الأربعاء 12 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

عودة «تتح».. كيف نفض «جيل زد» التراب عن فيلم محمد سعد؟

حرف

- لو أن سعد قدم هذا الإسقاط بجدية مفرطة لكان له شأن كبير

هذه حكاية أريد أن أصل إليها مباشرة دون مقدمات.

فجأة منصات السوشيال ميديا مقلوبة، خصوصًا لدى الشباب الصغير، بسبب فيلم مرّ على إنتاجه أكثر من 13 عامًا.

الفيلم هو «تتح»، الفيلم الذى ذبحه النقاد وقتها، وقالوا إن محمد سعد انتهى وإنه يكرر نفسه، وصار مجرد مسخ! 

فجأة، ودون أى مقدمات، الآن، عاد الفيلم من القبر، والسر بسيط، مجرد تصريح عفوى جدًا من الفنان هشام ماجد فى بودكاست.

المذيع سأله: «ما الذى يضحكك؟»، فرد هشام ببساطة: «محمد سعد.. وفيلم تتح تحديدًا، بموت من الضحك بسببه».

هشام ماجد، الذى يمثل الجيل الجديد من الكوميديا الشيك، فتح بهذا التصريح بابًا مجهولًا لا يعرفه الشباب الصغير.

شباب فى العشرينات من عمرهم الآن التقطوا الكلمة، ودخلوا يبحثون عن الفيلم، ويا للمفارقة، الشاب الذى يبلغ 20 عامًا اليوم يعتبر فيلم «تتح» نوعًا من «النوستالجيا». إذن، الحنين للماضى لم يعد لأفلام الأبيض والأسود، الحنين أصبح لعام 2013! وقت أن كان هذا الشاب طفلًا صغيرًا يلعب فى البيت، بينما الشوارع فى الخارج تغلى سياسيًا.

هنا وقفة.

هل لاحظت أن ما فعله هشام ماجد، دون أن يدرى، فضح هشاشة الفن الذى يقدم الآن؟ الدهشة ليست فى أن الفيلم عاد للواجهة، الدهشة فى فسيولوجية المتلقى، والجيل الذى يتهمونه بالتفاهة، هذا الجيل يريد فقط أن يعرف، ليحدد خياراته وذائقته، فلم يقُم أحد من الكبار بدوره ليشير إليه بما سبقه ولا يعرفه.

فى النهاية، الإنسان فى كل زمان ومكان هو نفسه الإنسان، يبحث عن شىء أصيل.

والجيل الشباب لم يطلع على شىء منذ ولادته إلا ورش كتابة تستنسخ أعمالًا أجنبية، وممثلين يقفون أمام الكاميرا بوجوه خشبية ونظرات باردة، مع شركات تسويق مريبة، تصرف الملايين على اللجان الإلكترونية لتصنع نجومًا من ورق، وتفرضهم على الناس بالعافية.

لذلك، عندما شاهد الجيل الجديد محمد سعد فى «تتح»، أدركوا الفارق.

أدركوا أن هناك ممثلًا كان يحرق أعصابه، ويعصر جسده، ويغير صوته، ويبذل مجهودًا خرافيًا فقط ليخطف منهم ضحكة، بينما نجوم اليوم كل مجهودهم يتركز فى اختيار ماركة القميص الذى سيظهرون به فى المشهد.

هذا هو مخ محمد سعد، وهذه هى النقطة التى أريد أن أصل إليها، أن محمد سعد لا يزال موجودًا وقادرًا على العطاء، فقط نريد ألا نصادره، ونكرر نفس الجمل المحفوظة: «محمد سعد يكرر نفسه، محمد سعد ضاع!»

لا، العكس صحيح، محمد سعد هو أستاذ الكوميديا، الرجل الذى يمثل بعنقه، بظهره المقوس، بحَوَل عينيه الطفيف، بحشرجة صوته، هذا التكنيك لا يملكه فى مصر سوى قلة نادرة. النقاد استسهلوا الشتيمة، وقالوا إنه يكرر نفسه، لكن الجمهور كان أذكى.

الجمهور أدرك أن الموهبة الحقيقية لا تموت، حتى لو مات صاحبها ألف مرة.

تعرفون ما هى بوصلة هذا الفيلم الحقيقية؟ الإسقاط السياسى، لأن الفيلم عُرض فى مايو ٢٠١٣.

أى قبل ثورة ٣٠ يونيو بأسابيع، مصر كانت تغلى، طوابير بنزين، انقطاع كهرباء، احتقان فى الشوارع.

وفى وسط هذا الجنون، خرج «تتح».

ظاهره تهريج، وباطنه وثيقة سياسية مرعبة.

فهل نخبر الشباب الصغير بإسقاط ورسائل الفيلم التى ربما لم يقرأها لأنه لم يعِشها؟، حسنًا، ببساطة «تتح» هو المواطن المصرى المطحون، يسكن فى حى عابدين العريق، الحى الذى يمثل السلطة والتاريخ.

لكن أين يسكن فى عابدين؟ فى غرفة عشوائية فوق السطوح، هذا هو حال المواطن، يعيش فوق التاريخ لكنه لا يملك منه شيئًا، مهنته؟ بائع جرائد.

يوزع مانشيتات السياسة والدستور كل صباح، لكنه لا يقرأها، ولا يفهمها، ولا يعنيه سوى تدبير ثمن عشائه.

شعار «تتح» فى الحياة: «أمشى جنب الحيط»، يعيش معه ابن أخته «هادى»، هادى هو الجيل الشاب. العاطل، المحبط، الذى يقضى حياته أمام شاشات الإنترنت.

ينتظر خاله الفقير ليصرف عليه، وفى نفس الوقت يتعالى عليه بالتكنولوجيا.

ثم يظهر المعلم «حصوة»، الجزار والبلطجى.

هذا الرجل هو رمز السلطة الغاشمة، أو رأس المال المتوحش، أو الميليشيات التى كانت تحاول السيطرة على الشارع وقتها، حصوة يريد شيئًا واحدًا: شقة تتح، والشقة هى الوطن، المساحة الوحيدة التى يملكها هذا المواطن الغلبان.

كيف ساوم «حصوة» تتح؟ هل رفع عليه السلاح؟ لا، هل هدده؟ لا.

ساومه ببطنه، قال له بوقاحة: «ليك عندى كيلو لحمة ضانى كل أسبوع.. تمضى؟».

هذه هى «الرشوة الانتخابية» فى أبشع صورها.

كرتونة الزيت والسكر التى تُشترى بها الأوطان، وماذا فعل المواطن الجائع؟سال لعابه، وانهار دفاعه، وقال بضعف يبكى ويضحك: «لحمة ضانى؟ الله».

هذا هو الفقر عندما يسرق الإرادة، وتلك «الضانى» قمة الإسقاط!

 ولم ينسَ صناع الفيلم المتاجرة بالدين، سمة المرحلة وقتها، يأتى خبر لتتح بأن المعلم حصوة البلطجى يريد أن يكون «إمام المسجد»، فالفطرة الشعبية السليمة تنتفض، يرد تتح بسخرية لاذعة: «إمام مسجد؟ ليه؟ إنت اكتشفت دين جديد ولا حاجة حضرتك؟».

جملة واحدة أسقطت أقنعة كل من تاجر بالدين فى هذا الزمن.

ثم تأتى ذروة الإسقاط، البنت الغنية «نور»، هذه البنت هى الرمز الحالم لـ«مصر».

مصر الجميلة التى لا يراها المواطن إلا على الشاشات، تُختطف نور على الهواء مباشرة من قِبَل عصابة مسلحة.

ومَن المطلوب منه إنقاذها؟ تتح!

المواطن العشوائى الأعزل الذى كان يخاف من ظله.

فى لحظة الخطر الحقيقى، لا النخبة ولا المثقفون ينقذون البلد، بل المواطن البسيط.

 ينتفض تتح، ويرفض التنازل لحصوة، ويطلق بيانه السياسى الخالد:

«البنى آدم مننا بيعيش حياته مرة واحدة بس.. يا يعيش راجل.. يا يعيش طول عمره خروف».

 رسالة التمرد التى سبقت نزول الملايين فى ٣٠ يونيو.

 لكن بعيدًا عن الإسقاط السياسى المباشر، هناك زاوية أخرى أعمق، زاوية لم يلتفت إليها أحد فى زحام هذا الترند، وهى فكرة الأرشيف البديل.

 دقق معى قليلًا.

 فى عام ٢٠١٣، كانت الكاميرات فى كل مكان، برامج التوك شو تصرخ، الصحف تكتب، والكل يسارع لتسجيل التاريخ الرسمى للمرحلة.

لكن «تتح»، بائع الجرائد الذى بالكاد يفك الخط، كان يكتب دون أن يدرى «المذكرات المضادة» لتلك الحقبة،

التاريخ الرسمى كان يخبرنا عن صراع الإرادات السياسية، لكن الأرشيف الشعبى الذى حفره محمد سعد فى هذا الفيلم أخبرنا عن مواطن أقصى طموحه ألا تدهسه العجلة.

 وهذه الشهادة الأرشيفية غير المكتوبة هى بالضبط ما يبحث عنه الجيل الجديد اليوم كطوق نجاة، لماذا؟ لأن هذا الجيل محاصر الآن بماكينة ضخمة تصادر ذائقته، فكل شىء الآن أصبح محسوبًا، كل شىء معلب، يفرضون على الشباب قوالب جاهزة للضحك، وكتالوجات ثابتة للنجاح، لذا يبدو أن الفترة المقبلة ستكون هروبًا للخلف للأعمال القديمة لتقدم نفسها من جديد.

ربما فى رأيى استدعاء «تتح» بمثابة إشعار مضاد ورفض قاطع لهذه النماذج الفنية.

الشاب الصغير عندما يقتطع مقطعًا لتتح وهو يغنى بكلمات غير مفهومة أو يرتجل حركة جسدية عشوائية، هو فى الحقيقة يوجّه ضربة للهياكل السردية البلاستيكية التى تفرض عليه الآن.

اللغة العبثية التى نطق بها تتح، والمفردات المتقاطعة التى تبدو بلا معنى، هى فى عمقها تفكيك لواقع لم يعد منطقيًا.

لأن «تتح» مختلف أيضًا، فالكوميديا بداخله تقوم على توريط المشاهد فى تفاصيل يومية تبدو تافهة، كصراع البطل مع جارته، أو رعبه أمام شاشة التليفزيون المسطحة، أو اغترابه التكنولوجى أمام ابن أخته.

 هذه التفاصيل تشريح دقيق لصدمة مواطن يفقد القدرة على مواكبة الزمن السريع.

والشباب اليوم الذين فى الثلاثينات والأربعينات، ورغم قدراتهم التكنولوجية، يعيشون نفس صدمة الاغتراب؛ يشعرون بأن عجلة الحياة تدهس أحلامهم تمامًا كما كادت تدهس «تتح».

محمد سعد لم يصنع كاراكتر ليضحكنا، بل صنع «مرآة» ترفض التجميل والإضاءة الساحرة.

لذلك، لجوء الجيل الجديد لهذا الفيلم هو صرخة تمرد لكسر احتكار الحاضر عبر استدعاء الماضى، وإثبات أن الجمهور ليس مجرد أرقام بهاشتجات.

وهذه هى النقطة التى أريد أن أصل إليها بعد كل هذه الثرثرة.

المخ الذى يدير الكوميديا.

محمد سعد غلّف كل إسقاط بإفيه فى هذا العمل، والذى أصبح اليوم جزءًا من لغة الشباب.

إفيهات لا بد أن تفهم ما وراءها لكى تدرك مفارقتها.

مثلًا المعلم حصوة يحضر طبلة ويزمر تحت بيت تتح فجرًا ليرهبه.

يخرج تتح، بشعر منكوش وعينين جاحظتين، فزعًا من ثقافة الاعتصامات التى خنقت البلد، ويصرخ:

«أعوذ بالله.. إبليس وبعمة! إنتوا معتصمين عندى هنا ولا إيه؟».

هنا تتجلى عبقرية محمد سعد، النقاد وقتها للأسف لم يروا فى «تتح» سوى بهلوان يتشقلب على الشاشة.

لكن الحقيقة أن محمد سعد كان يمارس أذكى أنواع التخفى الدرامى، كان يمرر قنبلة سياسية شديدة الانفجار. 

لو أن سعد قدم هذا الإسقاط بجدية مفرطة، أو ارتدى ثوب البطل الملحمى، لكان له شأن كبير، لكنه اختار الكوميديا كدرع واقية يحمى بها فكرته، لكن للأسف اعتبروه «عبط».

ألبس المواطن المطحون ملابس مهرج، جعله ينطق بأقسى الحقائق وهو يتعثر فى خطواته.

وهذا هو أقصى درجات النضج الفنى، أن تقول كل شىء.. وكأنك لا تقول شيئًا.

 المأساة لم تكن يومًا فى شخصية «تتح»، المأساة الحقيقية كانت فى نخبة متعالية، استكثرت على ممثل شعبى أن يمتلك رؤية.

هم يريدون المثقف الذى يشرب القهوة المرة ويقرأ لـ«كافكا» ليعترفوا بعمقه، أما الرجل الذى يقوّس ظهره، ويحول عينيه، ويلوى لسانه ليمتعنا، فهو فى نظرهم مجرد ظاهرة وانتهت.

لكن الزمن، هذا القاضى العادل والقاسى، تكفّل بالرد، الزمن أسقط أفلامًا ومسلسلات، وأبقى على «تتح».

لماذا؟ لأن الفن مرآة نرى فيها خيباتنا.

وهكذا انتقم محمد سعد لنفسه ولتاريخه، ترك لهم عملًا، كلما حاولوا إهالة التراب عليه، نبت من جديد كشوكة فى حلق الصناعة المصطنعة.

هذه هى الحكاية، بكل بساطة، فهل سنشهد أعمالًا أخرى سيعطيها الجيل الجديد حقها وكأنها تُعرض لأول مرة، أم «تتح» مجرد ظاهرة؟.