السبت 26 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

زمن القرع.. سيد الرشيدى: 75% من الصعايدة قبائل عربية

حرف

- لا توجد قبيلة عربية إلا ولها عشيرة أو بطن أو عائلة فى مصر

كشف الروائى سيد الرشيدى تفاصيل روايته «زمن القرع»، موضحًا أن عنوان العمل يرتبط بقانون قبلى قديم كان موجودًا فى قبيلة «عبس»، ويقوم على تزويج الرجل لابنة عمه دون رضاها، أو ما يُعرف فى بعض المناطق بـ«الحَجْر».

وشرح «الرشيدى»، فى حوار مع «حرف»، أن «القرع» هو قانون قديم فى القبيلة، يقضى بأن «يقرع» الرجل، أى يطلب أو يفرض زواجه من ابنة عمه أمام شيخ القبيلة أو أحد أصحاب المكانة فيها، بحيث لا يحق لغيره الزواج منها.

وأضاف: «هذا النظام كان يُعرف فى بعض البلاد التى توجد بها قبيلة عبس، ومنها السعودية والكويت وغيرهما، باسم (الحَجْر)، أى أن الرجل يحجر ابنة عمه لنفسه ويتزوجها دون رضاها، وهو ما أراه صورة من صور زواج الغصب».

وأشار إلى أن فكرة الرواية ارتبطت بتجربة شخصية عاشها بنفسه، قائلًا: «تعرضت لهذا القانون شخصيًا عندما كان صغيرًا، كنت وقتها فى المرحلة الابتدائية، قبل أن انتقل إلى القاهرة وألتحق بالجامعة ويتغير وعيى وثقافتى».

وواصل: «القانون كان موجودًا بالفعل فى القبيلة، وكثير من النساء تزوجن وفقًا له، لذا فإن رواية (زمن القرع) واقعية، شخصياتها حقيقية، ونحو ٨٠٪ من أحداثها مستمد من وقائع حقيقية».

وأكمل: «شهدت بنفسى هذه الممارسات منذ كنت طفلًا، أبلغ حاليًا ٥٨ عامًا، وعايشت هذه الأحداث منذ نحو ٥٠ عامًا»، مستعيدًا حكايات نساء من عائلته وقبيلته، من بينهن جدتاه «عيدة» و«سلوم»، مشيرًا إلى أن جدته «عيدة» كانت تبلغ نحو ٩٠ عامًا عندما كان عمره ٨ سنوات، ما أتاح له الاستماع إلى تجارب تمتد عبر أجيال.

وحول استمرار بعض القوانين والعادات القبلية القديمة رغم تطور التشريعات والقوانين الوضعية وانتشار التعليم، قال «الرشيدى» إن هذه الممارسات كانت مرتبطة بظروف اجتماعية وتاريخية معينة. لكن الثقافة تغيرت بصورة كبيرة خلال العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة.

وأرجع هذا التغير إلى عوامل عدة، من بينها التعليم والاستقرار، مضيفًا: «القبائل كانت فى السابق تنتقل أو ترتحل من مكان إلى آخر، لذلك كان والد الفتاة لا يريد أن تبتعد ابنته عنه أو تخرج من إطار العائلة، فكانت تتزوج من أبناء عمومتها وتبقى ضمن الأسرة والعشيرة. لذا هذا القانون كان له، فى سياقه التاريخى، أسباب مرتبطة بطبيعة الحياة القبلية آنذاك، قبل أن تتغير الظروف الاجتماعية والثقافية».

وأكد «الرشيدى» أن تركيزه على القبيلة فى أعماله الأدبية ليس مصادفة، موضحًا أن لديه ١٤ رواية ومجموعتين قصصيتين، وجميع أعماله هذه تنتمى إلى الواقعية الإنسانية.

وأوضح أنه يميل إلى الواقعية الرمزية، ويرى أن الأدب يستمد مادته من الواقع والمجتمع، لذلك لا يميل كثيرًا إلى الأدب الأسطورى أو الخيالى، وإنما يفضل الكتابة المستندة إلى التجربة الإنسانية الواقعية. وأشار إلى أن لديه إصدارات متعددة تتناول تاريخ القبيلة وتاريخ القبائل فى صعيد مصر، من بينها رواية «شاعر القبيلة» و«شارع بولاق»، وهو شارع ٢٦ يوليو حاليًا، إضافة إلى «الشيخ حماد من البادية»، و«كف مصر» التى تتناول ثورة العميان ضد الحملة الفرنسية.

وفى حديثه عن حضور القبائل العربية فى صعيد مصر، قال «الرشيدى» إنه ألّف كتابًا بعنوان «القبائل العربية فى الصعيد»، اعتمد فيه على البحث فى كتابات عدد كبير من المؤرخين والمراجع القديمة.

وقال إن ما يقارب ٧٠ إلى ٧٥٪ من قبائل الصعيد تعود، وفق أبحاثه، إلى قبائل عربية، معتبرًا أن تعدد الثقافات فى الصعيد، والحفاظ على اللهجات والعادات والتقاليد، يمثلان جانبًا من الموروثات القبلية التى لا تزال حاضرة.

وأضاف: «هجرات القبائل العربية إلى الصعيد بدأت منذ الفتح الإسلامى، بل إننى وجدت قبائل وصلت إلى المنطقة قبل الفتح الإسلامى»، مشيرًا إلى أن قبيلة «الرشايدة» أو «بنى رشيد»، وهى من بطن من بطون «عبس»، كانت آخر القبائل التى هاجرت إلى الصعيد، ووصلت عام ١٩١٢.

وواصل: «الصعيد شهد استقرار قبائل من اليمن وشبه الجزيرة العربية، ودوافع الهجرة ارتبطت، بحسب ما توصلت إليه فى أبحاثى، بالبحث عن الأمن والاستقرار والثقافة والراحة، إلى جانب البحث عن الكلأ والمراعى».

ورفض «الرشيدى» الروايات التى تقول إن بعض المصريين انضموا إلى قبائل عربية أو نسبوا أنفسهم إليها للحصول على مكانة اجتماعية، أو للتهرب من الضرائب والعبودية، قائلًا إن هذا الكلام «مردود إلى قائله».

سيد الرشيدى
سيد الرشيدى

وأضاف: «القبائل الموجودة فى مصر يمكن تتبع أصولها، وفى كتابى (القبائل العربية فى الصعيد) توصلت إلى أنه لا توجد قبيلة يمنية، ولا توجد قبيلة من شبه الجزيرة العربية، نجد والحجاز، إلا ولها عشيرة أو بطن أو عائلة فى الصعيد، أو فى مصر عمومًا». وربط «الرشيدى» بين وجود هذه القبائل فى مصر والفتح الإسلامى، موضحًا أنه، بصفته عضوًا فى الجمعية التاريخية المصرية، يرى أن عمرو بن العاص وجّه القبائل العربية إلى صعيد مصر لأسباب عسكرية وأمنية، من بينها إغلاق البوابة الجنوبية أمام قبائل البجا والنوبة وغيرهما، ما أدى إلى تمركز عدد كبير من القبائل العربية فى صعيد مصر. وتأتى رواية «زمن القرع» ضمن مشروع سيد الرشيدى الأدبى الذى يركز على الذاكرة القبلية وتاريخ الصعيد والعادات الاجتماعية المتوارثة، مستندًا فى جانب كبير منه إلى تجارب عايشها الكاتب بنفسه، وإلى ما جمعه من روايات أفراد عائلته وقبيلته على مدار سنوات.