الخيال الصينى.. ملحق خاص
أيمن طارق: ترجمة الصينية تحتاج إلى فهم السياق والثقافة وليس إتقان اللغة فقط
- على المترجم الموازنة بين روح النص وطبيعية اللغة العربية
- المصطلحات الصينية الخاصة تفرض علينا اللجوء للشرح والهوامش
- «الدعم الموجّه للفقراء» و«الذئب المحارب» نماذج لمصطلحات يصعب نقلها حرفيًا
لم تعد الترجمة مجرد عملية لنقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل أصبحت جسرًا بين ثقافات مختلفة، ووسيلة لصياغة صورة الشعوب لدى القارئ.
وفى حالة اللغة الصينية، تزداد المهمة تعقيدًا بسبب خصوصية الثقافة والتاريخ وتعدد المصطلحات التى تحمل دلالات لا تكشفها الترجمة الحرفية.
فى هذا الحوار، يتحدث المترجم أيمن طارق عن تجربته فى نقل الثقافة الصينية إلى القارئ العربى، والصعوبات التى واجهها فى ترجمة المصطلحات والتعابير ذات الخصوصية، ودور المترجم فى التعامل مع النصوص السياسية والرسمية، إلى جانب تأثير «الذكاء الاصطناعى» فى صناعة الترجمة، ومستقبل المترجم البشرى فى ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا.

■ بعد سنوات من التعامل المباشر مع النص الصينى، ما الصورة عن الصين التى اكتشفت أنها تختلف جذريًا عن الصورة الشائعة عنها فى العالم العربى؟
- أعتقد أن معرفتنا بالصين فى العالم العربى ظلت محدودة إلى حد كبير لعقود طويلة، وهذه المحدودية لم تكن ناتجة عن غياب ما يمكن أن تقدمه الصين، بقدر ما كانت نتيجة لضعف عدد من القنوات التى تصنع صورة الدولة فى الخارج. فالصين، رغم قوتها الاقتصادية والسياسية والحضارية، ظلّت لفترة طويلة أضعف فى مجال القوة الناعمة والإعلام مقارنة بحجم حضورها فى المجالات الأخرى.
أُضيف إلى ذلك عاملًا مهمًا جدًا، وهو أن حركة الترجمة من الصينية إلى اللغات الأخرى، ومنها العربية، ظلت راكدة أو محدودة لفترة طويلة، ولم تبدأ فى النشاط بصورة ملحوظة إلا فى خلال العقدين الماضيين. لذلك لم تكن هناك وفرة من الكتب والأعمال الصينية التى تتيح للقارئ العربى أن يتعرف إلى الصين من خلال أصوات صينية مباشرة، بعيدًا عن الوسيط الإعلامى أو السياسى الأجنبى.

أعتقد أن أكبر تغيير حدث لى هو أن الصين التى عرفتها من خلال الترجمة أصبحت أكثر تعقيدًا بكثير من الصورة النمطية التى تختزلها فى الاقتصاد أو التكنولوجيا أو عدد السكان. عندما تتعامل مع نصوص صينية فى مجالات مختلفة تكتشف أن وراء هذه الدولة الكبيرة منظومة فكرية وثقافية وتاريخية شديدة الخصوصية، وأن كثيرًا من الظواهر التى تبدو لنا من الخارج بسيطة أو مباشرة، تصبح أكثر قابلية للفهم عندما نقرأها من داخل السياق الصينى.
على سبيل المثال، عندما ترجمت كتبًا عن مكافحة الفقر والتنمية، لم أتعامل معها باعتبارها مجرد نصوص تعرض أرقامًا أو سياسات، بل بدأت ألاحظ طريقة التفكير التى تقف خلف هذه السياسات، وكيف ترتبط مفاهيم، مثل التنمية والريف والمجتمع والدولة والعمل الجماعى، بفكرة أوسع عن تطور المجتمع الصينى. وكذلك فى ترجمة النصوص الثقافية، وجدت أن كثيرًا من السلوكيات والمفاهيم اليومية لا يمكن فهمها من خلال المعجم وحده، لأنها مرتبطة بتراكم تاريخى طويل.
ولا أفترض أن عملية الترجمة فى حد ذاتها هى الوسيلة التى فهمتُ الصين من خلالها، فعند ترجمة كل فقرة، أو كل نص، أجد نفسى أمام عدد من الأسئلة والمواضيع التى أهم بالبحث عنها فى كل المصادر المتاحة مدفوعًا بالفضول والتطلع إلى معرفة المزيد عن المجتمع الصينى، فالنصوص الأدبية تنير ومضات حول جوانب لم نعرفها من قبل عن الحياة داخل المجتمع الصينى، وذلك بجانب العادات والأفكار التى كانت وما زالت سائدة فيه، والفكر الفلسفى والرمزيات التى تزخر بها الثقافة الصينية. أما النصوص ذات الطابع المعرفى فتسلّط الضوء على جوانب أخرى لم نكن نفقهها عن الصين، مثل الجانب التنظيمى أو البناء الإدارى وغيرهما.

■ عندما تصطدم أثناء الترجمة بمفهوم لا يوجد له مقابل عربى دقيق، كيف تقرر؟ هل تنقل الكلمة كما هى، أم تشرحها، أم تبحث عن أقرب مفهوم عربى حتى لو فقدت شيئًا من خصوصيتها الصينية؟ وأين تضع الحد الفاصل بين الترجمة والتفسير؟
- فى الواقع يمثل هذا السؤال تحديًا يمر به أغلب المترجمون بصورة دائمة، خاصة عند التعامل مع لغة وثقافة تحمل طابعًا شديد الخصوصية مثل اللغة الصينية، والواقع أن الصين تمتلك معجمًا ثريًا فى مختلف المجالات التى لا تقتصر على الجانب الثقافى أو الاجتماعى فحسب، فهناك عدد كبير من المفردات التى تخص الصين فى السياسة والاقتصاد وحماية البيئة وغيرها.
الواقع أن التعامل مع مثل هذه المفردات شديدة الخصوصية يحتاج إلى قدر كبير من التريث والتفكير، فضلًا عن الفهم الجيد للداخل الصينى والثقافة الصينية، فالمترجم عليه أن يحافظ على هذا الخط الدقيق الذى يوازن بين الحفاظ على روح النص ومضمونه، والحفاظ على النبرة الطبيعية للنص المُترجَم فى اللغة العربية، ومن المعروف أن الترجمة الجيدة هى التى تجعل القارئ يشعر بأنه لا يقرأ نصًا مُترجَمًا.

على سبيل المثال، هناك سياسة تتبناها الصين وهى «الدعم الموجّه للفقراء»، فعند التعامل مع مصطلح كهذا لن تكون مجرد ترجمته وافية من حيث إيصال المعنى للقارئ العربى، ولذلك قد يحتاج إلى المزيد من الشرح أو التفسير، والأمر ذاته مع مصطلح «الذئب المحارب»، وهو المسار الدبلوماسى الذى تنتهجه الصين مع دول الغرب. ويمكن أن نقول إن هناك العشرات من المصطلحات فى شتى المجالات تمتلك نفس الطبيعة الخاصة.
وعند التعامل مع النصوص الأدبية تزداد المسألة تعقيدًا، فالصين شديدة الحرص على نقل ثقافتها وتراثها غير المادى إلى دول العالم دون إخلال أو تحريف، ومع ذلك يظل المعجم الثقافى الصينى الذى تتميز به الصين زاخرًا بمئات من المصطلحات والمفردات شديدة الخصوصية والتعقيد، ما يجعل هناك مسئولية كبيرة على عاتق المترجم.
عند التعامل مع مثل تلك النصوص، تنحصر الخيارات أمام المترجم فى أن يترجم المصطلح صوتيًا، ويشرحه فى حاشية سفلية، وهذا النهج هو المتبع فى أغلب الأحيان، أو يترجم المعنى حرفيًا إذا وجد له مقابلًا فى اللغة العربية.
■ من خلال ترجمتك كتاب «الثقافة الصينية A-Z»، تعاملت مع أكثر من ٨٠٠ مصطلح ثقافى، وهذا يضع المترجم أمام مشكلة أكبر من اللغة: كيف تنقل ثقافة كاملة إلى قارئ ينتمى إلى منظومة تاريخية واجتماعية مختلفة؟
- ترجمة عمل «الثقافة الصينية A-Z» تجربة مهمة جدًا؛ لأن التعامل مع أكثر من ٨٠٠ مصطلح ثقافى يجعلك تدرك أن المشكلة ليست فى معرفة اللغة الصينية فقط، وإنما فى معرفة ما وراء اللغة.
هناك مصطلحات تبدو شديدة البساطة، لكن عندما تبحث فى أصلها واستخدامها تجد وراءها تاريخًا أو حكاية أو معتقدًا أو عادة اجتماعية. وفى هذه الحالات لا تكفى الترجمة الحرفية، لأنك قد تنقل المبنى اللغوى وتفقد المعنى الثقافى بالكامل.
■ هل يمكن للمترجم أن يكون أمينًا للنص إلى درجة تجعله غريبًا على القارئ، أم أن عليه أحيانًا أن «يخون» النص قليلًا حتى يكون أمينًا لمعناه؟
- فكرة «خيانة» النص أنا أفضّل أن أسميها أحيانًا «الابتعاد عن الحرفية من أجل الوفاء للمعنى»، فالمترجم ليس مطلوبًا منه أن يجعل النص العربى نسخة كربونية للنص الصينى كلمة بكلمة، بل مطلوب منه أن يحافظ على ما أراد النص أن يقوله دون إخلال بالمعنى.
لكن هذا لا يعنى محو الغرابة الثقافية، فهناك فرق بين إزالة الغرابة غير المفيدة، والحفاظ على الخصوصية الثقافية التى تعطى النص قيمته. فإذا كان المصطلح يعكس خصوصية صينية حقيقية فمن الأفضل أحيانًا أن أترك هذه الخصوصية حاضرة وأساعد القارئ على فهمها، بدلًا من أن أستبدلها بمفهوم عربى سهل الفهم لكنه غير دقيق. والواقع أن الكاتب الصينى كان على دراية بهذه الفجوة، ولذلك حرص على شرح كل المفردات التى قد تكون غريبة على القراء الأجانب.

■ هل ترى أن المترجم الصينى اليوم أصبح، من حيث لا يريد، طرفًا فى معركة الصورة والرواية؟ وكيف تحافظ على استقلالك كمترجم عندما يكون النص الذى تعمل عليه صادرًا عن مؤسسات أو كتّاب يرتبطون بالسياق الرسمى الصينى؟
- بالتأكيد، المترجم أصبح جزءًا من عملية تشكيل الصورة، سواء أراد ذلك أم لم يرد. فاللغة التى يصل بها النص إلى القارئ العربى تؤثر فى الطريقة التى يفهم بها الصين، واختيار المصطلح والنبرة والأسلوب يمكن أن يغيّر كثيرًا من الانطباع عن النص.
لقد أصبح دور المترجم أكثر حساسية من ذى قبل بالفعل، ومع ذلك هناك اعتبارات أخرى يجب الأخذ بها عند النظر من تلك الزاوية، فعملية إخراج نص مترجم جاهز بين يدى القارئ تمر على عدة مراحل من مراجعة وتحرير وإخراج فنى وتصميم غلاف، وبالرغم من أن دور المترجم هو الأهم من بينها، فإن الناشر يظل صاحب الرؤية العامة والقرار عندما يتعلق الأمر باختيار الأعمال التى ستُترجم وما الآليات التى ستُتبع عند ترجمة العمل وتسويقه وما إلى ذلك.
لكننى أرى أن مسئولية المترجم هنا هى أن يكون أمينًا قبل أن يكون منحازًا. عندما أترجم نصًا صادرًا عن مؤسسة صينية أو كاتب يتحرك داخل السياق الرسمى، فمهمتى هى أن أنقل رؤية صاحب النص كما هى، لا أن أضيف إليها تأييدًا ولا اعتراضًا من عندى.
وفى الوقت ذاته، لا تعنى الأمانة أن أتبنى ما يقوله النص. هناك فرق كبير بين أن تترجم خطابًا سياسيًا، وبين أن تتبنى الخطاب السياسى. المترجم الجيد يستطيع أن ينقل الرواية بأمانة كاملة مع احتفاظه بوعيه النقدى خارج النص.

■ الصينية من أكثر اللغات التى تبدو فيها المسافة بين «المعنى الحرفى» و«المعنى المقصود» واسعة.. ما أصعب موقف ترجمة واجهته وشعرت فيه بأن المعرفة باللغة وحدها لا تكفى، وأن عليك أن تفهم عقلية المتحدث الصينى وسياقه التاريخى والاجتماعى حتى تستطيع نقل جملة واحدة؟
- أصعب المواقف بالنسبة لى هى تلك التى تكون فيها الجملة صحيحة لغويًا، لكن ترجمتها الحرفية تكون خاطئة وظيفيًا. ويحدث ذلك كثيرًا مع التعابير الاصطلاحية والأمثال وبعض المصطلحات التى تبدو واضحة من مكوناتها، بينما المقصود منها مختلف تمامًا. فى هذه الحالات، لو اكتفيت بمستواى اللغوى، فقد أنقل الكلمات بشكل صحيح، لكننى أفشل فى نقل الرسالة.
هنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته «المعرفة الخلفية». أحيانًا أحتاج إلى معرفة أصل التعبير، أو المناسبة التى يُستخدم فيها، أو ما إذا كان يحمل نبرة ساخرة أو رسمية أو مجاملة أو تلميحًا سياسيًا أو تاريخيًا.
ومن المواقف التى استوقفتنى لوقت طويل أثناء ترجمتى أحد المصطلحات المتعلقة بالثقافة الصينية وهو حجر كريم يسمى «اليشم»، إلا أن المشكلة تمثلت فى أن المصطلح قد تكرر لأكثر من مرة فى النص فى سياقات مختلفة، وحينها وجدت أن الكلمة تحمل مدلولًا آخر وهو الإله «اليشم»، الذى اُعتبر رمزًا مقدسًا فى الصين القديمة، ولعل أكثر ما أزَّمَنى هو الاستخدام المزدوج لهذا المصطلح فى العمل بأكمله.

■ فى وقت يستطيع فيه «الذكاء الاصطناعى» أن يترجم الصينية إلى العربية خلال ثوانٍ، ما الذى سيبقى للمترجم البشرى ولا تستطيع الآلة أن تقوم به؟ وهل تعتقد أن مستقبل الترجمة سيكون فى منافسة الإنسان للآلة؟
- بالطبع هذا حديث الساعة، فاليوم لا يسعنا إنكار ما أحدثه «الذكاء الاصطناعى» من تغييرات كبرى فى كل المجالات وليست الترجمة فحسب، ويمكن القول إن سير العمل فى مجال الترجمة بفروعه المتشعبة اليوم قد تغير بشكل جذرى عما سبق، فقد صار كل شىء أسرع وأقل استهلاكًا للوقت والجهد، وهو الأمر الذى حفّز الزيادة الضخمة التى شهدتها صناعة الترجمة من حيث حجم العمل فى السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا التغيير فى نمط واحد، فإن تطبيقات «الذكاء الاصطناعى» فى صناعة الترجمة تختلف باختلاف نوع النص وطبيعة المشروع، فهناك نصوص باتت لا تتطلب من المترجم سوى المراجعة والتأكد من جودتها، وتلك تكون فى الأغلب تكون نصوصًا عامة أو أعمال روتينية تترجم بصفة متكررة.
على الجهة الأخرى هناك ترجمات ذات طبيعة خاصة تحتاج إلى إبداع بشرى فى ترجمتها للحفاظ على روح النص ومعناه الأصلى ولمسته الجمالية، وغالبًا ما تكون نصوصًا أدبية كالرواية والقصة القصيرة والقصائد الشعرية والمحتوى المرئى، ويكون دور «الذكاء الاصطناعى» فى ترجمة هذه النصوص محدودًا للغاية.
وبالطبع هناك ترجمات متخصصة فى مجالات دقيقة للغاية، مثل الطب والقانون، وتلك لا غنى فيها عن العنصر البشرى نظرًا لحساية تلك المجالات، ويقتصر فيها دور «الذكاء الاصطناعى» فى أحيانٍ كثيرة على البحث وجمع المصطلحات وأرشفتها.
■ كيف يتعامل المترجم مع نص يحمل رؤية سياسية أو تنموية واضحة؟
- تظل الأمانة فى نقل المعنى دون تبنى ما يحمله النص من أفكار أو أيديولوجيات عنصرًا حاسمًا وركنًا أساسيًا فى تقييم المترجم والنص المُترجم على حد سواء. ويمكن أن تتجلى فكرة الوعى النقدى لدى المترجم فى حقه فى اختيار الأعمال التى يترجمها من البداية، وهنا يكون له الحرية فى أن ينتقى أعمالًا موضوعية لا تتبنى سردية متحيزة.
ومن المعلوم أن الصين قد قدمت إسهامات كبرى فى مجال الحد من الفقر على الصعيدين المحلى والعالمى، وكل ذلك مدعوم ببيانات وإحصاءات موجودة على أرض الواقع، ولو كان الترويج لهذه الإنجازات مضللًا أو منحازًا، لما سارعت دور النشر والمراكز البحثية والجامعات حول العالم فى نشر كتب ودوريات علمية وأبحاث حول دورها فى هذا الصدد.







