغريق وطلب الحكاية مع شرط ووعد، «أيها الغريق.. أيها الغريق.. هات حكاية تجعلنى أضحك أو أبكى، ومن يدرى؟ ربما أعيدك للحياة وأدلك على الأرض.. إذا لم أضحك أوأبكى من حكايتك.. سآخذ عينًا من عينيك».

وتستمر معنا تيمة التكرار فى بدايات الحكايات التى يسردها الغريق على النداهات، من الأولى إلى السابعة، فكل الحكايات تبدأ بالتقاطع مع ماكبث شكسبير هكذا:

«كان أو سيكون

فارس نبيل

تظهر له ثلاث ساحرات

يخبرنه أنه سيصير ملكًا

بشرط واحد

أن يقتل..

العرش مقابل سفك الدماء»

ورغم التكرار فى بادئة الحكايات السبعة التى يسردها الغريق على مسامع النداهات، إلا أن تحولات الحكايات مختلفة متباينة من فارس إلى فارس ومن زمن إلى زمن، الأمر الذى يجذبنا إلى فكرة العود الأبدى لنيتشه، وكيف تتكرر الأحداث والوقائع فى أزمنة مختلفة بحذافيرها، وكأن البشر لا يعون دروس الماضى ولا يتعلمون من التجربة.

لعبة التكرار تستمر معنا أيضًا فى خواتيم الحكايات التى يسردها الغريق للنداهات حتى يستعيد وجوده الضائع، إذ إن كل نداهة تستمع إلى الحكاية المؤثرة وتبكى ثم تنصرف دون أن تحقق الوعد المرتبط بالشرط، وهو أمر غريب فى الحكايات الأسطورية إلا إذا كان هناك سد منيع أو قوة خارقة تعطل تحقيق الوعد.

إن لعبة التكرار فى مفتتحات القصائد وخواتيمها هدفها التأكيد على بنية محددة مقصودة لذاتها، إذ إننا بعد أن نصل للنداهة السابعة ندرك بخيالنا ووعينا طبيعة التراجيديا التى تحيط بالغريق وتسيّره، كما تنكشف أمام أبصارنا، مواقعنا نحن القراء من هذا الغريق الساعى وراء حياته الضائعة، لكأننا نحن جميعًا غرقى نبحث عن حيواتنا التى ضاعت فى ظروف ملتبسة، لا نملك فى سعينا إلا الكلمات التى خرجنا بها من الحياة، نرددها على الأشباح أو النداهات أو ظلال القمر على المياه السوداء، على أمل أن تنقذنا من المأزق الوجودى الذى أصبحنا عليه، لكن الزمن يمضى بنا، ويدفعنا من شاطئ إلى شاطئ، نتحدث بكلماتنا بحثًا عن الحياة الضائعة دون جدوى

نعم الرؤية فى ديوان «نداهات بحر النيل» قاتمة وصادمة وعبثية، لكنها كاشفة بقدرة الخيال عما يعانيه العالم كله حاليًا من جنون ويأس وانعدام القيم والمصير المجهول.. حتى يصبح السؤال الأساسى بالنسبة لنا: «إلى أين تتجه بنا الحياةُ نحن الغرقى الجوالين.. وهل لنا غدٌ وشمسٌ تشرق علينا؟».